أصاب بحالة من الذهول عندما أجد أحد الأشخاص يتحدث بكل ثقة عن أن الليبرالية حرام وكفر، دون أن يسوغ مبررًا لذلك إلا بعبارة واحدة هي: “إنها غير موجودة في الإسلام”.

 

وهذا ما يدفعني إلى طرح سؤال تلقائي: هل تتعارض الحرية وقيم العدالة والمساواة مع الإسلام؟! فتكون الإجابة بلا. إذا لماذا تعتقد أن الليبرالية حرام؟! فيجيب بكل ثقة: لأنها تسمح للشواذ بممارسة اللواط، وتتيح المتاجرة بالخمر، وتتيح الارتداد عن الإسلام.

 

كل هذه الردود المتوقعة تجعلني أتناول شهيقًا طويلاً عله يمنحني الصبر الكافي لشرح الأمر بأبسط صورة ممكنة.

 

فإذا ما تحدثنا عن الحريات وجدنا أن الكثير من فلاسفة ومفكري أوروبا قد وقعوا في أزمة حقيقية، واختلفوا في تحديد أيهما أهم؟! حرية الفرد أم المجتمع؟!

 

الإجابة عن هذا السؤال – الذي تظن للوهلة الأولى أنه بسيط- تضعك في مأزق حقيقي فلو أنك اخترت حرية الفرد، فماذا ستفعل عندما يتجاوز الفرد وتؤدي أفعاله للإضرار بالمجتمع؟! أما إذا ما اخترت حرية المجتمع فستجد بذلك ألف مبرر ومبرر لقمع الأقليات وأصحاب الأفكار المختلفة، والذين ربما يكونون على صواب، فالكثرة لا تعتبر دليلاً بأي حال من الأحوال على صواب وجهة النظر أو الرأي، فهيباتيا وجاليليو كانا يعتقدان أن الأرض كروية بعكس رأي الأغلبية، كما أن محمد وأتباعه كانوا أقلية في يوم من الأيام. وكذلك أرسطو وغيرهم من الشخصيات التي ساهمت في تطوير البشرية نحو الأفضل.

 

هذه المعضلة الطويلة التي لا تستطيع ضمان نتائجها، وضع حدًّا لها المفكر والفيلسوف الإنجليزي العبقري جون ستيوارت مل “1806 – 1973” الذي بنى نظريته في كتاب “عن الحرية – on liberty” والذي لخصها في مقولته الشهيرة: “إن كل ما يقيد المنافسة الحرة هو الشر المطلق، وكل ما يطلقها هو الخير العميم”.

 

فالمنافسة في جميع المجالات تنتج دائمًا الأفضل، ومن المعروف على سبيل المثال أن الرياضي الذي لا يجد منافسًا قويًّا يتراجع مستواه بلا أدنى شك مهما كانت قدراته.

 

لقد كان ستيوارت يرى أن الانحياز للحرية المجتمعية يساعد على خلق قوالب متشابهة عاجزة عن التفكير أو الإبداع مثل تلك التي نلحظها في مجتمعاتنا الشرقية التي اهتمت بحرية المجتمع على حساب حرية الأشخاص، فنجد أن المجتمع كله يسير في نهج مكرر وبطريقة تفكير مكررة تقتل كلاً من الإبداع والتفكير والتجديد، وهو ما ينتج عنه التمسك بالقيم بشكل ظاهري مع ضياع الهدف الأساسي من القيمة ذاتها، فالغالبية العظمى من الفتيات ترتدي الحجاب، لكن معظمهن لا يدرين لماذا يرتدينه؟! بل ربما ترفض الفتاة التفريط في حجابها لكنها تفرط في ما هو أكثر من ذلك!!

 

لقد غلب على المجتمع التقليد واتباع قيم ومبادئ لا يدرك أو لا يؤمن بالهدف من ورائها، وذلك لأننا أغلقنا لقرون طويلة الباب أمام أي رأي مخالف؛ فنسي الناس الهدف وتحولت القيمة إلى عادة، وهو ما يجعل كثير منا يؤمنون بمبادئ نسوا الهدف منها، كما نسي الناس أن الهدف من الحجاب هو العفة وليس تقييد حرية المرأة، كما نسوا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هدفه إصلاح المجتمع ونصحه لا قمعه وإجباره على الانصياع بحجة الدين!!

 

وبغض النظر عن نظرية الإبداع، فإننا نلاحظ أيضًا في المجتمعات المغلقة تراجعًا واضحًا في مجال الإبداع، لأن أغلب هذه المجتمعات تنساق وراء فكرة واحد، فيقل الاختلاف بفعل تحريمه، وينساق الجميع كالقطيع في فكر واحد وعمل واحد، فتتراجع هذه المجتمعات تدريجيًّا وتضعف، بل ربما تحارب أي فكرة جديدة تظهر في المجتمع، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال الملابس والعادات والأفعال، فتجد أن هناك تشابه كبير في “ستايل” الملابس في المجتمع، وإذا ما حاول أحدهم كسر القاعدة حاربه المجتمع بنظرات وضحكات وغمزات، أما لو كانت فتاة؛ فالتفسير الأقرب أنها تلفت الأنظار للتحرش بها!! وهذه دلالة على مرض المجتمعات، فالمجتمعات تمرض كما يمرض البشر أيضًا.

 

ولو أننا تركنا حرية المجتمع تغلب على حرية الفرد فالأولى بنا لو عاد بنا الزمن أن نحارب دعوة محمد واتباعه لنشر رسالة الإسلام التي كان أنصارها قلة في مجتمعهم في بداية الأمر! ولو نظرنا من منظور أوسع للكرة الأرضية ككل لوجدنا أن المسلمين ليسوا أكثرية؟! فهل هذا يبرر للعالم قمعنا؟!

 

لقد وقع كثير من المسلمين في لبس واضح باعتبارهم أن المجتمع يجب أن يسير في فلك واحد مثلما حدث في عهد محمد عندما كان جميع المؤمنين يطيعونه، وبالرغم من نزول الرسول على آراء كثير من الصحابة في مواضع عديدة، إلا أن طاعة المجتمع لمحمد كانت أمرًا وقتيًا واستثنائيًّا، فقد كان رسول يبلغ كلام الله ويحمل رسائل قدسية جديدة على البشرية، أما بوفاة الرسول واستكمال الرسالة، فمن المفترض أن تعود الأمور إلى أساسها وتفتح الحريات بصورة كاملة خاصة وأن الإسلام لم يمنعها أو يقيدها وهو ما نجده في مواضع عديدة في القرآن مثل: “من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، و“إنك لا تهدي من أحببت”، و”لكم دينكم ولي دين”… إلى ما هنالك من آيات تأمر بالتدبر والتفكير والبحث، فنجد عشرات الآيات تنتهي بعبارات “أفلا تفكرون – أفلا تعقلون… إلخ”.

 

وإذا ما اتفقنا على أهمية حرية الفرد، يكون السؤال التالي وهو الأكثر صعوبة:
ماذا إذا ما كانت حرية الفرد تضر بالمجتمع وحريته؟!

 

أعود هنا وأشدد على أن حرية الفرد في غاية الأهمية بشرط ألا تؤثر على حرية المجتمع بصورة مباشرة، فلا أحد يستطيع أن يقف بسيارته في منتصف الطريق مدعيًا أنها حرية شخصية، نظرًا لأن حريته في الفعل تؤثر على حرية المجتمع، وهذا أمر متفق عليه ومفروغ منه، لكن ماذا إذا كان التأثير غير مباشر؟!

 

دعونا نأخذ مثالاً: إذا ما افترضنا أن فلانًا مدمن على الخمور ويفرط في شربها، فإن شربه للخمر الذي يعتبر حرية شخصية لن يضر المجتمع بصورة مباشرة، ولكن من الممكن أن يضره بصورة غير مباشرة إذا ما مرض وضعفت قوته، وهو ما سيجعل منه عالة على المجتمع لا يعمل، وربما يمرض ويعالج على نفقة الدولة أيضًا؟!

 

هذه الافتراضية تضعنا أمام معضلة حقيقية، فإما أن نمنع الخمور بحجة أن فلان قد يدمنها فهذا سيعني بالتالي أننا من الممكن أن نقيد حرية الأفراد والمجتمع بناء على حالات شاذة ليست هي الأغلبية، وحتى لو افترضنا أن جميع شاربي الخمر مدمنون فإننا بذلك سنقيد حرية القلة التي لا تدمنها؟! فما هو الحل؟!

 

الحل هنا كما يرى جون ستيوارت أن نضع بعض القيود التي تقلص من الظاهرة، فالجميع يعلم أن المنع التام يأتي بنتائج سلبية طبقًا لقاعدة “الممنوع مرغوب”. وإن الحلول الحديثة والذكية هي التي تعطي النتائج الأكثر إيجابية، فتقنين أماكن شرب الخمور وسن من يسمح له بشربها، إضافة لتجريم القيادة لمن يتناولها، كل ذلك يحد من الظاهرة، لكن الحل الأمثل إضافة لما سبق يكمن في فرض ضرائب مضاعفة على الخمور.

 

وإذا قال سائل من وجهة نظر إسلامية: كيف تريد أن تأخذ الدولة أموال من حرام وتصرفها؟! فأقول له أن كثيرًا من الفقهاء يرون أن الأموال التي منبعها من حرام يجوز صرفها في المنفعة العامة، ومن الممكن أن تصرف لمحاربة الظاهرة من خلال إعلانات توعية وكذلك إنشاء المستشفيات لعلاج مدمني الكحول وتأهيلهم نفسيًّا مرة أخرى ليعودوا كعناصر فاعلة في المجتمع، وساهمت إلى أقصى حد لتحجيم الظاهرة، وربما القضاء عليها.

 

ولا أريد أن أحصر الفكرة في الخمور والدعارة والمحرمات فقط، ولكن أريدها أن تتسع لتشمل جميع مناحي الحياة، وهذا هو الجانب الأهم وخاصة حرية الفكر، فلا مشكلة من التعبير عن أي رأي حتى لو كان شاذًا، فانتقاد شخص ما للدين الإسلامي والتشكيك في نبوة محمد، أمر لا ضرر منه، خاصة أن محمد نفسه لم يمنع أحدًا من انتقاده فكيف نمنعه نحن؟!

 

وكما قال جون ستيوارت: لا يجب أن تمنع أحدًا من إبداء رأيه بحرية مطلقة، لأنه إذا ما كان مصيبًا في رأيه نبه الجميع إلى خطأ المجتمع ليعملوا على تقويمه، أما إذا ما كان رأيه خاطئًا، أتاح الاختلاف في وجهات النظر الفرصة للرأي الصواب أن يرد عليه ليظهر التباين بين الصواب والخطأ بصورة أوضح، وهو ما يجعل المجتمع مؤمنًا بأهمية ومعنى قيمه ومبادئه لا أن تتحول هذه القيم بمرور الوقت إلى أفعال يفعلها الجميع دون أن يدركوا أهميتها أو الهدف من ورائها!

 

شخصيًّا أعتبر هذا المقال بذرة لسلسلة من المقالات الأخرى التي سأكتب فيها عن الحرية ومفاهيم الإسلام والمجتمع الخاطئة، والتي وإن كانت صادمة لكثيرين، إلا أنها تفرض علينا أن نفكر ونعيد التفكير من جديد، لأنه بلا شك أننا بحاجة لكثير من المراجعات الفكرية على جميع النواحي الأخرى. وهو ما سأكتب عنه في الأيام المقبلة. ولنا في الحرية فصول أخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد