تتميز الحرية بين ثلاثة مستويات: الاستقلالية الكاملة، والاستقلالية المتقنة التي تعني القبول الطوعي بضوابط معينة متفق عليها، وأخيرًا الفوضى العارمة، بمعنى غياب أي نظام شرعي أو طبيعي.(1)

الفوضى العارمة التي تتمثل في الوقت الحاضر بتصاعد الأصوليات الدينية المتطرفة، والتي تصاعدت معها الممارسات التعصبية والإقصائية، والتي تزاول فكرها بتصفية الآخر. إن طبيعة الدين -جميع الأديان- وأثره في المجتمع لا بد أن يكون مساندًا للنظام والبيئة الاجتماعية، وليس معارض له، فإذا كان النظام مصانًا من قبل الدين، ويعمل على عدم المساس بحرية الآخرين، فسيصبح النظام هنا عاملًا من عوامل تحقيق الوحدة. أما إذا حصل العكس، فإن تأثيره يؤدي إلى بروز الدين كهدف يعمل على التشكيك بشرعية النظام.

الإسلام ينبذ الأيدولوجيات العنصرية، وأفكارها المبنية على العنف، والمساس بحرية الآخرين. والذي ينظر إلى الرسالة المحمدية يجدها قد حفظت حق الإنسان وحريته، فالناس سواء، المسلم وغير المسلم. حيث لم يأتِ ليسلب الحرية من غير المسلمين، ومن لم يتبعوه، بل تعامل معهم بتسامح. ومن أهم المبادئ التي تعامل فيها الإسلام هي:

  1. لا إكراه في الدين.
  2. العدالة والمساواة.
  3. الحرية.

الإسلام لم ينفِ الأديان، وإنما ترك معتنقيه لهم شأنهم الخاص ولهم حريتهم، ولم يمارس عليهم الضغوط حيث كانوا أحرارًا. أما الآن، فقد تجاوز الأمر ماهية الدين الفعلي، واكتفى رجال الدين بالاجتهاد الشخصي وفق ما يمليه عليهم مصلحتهم الشخصية بعيدًا عن المصلحة العامة، والتي أمر بها الله. ماذا نتوقع من قيادات نشأت على مبدأ سحق الآخر؟ على أفكار جاهلية تقوم بالقتل والتكفير؟ وماذا يرجى من شباب زرع في عقولهم أن فكرة الجهاد هو الحل؟ المشكلة أحيانًا لا تكون في وجود الانقسام بقدر ما تكون في كيفية التعامل معها.

ما تراه الآن من فعل باسم الإسلام من قتل، وتفجير، وخطف، وسلب حرية الآخر. ليس هذا الإسلام. المشكلة ليست في الدين، بل في معتنقيه. التطرف والذي يمارسه القادة يجعل من نفسه الله. يدافع عن الدين الإسلامي كإرهاب ويعكسه كسلبيات في الغرب، في الوقت الذي يهمش فيه البيئة غير المسلمة حريات المسلمين!

الآن، تمس الحريات للمسلمين في أوروبا، لا سيما فرنسا. لماذا يمارس التطرف والاختلاف تجاه المسلم فقط؟ لم لا يمارس تجاه غير المسلم أيضًا؟ أليس منع الآخر من ممارسة حريته تطرف؟ التطرف لا يوجد فقط لدى المسلمين، بل لدى الغير أيضًا، ومنذ الأزل:(2)

  1. سيطرة الكنيسة البابوية في العصور الوسطى.
  2. بداية حكم الإرهاب في فرنسا الثورية، أول حكم إعدام بالمقصلة في قصر كاروسل بباريس في 13 أغسطس 1792.
  3. الحرب الأهلية عام 1861، والتي أثارت الرأي العام الأمريكي على حياة الزنوج الأمريكيين.
  4. إلقاء قنبلة هايماركت في شيكاغو في 4 مايو 1886، على قوات الشرطة التي كانت تسعى إلى تفريق تجمع السلطويين، معظمهم من المهاجرين الألمان الجدد.
  5. الترويع، والذي مارسته بعض المنظمات المتمردة كحرب عصابات في كل من أيرلندا بين عامي 1920 و1921، وفيتنام بين عامي 1945 و1950.
  6. ثلاثة تفجيرات بالسيارات المفخخة في شارع ساوث لينستر، دبلن. نفذتها قوات ألستر شبه العسكرية الموالية للعرش البريطاني في 17 مايو 1974، التي أسفرت عن مقتل 23 شخصًا إجمالًا.
  7. تفجير المبنى الفيدرالي في مدينة أوكلاهوما في أبريل 1995، والذي كان هدفًا يرمز إلى سلطة الحكومة بالنسبة لمعارضيها في الميلشيات المسيحية. في ذكرى حرق مجمع الدافيديين في واكو بتكساس.
  8. الممارسة الصهيونية منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى الآن.

أصبح السائد الذي نشاهده يوميًّا بعيدًا عن المتطلبات الضرورية التي نحاول أن نحققها في سبيل نهضة المجتمع. كل شخص أصبح يعبر عن وجه نظره بمنظور ضيق، بمجرد أن تنتهي يحاول جاهدًا أن يتبنى منظورًا آخر، وكأن وجهة النظر هذه تلازمه مدى الحياة. علينا أن ننظر للأمور التي ولدنا لأجلها كقضية تستحق الموت من أجلها. الإيمان بالثبات واستمراريتها، هذا ما وجدنا لأجله. لكن علينا أن نوضحها كخير ذات منفعة، وليست باطلة كشك تجعلنا مشركين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحرية

المصادر

1. تشارلز تاونزند، الارهاب: مقدمة قصيرة جدًّا، ط١، ت: محمد سعد طنطاوي، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، ٢٠١٢.
2. رمزي المنياوي، الفوضى الخلاقة.. الربيع العربي بين الثورة والفوضى، ط١، دار الكتاب العربي، دمشق - القاهرة، ٢٠١٢.
عرض التعليقات
تحميل المزيد