أقسى أنواع الألم أن تفتح عينيك على واقع غير الذي توقعته لتعيش الصدمة، وقته تقرر هل تعيش الواقع وهذا حال أغلبنا، أو أن تبدأ التغير ليصبح الواقع كما توقعتها وهؤلاء نادرون.

ظهرت عاصفة الحريات بعد الحرب العالمية الثانية، بعد زمن مرير من قتل وتدمير لتعصف بالدول وتغير الكثير على صعيد حقوق الأفراد، لكن بداية الظهور هي بداية الانهيار، من يظن أننا نعيش بزمن الحريات والديمقراطية فهو مصاب بمرض التوهم أو الوهم.

قبل أن أبدأ بسرد انتهاكات ضد الحرية وحقوق الشعوب سوف أشرح لك أمرًا بطريقة مبسطة، لو فرضنا أن بقرب منزلك جار مستبد بين حين وآخر يتهجم عليك بالعنف الجسدي، ولكن بعد فترة يدرك أن ما يقوم به سوف يطيح بسمعته بين أبناء المنطقة، بعد ذلك يقرر أن ينهي زمن العنف ويعلن بين أبناء المنطقة التي يسكنها عن انتهاء زمن العنف، ليكون رمز السلام والمحبة، وبعد فترة تجدها يفرض عليك نوعًا محددًا من أغذية يجب أن تدخل منزلك أو نوعًا محددًا من ملابس يجب ارتداؤها، وقد يذهب إلى أبعد من ذلك ليحدد مستقبل أبنائك وبناتك من كل جانب، ثم تبدأ أنت بالتكلم والتذمر وتستنجد بأبناء المنطقة لكنهم لا يرون العنف، وهم قد شهدوا حفلة إعلان السلام والمحبة لجارك فتكون أنت في موقع المتهم ويخرج جارك المتسلط المتخفي برداء المحبة والسلام هو صاحب الحق، هذا هو الواقع.

أمريكا من الدول التي تعيش في واقع غير الواقع الذي يتصورها أي إنسان، فهي دول تدعي أن الحرية مادتها الأساسية وهي تنادي بها في كل وقت وحين، ولكن ما أن تقرأ عن تقارير منظمات حقوق الإنسان في أمريكا وعن انتهاكات حقوق الإنسان والعنصرية في أمريكا، وكذلك الانتهاكات التي تمارسها القوات الأمريكية خارج أمريكا من قتل الأطفال والنساء، وتدمير مستقبل أمة كاملة سوف تدرك أن أكذوبة الحريات والديمقراطية التي تنادي بها أمريكا خدعة ليس إلا.

إسرائيل المنتهك الأكبر لحقوق الإنسان فهي تقتل أطفالًا ونساء وتدمر وتسرح وتمرح بدماء الأبرياء، وتحت أنظار من يجب أن يكون حاميًا لقانون حقوق الإنسان (الأمم المتحدة) أين الحرية وحقوق الإنسان التي تنادي بها أمريكا من أفعالهم؟

فرنسا التي منعت الحجاب الذي تكفله حقوق الإنسان بحجة تقيد حرية النساء، وكذلك منعت البوركيني أو ما يسمى بملابس إسلامية للسباحة عند النساء بحجة تقييد حرية النساء، ألا يهمك نساء مالي الذين تقصفونهن بطائرتكم، ماذا عن أطفال سوريا الذي يموتون بقنابلكم، أيها الفرنسيون لكم مني الحب والاحترام، ولكن لو كان احترام الإنسان وحرياته يعري سوف أرفع القبعة لكل حيوانات الكرة الأرضية فهي صاحبة الحق في الاحترام والحرية.

منعت فرنسا الحجاب لو فرضنا أن مصر فرضت الحجاب على أخواتنا المسيحيات ماذا سيكون رد فعل فرنسا؟ ماذا سوف يكون رد المجتمع الدولي، ليست إلا أيام وسوف ترى مصر تتربع على عرش الدول التي تنتهك حقوق الإنسان.

هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية اخذت النصيب الأكبر من الانتقادات منظمات حقوق الإنسان والدول الغربية بشأن تقييد الحريات، ولكن هل تسألنا عن الشرطة الفرنسية التي لا تختلف كثيرا عن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في تقييد الحريات وحقوق الإنسان، الأول يمنع عدم ارتداء الحجاب والثاني يمنع ارتداء الحجاب، الأول منتهك لحقوق الإنسان والثاني حامٍ لحقوق الإنسان.

لو كنت تريد دليلًا قاطعًا عن حالة التوهم التي نعيشها في هذا الزمن على أننا أحرار لن تجدها في هذه المقالة، مجرد أن اقول لك أنك مريض لتبحث أنت عن علاج في كل مكان، علاجك عند السود في أمريكا اسألهم هل تعيشون الحرية؟ اسأل مسلمي بورما ما أخبار حقوق الإنسان التي يدعي بها مروجو الحرية المغشوشة؟ اسأل السكان الذين يعيشون في مستعمرات الدول التي تدعي بماية الحريات؟ اسأل عن كل المظلومين أين الحرية التي ندعي أننا نعيشها في هذا الزمن الخداع؟

نحن نعيش في زمن مرض التوهم، فنحن نتوهم أننا أحرار، وأن القرار في أيدينا، لكن الحقيقة المخيفة أننا في نوع جديد من الاستعباد نوع نستطيع أن نقول عنه الحرية المغشوشة، نعم الحرية المغشوشة هي بضاعة نشتريها من التجار ونحن نظن أنها من أفخر البضائع في الأسواق، ولكن ما أن نفتحها سوف ننصدم برداءة البضاعة، هكذا تكون الحرية هي مجرد أمور بسيطة تعيشها أنت لتتوهم أنك حر في كل شيء، لكن ما أن تصل للأمور المصيرية وتحديد المستقبل عندئذ تكون قد تجاوزت حدود المعقول وقتها عليك التوقف الإجباري عن ممارسة الحرية أو يكون الموت مصيرك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

زمن
عرض التعليقات
تحميل المزيد