هي تجليات جليدية تجعلنا نبدو مسرورين، والرضا يملأ أوداج أرواحنا، نستمر في إكمال النسيج القبل، فأنا ابن أبي، وأبي ابن جدي، يبدو كل شيء على حاله مكررًا بنمطية متشبثة بتفاصيل العادات حتى باتت بمحل اليقينيات، وإن تغيرت حيثيات بسيطة وتفاصيل صغيرة كأن يجتاح العالم تفاصيلي في كبسة زر واحدة وأحدِّث فتاة حسناء من هولندا في غرفتي المغلقة بإحكام، أو أسامر صديقي السويدي الذي يصغرني بسنتين وهو يستعرض عضلات الحرية هناك، فيريني صورًا فاتنة له رفقة حبيبته، لأخرج من غرفتي حاملًا آخر شهقة من أمل مستحيل متظاهرًا بتقبل محشو بالأسى لواقعي المضني، ففي كل جمعة يحملني أبي بأقمصتنا تلك التي نكذب بها في كل جمعة على بعضنا البعض فنتظاهر أن الدين هو نفسه منذ أكثر من 14 قرنًا، فيصيح الشيخ مهللًا ومكبرًا كأنّه مقدم على غزوة جديدة أدى علينا يباشر الروم اللواتي أمسين حلمنا المراهق، ثم يعود لنبرته التي تثير في رغبة شديدة للنوم ليشد أبي على كتفي، فأستيقظ لأكمل سماع حديث الجنة، ويا لسحرها! بها حور عين يُرى الماء من حلقها، ووشم على نحرها يخط كلمة «أحبك»، مليحة القد، حسناء، فلو تطل خصلة منها تضيء الكون كله!  فترى الجميع محدقًا محلقًا، متشدقًا راجيًا التخلص من جحيم الأرطال المكدسة ببيته، ثم يعود كل فرد لمنزله محملًا بالحنق لحاله المثير للشفقة ساخطًا على أدق تفاصيل حياته التي تبدو كجحيم مطبق، أما أنا فأعود لحاسوبي لأتأمل حوريات الشاشة الفاتنة .

ما زال الخطاب قريشيًا والمنبر حداثيًا والمكبر يصدح بعيدًا بموجات صوتية نقية كآخر تقنية كورية الصنع، كل شيء جديد كل شيء يدعو إلى البهجة عدا ذلك الخطاب الذي أكل عليه الدهر وشرب حتى بانت أكداس الغبار التي تجزم الطبيعة أنها مشروع رسوبي لصخرة تغلف كل ما أسفلها، ففي وسط هذا الزخم المعرفي والانفتاح الإعلامي ما زال الشاب المسلم يتحرق كمدًا لأن تلامس خصلات شعره يد أنثى أو بغير بحرية هنا يختلجه من حاجة شديدة بوجود امرأة تقاسمه أعباء الحياة، فبات الجنس حلمًا يحتل الصدارة في قائمة أفكاره وخلجاته وبات الحصول عليه أحد المساعي المعتمة التي لا يجرؤ على البوح بها.فقد عتمت عليه كل رؤية عادلة أو موضوعية فتجده إما مستغفلًا هانئًا بغيبوبته متعايشًا مع تناقضاته من تدين خارجي يرضي به مجتمعه ورغبات وغرائز يفضي إلى تلبيتها من خلال نوافذ أخرى أكثر سرية، أو تجده نبيهًا يعافر الحقائق ليوفق بين الوقائع والرغبات فتجده الأكثر تعبًا والأشد إيلامًا فيوجه إصبع اتهامه تحوطه كونه شاذًا لأنه يطالب بأبسط حقوقه البيولوجية، ليقوم هو بغير تردد بمواجهة الدين والعادات والتقاليد، بشكل متواطئ مهلك يحوطه ويزيد من تضييق الخناق على ممارساته بل وحتى على أخيلته  .فالمهرب الوحيد الآن هو الآخر بعيد التحقيق فقد أصبح الزواج بسن العشرين ضربًا من الجنون، فعتبته جاوزت الثلاثين وتغولت شروطه إلى حد خيالي، فباتت علاقة لا يعطيها الغربي أكثر من موعد ووجبة عشاء مشروعًا ماليًا لدى الشاب المسلم .

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزوج بمهر آيات من القرآن ويبيح الطلاق لنشوز، فتتزوج الأرملة أعزب، والعزباء معددًا، فلا يبيت الرجل إذا ماتت زوجه إلا وقد زوج بأخرى، ويتهافت الخطاب على باب أرملة بنية كفالتها واجتثاثها من وحدة الحرمان، فكانت المسألة الجنسية لا تلقى ذلك الجدل فمن أراد الباءة وجد ومن لم يجد صام أيامًا أو شهورًا معدودات ثم تزوج، لكن هل يعقل أن تخبر شابًا بعمر العشرين حديث رسول الله صلى اللهُ عليه وآله وسَلَّم «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ»؟كم سيصوم ترى خمس أو عشر سنوات! هل سيصوم عن المواصلات والإنترنت والدراسة والعمل أيضًا! لابد من فهم أوسع ومعنى أعمق فحديث الرسول صلى الله عليه وسلم موجه لزمن كان الزواج من أيسر الأمور بل ويتعدى الأمر لملك اليمين والجواري، هذا الحديث يحتاج فهمًا متجددًا فالخطاب الديني والفهم الحرفي القديم لا يلائم عصرنا ومتطلباته بل لم يعد يؤتي أكله في زمن كل ما فيه يسير بوتيرة متسارعة، وكل شيء قابل للقياس حتى ذلك التزايد الهرموني الذي يكاد يفتك بشاب يجالس حبيبته ولا حيلة أمامه سوى الانتظار، ليكلل كل انتظاره بأن يأخذها من هو أقدر منه، ليتحول هو لقنبلة بشرية لا تثق إلا بغريزتها، ولا تؤمن بكل أبجديات الفضيلة.

يعتبر خروج المرأة الصريح سببًا عميقًا في زيادة المتطلبات عند الرجل المسلم، فقوبلت شروط بشروط مماثلة، فتجد رجلًا خمسينيًا لا يتنازل عن شرط العذرية لزوجته الثانية، وقد تكون الثالثة في ظل نسبة العنوسة المتفشية، ليصبح مصير الأرملة والمطلقة مشابهًا لمن حكم عليه بالمؤبد، لتجد أن المسألة باتت حلقة مفرغة تنتهي ببدايتها، وتبدأ من نهايتها.ليس المرجو حبس النساء بقدر ما هو محاولة تكييف الخطاب وفتح باب الاجتهاد ليخرج بحلول ناجمة عن مركز أبحاث دقيق يستقرئ الواقع ويجتث منه أسباب هذا التسيب والتضييق في آن واحد  .كأن تطرح تساؤلات للدراسة مثل «كيف يكون الدين منقذًا للشباب في ظل هذا الانفتاح غير المسبوق؟»، «كيف يتخلص الشاب المسلم من هاجس الجنس المكلف بحل آخر أقل تكلفة؟»، «كيف يتعامل أصحاب الخطاب مع هاته المسألة بواقعية أكثر؟»، «ما هو حجم معاناة الشباب وخطورة الخطاب الديني الذي يجمد الشعور ويجرمه؟».كل هاته التساؤلات تستحق التأمل والدراسة خاصة في ظل المغريات التي لا تخرج عن كونها مشتتًا وممزقًا للبنية المجتمعية .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد