وصل هيوم بالفلسفة إلى حائط سد. فقد بلغ بالفلسفة التجريبية إلى الشك في العقل والحواس وكل شيء، وقال بأنه ليس ثمة داعٍ للتفلسف، وهدم بآرائه جميع الفلسفات التجريبية السابقة بشكه في منهجها الاستقرائي، وإخماد أية فرصة لفلسفة تبغي القيام على نفس المنهج.

أدى هذا الأمر إلى تدهور طويل المدى في تقدم الفلسفة العقلية، وتم تحجيم دور العقل بالتدريج إلى أن أصبحت الفلسفة غير قادرة على الإتيان بالجديد، وتقدم العلم بفارق شاسع وأخذ الصدارة في المحاولة لفهم الكون، وإن ظل العلم غير قادر على تقديم تفسير واضح لبعض الأمور، لكنه يتقدم باطراد.

من بعد هيوم كان لا بد للفلسفة أن تتخذ مسارًا آخر، ومن هنا دخلت لمرحلتها اللاعقلية، فجاء روسو من بعد ليُحدث ثورة في الفلسفة ويمهد الطريق للفلسفة المثالية، فإنه يقول إن الإله فكرة عصية على الفهم، وأن التوصُّل له يحدث من خلال القلب، لكن روسو لم يقدم الحجج الفلسفية لتعضيد آرائه، بل أدعي أن ثمة إلهًا وسكت، فأتى كانط من بعده بالأدلة والحجج الفلسفية التي تثبت آراءه، وكان كتابه “نقد العقل المحض” هو في جوهره نقد للفلسفة التجريبية بأكملها ودحض لآراء هيوم.

وتمثل هذا الخروج عن العقل بشكل آخر من خلال فلسفة شوبنهاور التي تعتمد على الإرادة، وجاء نيتشه خلفًا لشوبنهاور، لكن بثوب مختلف أشمل وأقوى من شوبنهاور، ففلسفة نيتشة فلسفة ناقمة وغاضبة تتحدث من منطق القوة، فإنه يقول: أبدًا بلا غضب لن يكون انتصارك على شيء.

تتركز فلسفة نيتشه في جوهرها على العديد من الأمور، وقولها بموت الإله هو المنطلق للدخول إليها واكتشافها، فزرادشت ينحدر من الجبل أخيرًا ليُخبر الناس بموت الإله.

أما عن كيفية توصل نيتشه لموت الإله فلم تكن بواعز عقلي، بل في نظره هي مسألة بحاجة إلى قوة للقول بأنه لم يكن ثمة إله من الأساس، بل إن الضعف والاحتياج يجعلان الإنسان يتوهم وجود قوة أكبر منه، يجد العزاء في تخيل إله يرعاه ويحفظه، فقط عندما يرتقي الإنسان ويتحرر من الوهم سيرى الحقيقة. كانت هذه الطريقة الذي اتبعها نيتشه تهدم كل القيم والأحكام المتوارثة دون رحمة، فنيتشة يتفلسف بالمطرقة لتحطيم كل وهم كما يردد دائمًا.

تنقسم حياته إلى ثلاث مراحل: مرحلة شبابه المبكر التي كتب فيها الشعر، والمرحلة الثانية مرحلة النضج، المرحلة الثالثة مرحلة ظهور الفيلسوف.

مرحلة الشباب

في هذه المرحلة تركزت كتابات نيتشة على الشعر، والشعر الرومانسي خاصة، كان ما يزال شابًا حالمًا يشق طريقه في طريق الأدب، ولم يفارق نيتشة كتابة الشعر في مراحله الأخرى وإن تخفف منه، وقد كان لكتابته الشعر عامل مؤثر على كتاباته الفلسفية التي جاءت بلغة شعرية مميزة، فبخلاف كانط أو هيجل الفلاسفة أصحاب الأسلوب الأكاديمي كان نيتشة فيلسوف أديب، ويظهر هذا بشكل جليّ في (هكذا تكلم زادشت).

والقائلون بأن اتخاذ نيتشة منحنى آخر في فلسفته سببه تجربته العاطفية الفاشلة مع لو سالومي فقط مخطئون، وإن كانت لهذه العلاقة عامل أيضًا، لكنه ليس السبب الرئيس، كانت نهاية هذه العلاقة كالقشة التي قسمت ظهر البعير، والدليل على أن نيتشة تنتابه بعض التساؤلات والحيرة الوجودية قصيدة كتبها في شبابه عام (1864م) توضح العذاب الوجودي الذي كابده نيتشة في محاولة العثور على الإله، فيقول:

مرّة أخيرة
قبل أن أرحل
أن أدير عينيّ إلى القادم
في وحدتي
أرفع اليدين نحوك
نحو من أبحث عنده عن ملاذ
أنت يا من أقمتُ له الهياكل الفخمة
في أعماق قلبي
فلينادني صوتك في كل الأوقات
منحوتة، هذه الكلمات تبرق: للإله المجهول
إليه أنتمي
حتى وإن بقيتُ إلى هذه الساعة
محاطًا بالأشرار
أنا لهُ – حتى لو أحسست بالروابط التي تسحبني
في المعركة إلى هذه الدنيا، وتجبرني على خدمته،
أنا الرّاغب هجرانه
أيها المجهول، أريد أن اعرفك
أنت يا من تدخل عمق روحي
أنت يا من تعبر قلبي مثلما عاصفة
أنت يا من يتعذر الإمساك به، يا أيها القريب!
أريد أن أعرفك، أريد أن أخدمك

بالرغم من أن هذه الفترة من حياته سيطرت عليها الرؤية الشعرية الحالمة، لكن هذه القصيدة تضع لنا خيطًا نستطيع تتبعه والصعود به تدريجيًا في فلسفة نيتشة.

كانت أحد أسباب فلسفته هي طاقة الحزن التي اكتنفته منذ الصغر، فقد عاش مريضًا بداء ورثه من أبيه الذي مات في صِغر نيتشه، ولم تكن علاقته بوالدته مثالية، فنشأ الشاب متخبطًا بين المرض واليأس من وصول للإله وإحساسه بالغربة عن المجتمع الذي نشأ فيه، وظلت هذه الهوة تتسع إلى موته.

مرحلة النضج

هي المرحلة الثانية من حياة نيتشة التي ارتقى فيها إلى ناقد للحياة الاجتماعية والثقافية في ألمانيا.

في هذه الفترة درّس فقه اللغة كدكتور جامعي، وكتب العديد من الكتب كمولد التراجيديا وشوبنهاور مربيًا وغيرهم، وكان ما زال متأثرًا ومحبًا لفاجنر وشوبنهاور، وقد انقلب على الأول بشكل كامل في مرحلته القادمة، وبالرغم من تأثر نيتشه الكبير بشوبنهاور وفلسفته، إلا أنه هاجمها بعد تبلور رؤيته الفلسفية، فقد كانت رؤية شوبنهاور التشاؤمية تتعارض مع رؤية نيتشة الساعية إلى التطور والارتقاء، وفي كل هذه الأشياء يكون الأمل وتقبل الحياة هو الدافع في فلسفته.

تقدم نيتشه بخطى ثابتة نحو تطوره كانت هذه الفترة بالتضارب الفكري والشعوري الحاصل داخله تنبئ بفيلسوف ذي مكانة، وبدأت المرحلة الثالثة من فلسفته بفصله من الجامعة.

مرحلة الفيلسوف

بعد أن نُحيَ عن الجامعة واعتزل الناس توالت مؤلفاته الفلسفية الخالصة، فقد وجد نيتشه في العزلة خلاصُه، وعبر عن هذا من خلال (هكذا تكلم زرادشت) بشكل أكبر من أي كتاب، فزرادشت في حقيقته مديح للوحدة، ويُعد هذا الكتاب هو أهم كتب نيتشه بحيث أنه احتوى بين دفتيه فلسفته كاملة، ويأتي ما وراء الخير والشر في المكانة الثانية كأهم كتب نيتشة وأدسمها، فقد كان زرادشت مكتوب بلغة سهلة الفهم وبأسلوب بسيط، بينما ما وراء الخير والشر يُرهق قارءه في السعي خلف استيعابه بشكل كبير.

وقد كان فريدريك لا يُحبذ أن يُفهم الفيلسوف بسهولة، وإلا فليس لجهوده شأن، وبالرغم من أن زرادشت بلغة بسيطة إلا أنه عصيّ على قارئه بعض الشيء، فعنوانه الفرعي: كتاب للجميع ولغير أحد، ومع هذا فهو الكتاب الأيسر الذي كتبه في هذه المرحلة بخلاف كتابه الذي يتحدث فيه عن نفسه وعن كتبه (هذا هو الإنسان).

كان نيتشه ناقمًا على أغلب الفلاسفة، الأخلاقيين منهم خاصة، لكنه تأثر في فلسفته وأشاد ببعضهم من حقبة ما قبل سقراط، وكان لهيرقليطس النصيب الأكبر من إعجاب نيتشة، وقال عنه أنه: أبو الكائنات جميعًا، وأنه غيّر وجهة المعركة، وجعل من فكرة التنافر عند هزيود مبدأ كوني.

بالتأكيد أن إعجاب نيتشة الكبير بهيرقليطس لم يكن صدفة، فقد تشابه الاثنان في بعض الصفات، فكلاهما كانا ناقمين على جُلّ معاصريهم والسابقين لهم، واحتقر الاثنان عامة شعبهم وانتقدوهم، والأهم أن هيرقليطس قال بأن العالم لم يخلقه إله ولا إنسان، ولكنه كان وسيزال، وهذا يجعلنا نُدرك مدى تأثر نيتشة به.

وهناك تشابه طفيف بين فكرة العود الأبدي عنده والتناسخ عند فيثاغورس يجعل البعض يخلطون ويطابقون بين الفلسفتين، فالتشابه هنا في الاستمرارية فقط. ففكرة فيثاغورس عن التناسخ تقول بأن الطاقة الكامنة داخل الإنسان تهيم بعد موته باحثة عن جسد آخر لتعيد دورة حياة أخرى، والطاقة الكامنة هنا هي ما يُسمى الروح في التصورات الأخرى. بينما العود الأبدي إن اشتركت في لا حدّية الزمان، إلا أنها تقول بأنه لن تنتهي حياة البشر لن يكون ما يُدعى نعيم وعذاب، وليس هناك خلود، بل ستظل البشرية مستمرة في دورة طويلة ممتدة، لا يمكن التفرقة بين بداية ونهاية، كما فسرها إرفين د.يالوم في روايته (عندما بكى نيتشة) بأن الحياة مثل ساعة رملية، ما تلبث أن تنتهي من جانب حتى تنقلب ويُعاد تدويرها.

ويُعد ارتقاء الإنسان أحد أهم الركائز الرئيسة في فلسفة نيتشه، فإنه يناقش كيفية تجاوز الإنسان كما قال على لسان زرادشت، ويقول في أحد المواضع:

ما القرد بالنسبة للإنسان؟ أضحوكةٌ، أو موضوع خجل أليم. كذا يجب أن يكون الإنسان بالنسبة للإنسان الأعلى: أضحوكة أو موضوع خجل أليم.

يجب أن يُتوافر في الإنسان الأعلى كل ما تتناوله فلسفة نيتشه، يجب أن يتحرر من وهم الإله أولًا ثم ينحي الأخلاق جانبًا ويحاول الوصول إلى فضائلة بنفسه… بالإضافة إلى باقي أعمدة فلسفته، حينها يصبح الإنسان مهيئًا ليحل محل الإله.

فقد كان فريدريك يصف فلسفته دائمًا بأنها لا أخلاقية، فالنظر إلى ما وراء الخير والشر أحد ركائز فلسفة نيتشه، وتتلخص فلسفته عن الأخلاق في قوله:

إن ما نقوم به عن حب هو دومًا أبعد من الخير والشر

تقوم لا أخلاقية نيتشه بضرب عرض الحائط بكل الفلسفات الأخلاقية السابقة لها، من سقراط حتى كانط، قال البعض عنه بأنه سوفسطائي، لكن هذا ناتج عن عجزهم عن فهمه وعدم استطاعتهم تحليل فلسفته!

يرى نيتشه أن الشعور الإنساني مقدس ويجب الاهتمام به كشعور مستقل بعيدًا عن تحليله أنه خير أو شر، هو يرى أن الخُلقيّة في إطلاق النار على الأخلاق، فالبعض قد ينافق ويداري شعور إنساني بحجة أنه شخص فاضل، بالرغم من أنه بداخله يريد أن يقوم بهذ الفعل، يقول:

ليس النفاق انحطاطًا للفضيلة: إنه بالأحرى وبنسبة كبيرة، شرطها

ويقول في موضع آخر:

  أن نخجل من فسقنا: إن هي إلا درجة أولى؛ في الأخير سنخجل أيضًا من خلقيتنا

ومصطلح اللا أخلاقية هو مجرد مصطلح مضاد للفلسفة الأخلاقية ما قبل هذا، لكن بداخل لا أخلاقية نيتشة توجد فضائل مطلقة، كالصدق والصراحة وغيرها، لكنه ينتقد بعض الركائز في الفلسفات الأخرى الأخلاقية، فإنكار الذات يُعد فضيلة في الفلسفة الأخلاقية أو الدين، بينما نيتشة يرى أن الأنانية هي الفضيلة، فيجب أن يهتم الإنسان بذاته ويهتم بالشعور الداخلي ولا يفعل ما يخالفهم بحجة إنكاره لذاته، في سبيل أهله أو دينه أو أيًا كان، ومن مثل هذه اللمحات الإنسانية انطلقت الفلسفة الوجودية.

أما عن الشفقة فيعدها نيتشة أسوأ الفضائل طرًا، لسيطرتها الكبيرة على الشعور الإنساني وصعوبة تخلص الإنسان منها، وقد كانت هي الخطيئة التي وقع فيها زرادشت عندما انحدر من الجبل لمساعدة شخص يستغيث ظنّه الإنسان الأعلى، وفي النهاية سيكتشف خطيئته.

وقد ظهرت ذاتية نيتشة في هذه النقطة بالتحديد، فشخص قوي مثل نيتشه يشعر بالإهانة والتقليل من شأنه الإنساني حينما يشفق عليه أحد بعد دخوله في إحدى نوبات مرضه.. عندها يصبح هذا الشخص في مقام القوي، ونيتشة هو الضعيف، وهو ما لا يقبل به نيتشة مطلقًا، فمن كانت فلسفته قائمة على القوة لا بد أن يرى في الشفقة إهانة للشعور الإنساني.

وعن المرأة فقد أثرت علاقة نيتشه بوالدته وأخته، ثم علاقته الفاشلة بلو سالومي، على نظرته للمرأة بوجه عام، فهو يحتقر المرأة لأقصى حد، إنه من قال: إذا ذهبت إلى المرأة، فلا تنس السوط.

ويقول في مقطع آخر: (عندما لا يكون الحب أو الكراهية طرفًا في اللعبة، تلعب المرأة برداءة)

وهذه النقطة ذاتية أيضًا كونها تعتمد على خبرات شخصية أصدرها نيتشه من خلال رؤيته للنساء، قد تتوافق مع حالة البعض ولا تتوافر مع الآخر.

وقد كان أحد همومه الدائم على ذكرها هو أنه لم يكن مقروءًا في عصره، ولكي يخفف عن نفسه وطأة هذا الضغط قال بأن لن يُقرأ الآن، وكتبه ستجد صداها بين القراء بعد عام ألفين، وقد حدث هذا حقيقة، فلم يكن عصره هو العصر الذي يستطيع تلقي نيتشه، لكنه تم الاعتناء بما كتب قبل عامه ألفين.

آمن فريدريك بأنه قدر وأن على يده ستتغير مصير البشرية:

أعرف قدري.. ذات يوم سيقترن اسمي بذكرى شيء هائل رهيب؛ بأزمه لم يُعرف لها مثيل على وجه الأرض، أعمق رجة في الوعي… فأنا لست إنسانًا، بل عبوة ديناميت. لا أتحدّث ألبتّة إلى كتلة الجماهير… وأشد ما يخيفني هو أن يكرّسني الناس ذات يوم كقداسة: بإمكان المرء أن يخمّن السبب الذي يدفعني إلى نشر هذا الكتاب قبل أن يحدث ذلك الأمر؛ سيكون عليه أن يحميني من أي استعمال شنيع سيّئ العواقب. لا أريد أن أكون قديسًا، بل أفضّل أن أكون مهرجًا… ولعلني بالفعل أضحوكة. ومع ذلك… فالحقيقة هي التي تنطق من خلالي. لكنّ حقيقتي فظيعة؛ ذلك أن الكذب هو الذي ظلّ يُدعي حقيقة حتّى الآن.

وهذا المقطع يجعلنا نفهم جزء كبيرًا من شخصيته، وإيمانه بأنه سيسيطر بفلسفته على المستقبل، وأنه كان مُحقًا حين وجد من يهتم بقراءته وتحليله الآن.

احتوى (هكذا تكلم زرادشت) وبعض الكتب الأخرى على الكثير جدًا من المقاطع الناقمة على الشعراء، فيقول بأنهم يحترفون الكذب، بالرغم من أنه كان شاعرًا.. وربما يرجع عدم حبه للشعراء بسبب واعز داخلي ناقم على لو سالومي؛ لأنها كانت شاعرة.

اتّخذ نيتشه أسلوبًا مختلفًا في الكتابة الفلسفية، وهو أسلوب الشذرة، وهي عبارة عن مقطع فلسفي قصير يتناول جانب فلسفي كامل بصورة مكثفة. وكان هذا الأسلوب مرضيًا لنيتشة كي لا يُصبح مفهومًا لأي أحد، كما أنه يجعل قارئه متيقظًا ومنتبهًا دائمًا في محاولة للفهم والتحليل.

هناك بعض الترجمات لنيتشه مشهورة بأنها هي الترجمة الأشهر وأحيانًا لا يوجد غيرها أفضل، ككتاب ما وراء الخير والشر ترجمة: جيزيلا فالور حجار، وهناك ترجمات أخرى مختلف على جودتها، مثل كتاب: غسق الأوثان أو أفول الأصنام، وتسميته الأولى تُنسب إلى علي مصباح، والثانية إلى حسان بورقية ومحمد الناجي. وتُعد ترجمة علي مصباح أفضل، وهكذا هي كل ترجمات علي مصباح لنيتشه مميزة.

تظل دائمًا الترجمة عن غير اللغة مشوبة بالأخطاء وغير دقيقة، وقد تخل بالغرض الذي كتب له النص، وقد كان كتاب (هكذا تكلم زرادشت) له النصيب الأكبر من الخلاف على الترجمة، فقد ترجمه علي مصباح عن الألمانية، بينما ترجمه فيلكس فارس عن غيرها. أكثر ما يميز ترجمة علي مصباح هو الهوامش والتركيز على المعنى، وتميزت ترجمة فيلكس باللغة الشعرية وأفضلية الأسلوب، ترجمة فيلكس تفسر الشق الأول من العنوان الفرعي: كتاب للجميع، وترجمة مصباح تجعلنا نفهم معنى الشق الآخر: ولغير أحد.

في الأخير من خلال المقارنة بين العديد من الترجمات المُختلف عليها وجدت أن ترجمة على مصباح هي الأفضل في كل الكتب، فقد نقل روح نيتشة وشخصيته أكثر من أي أحد آخر، وما لم يترجمه على مصباح لا يدور عليه الكثير من الخلاف.. ما وراء الخير والشر، وشوبنهاور مربيًا كمثال.

إن أكبر عيب في فلسفة نيتشة هو أنها ذاتية في بعضها، وعيب آخر في أنها متّسقة مع نفسها، لذا فقد تحتمل الصواب بشكل كامل أو الخطأ بشكل كامل، وعيب آخر في أنها تتحدث من منطق القوة لا العقل، وهذا يعرضها لصعوبة تطبيقها.

ليس الجميع بقادرين على ترك النعيم بالاعتماد على مُدبر ييسر لهم شؤونهم ويلجأون إليه عند الحاجة، ليس من السهولة التخلي عن الأمان والراحة المرافقة للإيمان وقولهم بموت الإله، ليس من السهولة القول بأن كل ما كان يؤمن به وهم، ولا يستطيع الجميع التخلي عن الشفقة، حتى زرادشت نبي نيتشة وقع في فخها.

هذه مرحلة متقدمة من القوة والإرادة لا يصل إليها الجميع، وكانت فكرة الإنسان الأعلى لهذا تصف إنسان يستطيع استيعاب وتقبل كل هذا، وفي هذا الصدد لا نستطيع التأكيد، فتطور البشر شيء حتمي، ولو أخبر أحد الإنسان البدائي أننا سنكون موجودين بهذا الشكل الآن ما صدّق!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد