من الغريب المريب، والخطب الجلل العجيب، إبان اللحظات التاريخية الحاسمة للأمة، والمثقلة بالمعاني الكثيفة والرمزية العميقة، أين تُصقل فيها معادن الرجال، وتُفتضَح عورات شراذم العمالة والخَبَال، ويَسْتَبِين المثقف العضوي من الدجّال، في تلكم اللحظات الفارقة – عجبًا – ألا تسمع أي نقد للسياسة الفرنسية الهمجية، من طرف أحبائها وبيادقها وأدواتها الوظيفية، الذين يَحْلُو لهم بمناسبة وغير مناسبة، أن يَلْغَوْا بفكرهم في تراث الأمة وهويتها، فيرجعوا به إلى القرون الخالية، ليُنَقّبوا عن أي مَلْمَزٍ ينفّس عنهم شيئًا من الحنق والغيظ المسْتَكِنّ في صدورهم على الإسلام أو العرب أو العربية، أو لأجل التشنيع على أي تصرف أو حدث نشاز اقترفه مغمور من الناس، عساه أن يشبع هوسهم أو يقربهم زلفى إلى الهوى الباريسي! ونحن في هذا طبعًا نتبرأ من كل الأخطاء والخطايا التاريخية أو التوجهات والتصرفات المنحرفة أو المتطرفة، ونغسل أيدينا منها، ونعرضها على محك النقد والتمحيص، دون انتقائية، أو عصبية، أو تسييس.

غير أن هذه البيادق المِكْثَارةُ المهْدَارَةُ، تفضل التزام الخذلان والصَّمَمِ، والعِماية والبَكَمِ، إزاء أحداث الحاضر وخطوب الماضي القريب، حين تغرق حبيبتهم فرنسا في وحل النذالة إلى الأذقان أو تزيد، إذ لا يحركون إزاءها طرفًا، ولا ينبسون ببنت شفة تجاه جرائمها، ولا تسمع لهم أي تعليق ذي مغزى إبان حدث رمزي مشحون بالمشاعر الوطنية الخالصة كحادثة جماجم شهداء المقاومة الشعبية، إذ على مدار سنوات عديدة لم نسمع من هؤلاء الذين يُقدّمُون على أنهم كتاب ومثقفون ومبدعون، وذوي مقامات عالية في الأدب والفن والفكر، أي انتقاد للسياسات الاستدمارية التي لا تزال آثارها شاخصة إلى اليوم، كقضية رفاة الشهداء وضحايا التجارب النووية التي قامت بها فرنسا في صحراء الجزائر، وضحايا القنابل المغروسة على طول الشريط الحدودي الشرقي والغربي، والتي تأبى فرنسا إلى اليوم تسليم الجزائر خريطة القنابل لتفكيكها، وقضية الأرشيف والاعتذار والتعويض عن جرائم الحقبة الاستدمارية، وغيرها مما اقترفته اليد الفرنسية الآثمة، ولا تزال إلى يوم الناس هذا سادرة في غيّها، وموغلة في مكرها، ولا أدل على ذلك من إيوائها لحركات انفصالية تدعمها بالمدد والعدد والسند، لتمضي في أجنداتها التخريبية، ضد الوحدة الوطنية والترابية الجزائرية.

كل هذا يحدث وأكثر وأضرُّ، ولا تجد من أبطال الحداثة والمعارك الدونكيشوتية، المسْتَبْسِلِين في محاربة الإسلام وتشويه معالمه، من دون أن يكون لهم علم بأصوله ومقاصده، أو أن يكونوا ذوي مُكْنةٍ ودراية بأسباب نزول الآيات ومواردها، وعلل الأحكام ومآلاتها، ومع ذلك فهم يمتلكون من رصيد الجراءة ما يجعلهم يرفعون عقيرتهم، ويُنْغِضُون رؤسهم في عنفوان غرورهم وكمال بجاحتهم، ليَجْتَرِحُوا التشويهات والشبهات، ويَفْتَئِتوا على الثوابت والقطعيات، فمرة يصفونها بالدعشنة، وأخرى بالهمجية والأصولية المقننة، وتارة بالتخلف والرجعية المعلنة، وما إلى ذلك من قواميس مصطلحاتهم، وما تحويه من من ألفاظ مبتذلة.

ولا عجب من صنيعهم هذا، فهو رأس مالهم الوحيد للظفر بالتكريمات والألقاب والمنائح، التي تخصهم بها حبيبتهم ومُلهِتُهم وآسرة قلوبهم، ولهذا فإنك لا تكاد تقرأ لهؤلاء (الكتّاب) مقالًا أو رواية تُعرّي وحشية وداعشية «les enfants de la Patrie» (جملة البداية للنشيد الفرنسي) في حق أبناء الأمة الجزائرية، بل لا تسمع لهم أزيزًا، ولا حتى غطيطًا كغطيط النائم في انتقاد حبيبتهم الأبدية والسرمدية فرنسا.. أم الخبائث والقبائح!

لن تسمع لهؤلاء أيَّ رِكز أو همس، ليقفوا على الأقل موقف العاذلة من حبيبها أو المعاتبة لخدينها.. وهيهات لهم أن يفعلوا! ولا غرو في ذلك؛ فعندما ينبلج الصبح ويتنفس، تستتر الخفافيش وتَتَنَكّس!

حبيبتكم أيها النقاد الانتقائيون والمثقفون المؤدلجون صاحبة شعار: الحرية، المساواة، الأخوة؛ وفضلًا عن جرائمها العابرة لعوالم البشاعة والفظاعة، تلكم الحبيبة التي تعتقدون دومًا أنها منبع الحضارة والإلهام الحداثي، وفيض القيم الإنسانية الخالدة، قد جمعت رفاة الشهداء «بمتحف» سمته زورًا ومكرًا «متحف الإنسان»! نعم إنه ذلك الانسان الذي تغنيتم بحداثته، وبشرتم بجنات ديمقراطيته التي تجري من تحتها الأنهار.. أنهار الدماء والأشلاء!
فيا له من حِس حضاري، وسمو أخلاقي، ودقة بالغة في الذوق الحداثي، حين تُراكم حبيبتكم عظام الموتى الذين قَطَّعتْ أوصالهم، وهَشّمتْ أَعْظُمهم، ثم لا تكتمل شهوتها في التنكيل، حتى تستعرضهم بتلك الطريقة التراجيدية الصادمة دون حياء من نفسها الدنيّة، وكأن لسان حالها يقول:
انظروا إلينا يا شعوب العالم نقتبس لكم من نور حضارتنا، لنريكم كيف كنا نعذب الجزائريين وندك هاماتهم بالحديد دكّا، ونفصل رؤسهم عن الأجساد فصلًا!
انتظروا إلينا نريكم وميضًا من حداثتنا ومجدنا التليد، ونحن نعرض لكم تاريخنا الدموي ومنتجنا الوحشي، لتُمتّعوا أبصاركم بجرائم ذبّاحينا وجزّارينا!
انظروا إلى تلكم الرفاة فوق الرفوف وهي مصفوفة، وتلكم الرؤوس في العلب وهي ملفوفة، فهي تشهد على سطوتنا وقوتنا وحضرتنا الموصوفة!

انظروا إلى تلكم الثقوب والكسور التي على الجماجم، من أثر الرصاص والضرب والسلخ والنَّشْرِ!
انظروا إلى الأسنان التي كنا نقتلعها منهم وهم أحياء، وإلى العيون الغائرة التي كنا نفقؤها بكل جفاء!
انظروا إلى عظام الأيدي والأرجل والصدور، كيف كنا نزدهي بتقطيعها وتفصيلها بكل حبور، والطرب يحرك منا كل طرف!
انظروا كيف كنا نقطّع رؤوس المتمردين، ونتصور معها فارهين، ثم نسرقها لنحتفظ بها ماكرين!
انظروا إلينا كيف نعرض لكم إبداعاتنا التي لا مثيل لها في سوق النخاسة والخساسة، فلنا الحق في أن نفاخر بجرمنا الذي لا عِدْلَ له، ونؤسس له معرضًا ننتشي من خلاله بالتشفي في عظام القتلى، وفي ألم النكاية حين يراهم أهلوهم صرعى، سافرةً وجوههم، باديةً آثارُ العذاب عليهم!
نعم نحن فقط من نعذب العُزّل والأسرى، ونقطّع رؤوس الموتى، وننكل بالجثث وهي هلكى، ثم نعلقها على الأوتاد، لنخيف بها العباد، ونزرع الرعب في كل ناد.

نحن من يُمعن في اللؤم فنصور الرؤوس المقطّعة، ونَجرُّ الأجساد الممَزَّعَة، ثم نسرقها فنخفيها، وبكل بجاحةٍ نعرض كل ما فيها، كي يتعلم أطفالنا الصغار، القيم التي تحلى بها أباؤهم الكِبار.. في الغي والصَّلَفِ والجُرم الكُبَّار!
فانظروا أيتها الشعوب المتحضرة؛ فتلكم هي مآثر وأمجاد.

طبعًا كل هذه الخطيئات تغيب عن أبناء فرنسا ومخلّفات الحَرْكَى، المتشدقين بقيم حضارة الاستخراب، وبالوعي الاستعلائي المنتشي بالاستيلاب والاغتراب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد