منطقة الفرنس – إفريك هي مناطق النفود الفرنسي في القارة الأفريقية، سياسيًا نقصد بها علاقة فرنسا بمستعمراتها القديمة في القارة الأفريقية، استعمل المصطلح لأول مرة من قبل أول رئيس لساحل العاج فيليكس بوانييه سنة 1955، وكان يقصد به العلاقات الوثيقة بين بلاده وفرنسا، والتي ساعدت في تطور ساحل العاج سياسيًا واقتصاديًا بسبب شراكتهما معًا، وعليه أصبح المصطلح يستعمل لوصف العلاقات القوية والمتواصلة بين فرنسا ومستعمراتها الأفريقية، لكن سنة 1998 عمد المؤرخ الفرنسي فرانسوا كسافير إلى تغييره إلى françafrique، كدلالة على الأنشطة السياسة والاقتصادية السرية والفاسدة لفرنسا في الدول الأفريقية، وعليه أصبح المصطلح يدل على نوع من الاستعمار الفرنسي الجديد للقارة الأفريقية.

يعود تاريخ سياسة françafrique إلى شارل ديغول الذي فور عودته للسلطة سنة 1958 طُلب منه من قبل الدول الكبرى أن يتخلى على مستعمراته في أفريقيا ويعطيها استقلالها، فرأى ديغول أن فكرة françaftique يجب أن تكون البديل للسياسة الاستعمارية الفرنسية، وعليه عيّن جاك فوكار كمستشار الرئاسة الفرنسة للشؤون الأفريقية الذي عمل بدوره على تكثيف ونشر سياسة الاستعمار الجديد françafrique أكثر وجعلها قانونية.

استمرت سياسة الاستعمار الفرنسي الجديد في القارة الأفريقية وبلغت أوجها سنة 1989، حيث ومنذ استقلال الدول الأفريقية في ستينات القرن الماضي، تدخلت فرنسا لأكثر من 30 مرة في دول أفريقية، ونشرت جيشها في عدة دول مثل ساحل العاج، مالي، تشاد، الصومال، إضافة إلى إقامتها قواعد عسكرية في الجابون، جيبوتي والسنغال، اعتُبر خلالها جاك فوكار مهندس الاستعمار الفرنسي الجديد في أفريقيا.

انتشر مصطلح françafrique في الأدبيات والكتابات السياسة كتعبير عن شكل جديد من أشكال الهيمنة السياسية والاقتصادية الفرنسية في القارة الأفريقية، وتقوم سياسة françafriqe على ركيزتين:

-التدخل العسكري في حالة الحاجة.

-القتال العنيف منزوع الديمقراطية.

وآذا ما لخصنا هدف سياسية françafrique سنرى بأن لها ثلاثة أهداف أساسية: سياسيًا منع التمدد وانتشار الشيوعية في القارة الأفريقية، دبلوماسيًا استمرار قوة فرنسا على الساحة الدولية وذلك بحفاظها على دول حليفة وتابعة لها تدعمها في المحافل الدولية، اقتصاديًا استمرار فرنسا في استغلال الموارد الطبيعية الخام للقارة الأفريقية والتي تعتبر هي المصدر الأول لصناعتها.

استمرت فرنسا في الاستثمار في سياسة françafrique حتى عهد الرئيس نيكولا ساركوزي الذي لمح خلال حملته الرئاسية سنة 2007 على اعلان القطيعة مع السياسة الأفريقية التي انتهجها أسلافه، منددًا بدعمها للديكتاتوريات في أفريقيا، وقيامها على اختلاس مساعدات التنمية، ومع ذلك وفي ضوء الإجراءات المتخذة منذ أن تولى منصبه في الإليزيه، لم يحقق الرئيس الفرنسي شيئًا من وعوده، بل واصل هو أيضًا في دعمه للديكتاتوريين (بونجو، القذافي…) والدفاع عن الأعمال التجارية الفرنسية، إضافة التدخل العسكري في التشاد.

ليعود الحديث عن القطيعة مع سياسة françafrique مع الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون الذي حشد وسائل الإعلام والحملات الترويجية لنشر فكرة ضرورة القطيعة مع هذه السياسة بين الأوساط الفرنسية والأفريقية معًا، ليصرح بها ايمانويل ماكرون رسميًا في 29 نوفمبر 2017 اثناء زيارته لبوركينافاسو وكان التصريح ضمن إجابته لأسئلة الطلبة بجامعة واغادوغو بقوله «لـم تعـد هنـاك سياسـة أفريقيـة»، ليؤكد عليها كلما أتت الفرصة كتصريحه في مؤتمر السفراء في الإليزيه شهر أغسطس (آب) من سنة 2019 بوجوب تصور الإستراتيجية الفرنسية مع شركائنا الأفارقة، كما عبر وزير الشؤون الخارجية الفرنسي لودريان عن التوجه الجديد للسياسة الماكرونية في نفس الشهر من نفس السنة بقوله: إن فرنسا يجب عليها أن تواجه الشائعات بتقوية أدوات دبلوماسيتها، مؤكدًا أن العالم يعرف حربًا ثقافية ومعركة إعلامية، معتبرًا أن فرنسا مستهدفة بمحاولات تشهير وتظليل إعلامي وأن الدولة الفرنسية يجب أن تتصدى لكل هذا بتطوير إستراتيجيتها الاتصالية مع القارة الأفريقية، وخلال احتفال الرئيس الفرنسي بالمئوية الثانية لوفاة نابليون بونابارت في مايو المنصرم، أعاد ماكرون التأكيد أنه لا يتوانى في ما سماه «إعادة النظر في حقيقة تاريخ فرنسا»، سواء ما حدث في عهد نابليون، أو الملفان الحساسان المتعلقان بالوجود الفرنسي في الجزائر ورواندا، لكن مجلة «نيويورك تايمز» اعتبرت أن ماكرون احيى ذكرى رحيل نابليون فقط من أجل إرضاء اليمين الفرنسي بعد أن تراجعت شعبيته كثيرًا بعد الأحداث المتتالية التي حدثت في فرنسا السنوات القليلة الفارطة ولا دخل لذلك بسياسة القطيعة مع françafrique.

عندما يتحمل الأحفاد أخطاء أجدادهم

تريد فرنسا في عهد إيمانويل ماكرون أن تلمع صورتها أمام العالم، وأن تمحي سنوات القتل التي كتبتها في تاريخها بدماء الأفارقة، لكن القطيعة تتطلب الاعتراف بالجرائم، ومنه تحمل تبعات قانونية أهمها التعويضات المالية، وتجدر الإشارة أن فرنسا غير قادرة في الفترة الحالية على دفع أي تعويضات للدول الأفريقية عن سنوات الحرب والإبادة، ولهذا فأول زيارة للرئيس الفرنسي إلى روندا بعد 27 سنة من القطيعة كانت مخيبة للآمال، ففي حين أن العالم كان يتنظر الاعتذار الرسمي من الدول الفرنسية عن مشاركتها في الإبادة الجماعية للتوتسي، اكتفى الرئيس الفرنسي بالاعتراف بمدى معاناة الشعب الروندي في تلك الحقبة دون أي اعتذار عن مشاركة الجيش الفرنسي في أعظم المذابح الجماعية في القارة الأفريقية، حيث اكتفى ماكرون بالقول إن بلاده «لم تكن متواطئة» في الوقت الذي أكد فيه أرشيف ديكلرت أن فرنسا قدمت الدعم لنظام الهوتو المستبد في روندا.

وعليه لا تعكس الأفعال نوايا فرنسا في القطيعة، فلا زالت فرنسا تدعم الأنظمة المستبدة الديكتاتورية في أفريقيا، ولا زالت 12 دولة أفريقية تتعامل بالفرنك، مع استمرار نشر القوات الفرنسية في منطقة الساحل وكل ما يسببه هذا الانتشار في زعزعة أمن المنطقة وعرقلة محاولات نشر السلام فيها، ومنه أصبح من الواضح أن مسؤولية فرنسا جد ثقيلة والاعترافات المصحوبة بالاعتذار ستكلفها كثيرًا.

فمحاولات الحكومة الفرنسية محو تاريخها الدموي وإعادة تطبيع العلاقات مع مستعمراتها الأفريقية ليست بالسهولة التي يتخيلها ماكرون، فلا فرنسا مستعدة للاعتذار ودفع الثمن ولا مستعمراتها استطاعت النهوض بذاتها والاستقلال الفعلي والتام عن فرنسا، حتى أن إعلان فرنسا القطيعة وفي حال ما نجحت في ذلك، سيجر بالتأكيد دولًا أوروبية أخرى ذات ماض استعماري إلى اتخاذ سبيل فرنسا في الاعتراف والاعتذار من مستعمراتها الأفريقية، وهذا ما تتجنبه تلك الدول.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد