قد يعتقد قارئ العنوان أننا نعادي اللغة الفرنسية، أو نهاجمها لأننا عاجزون عن تعويد لساننا على نطق «بونجوغ» أو «صافا» أو باقي كلمات لغة موليير، لكننا في الحقيقة لا نكن أي حقد لها ولا لأهلها. ولسنا ممن يجترون أسطوانة أن الفرنسية لغة الاستعمار ويجب أن تدحر لهذا السبب، بل إنها لغة نكتب ونقرأ بها، ونستمتع بالإبحار والتعمق في معانيها، لكونها لغة جميلة نؤمن بأهمية تعلمها. لكن هذا لا يعني أن نجعلها سلاحًا ندمر به لغتنا ونهدم به أسس هويتنا.

تحولت اللغة الفرنسية في مجتمعنا المغربي إلى أداة للإقصاء الاجتماعي، وتعاني شريحة واسعة جدًّا من أبناء الشعب بسببها، إذ يجري إقصاؤهم من عدة مجالات منها الشغل لعدم إتقانهم لها. كما أنها صارت وسيلة للتسامي والترفع عن الآخرين، ويستعملها متقنوها لاستعراض مدى قدرة لسانهم على التَّلوي بسلاسة من أجل نطق حروفها بطريقة صحيحة وشبيهة بناطقيها الأصليين، معتبرين من يخطئ فيها أو يخونه لسانه في التحدث بها بلكنة نقية، مجرد إنسان من الدرجة الثانية، لا يرقى لدرجة الفرنكفونيين النبلاء ولا يتساوى معهم.

لن نبالغ إذا قلنا إن قرار فرنسة التعليم العلمي بالمغرب، تحت مسميات مستعارة كالهندسة اللغوية، أو التناوب اللغوي، من شأنه أن يدق عدة مسامير في نعش اللغة العربية. كما أن الغزو اللغوي للفرنسية في كل مجالات حياة المواطن المغربي، (من الإعلام، والوثائق الإدارية، إلى اللافتات الإشهارية، ويافطات واجهات المحلات، وقوائم الطعام، وغيرها من المجالات)، أصبح يهدد الهوية المغربية ويضربها في مقتل، وإن لم يتَّحد مناصرو اللغة العربية ويذودوا بالدفاع عنها، فلننتظر القرار الذي سيجهز عليها ويدق آخر مسمار في نعشها، كي تحمل فوق الأكتاف إلى مثواها الأخير.

ولا يحصد المغرب من الفرنسة سوى المزيد من الاستلاب الثقافي والتغريب القسري، ورهن اقتصاده لفرنسا، وتهجير كفاءاته وخبراته إليها. لنجد أن خيرة الأطباء والمهندسين والمبرمجين، وغيرهم من ذوي الكفاءات يهاجرون لاستكمال دراساتهم العليا بها، فتتلقفهم بلهفة إداراتها ومستشفياتها وشركاتها؛ لأنها تجد فيهم أطرًا جاهزة لم تكلفها الكثير، أو في كثير من الأحيان لا تكلفها ولو سنتًا واحدًا. لذلك فالفرنسية بالنسبة للمغاربة ليست خيارًا، بل قدرًا لا مفر منه، فرضته قوى الاستعمار الثقافي وجنودها الفرنكفونيون الذين لا يريدون لها منافسًا، ويحاولون خلق صراع مفتعل بين لغاتنا الوطنية كي يشتتوا انتباهنا، وتخلو الساحة لهم وحدهم.

غالبًا ما يوجه مناصرو الفرنسية وحلفاؤهم أصابع الاتهام بخصوص وضعية التعليم المتردية بالمغرب إلى التعريب، ويلقون باللائمة على اللغة العربية، ويحملونها مسؤولية فشل التعليم وتدهوره. وتجد هاته اللغة المسكينة نفسها وحيدة تواجه لوبيات قوية ذات نفوذ وأياد خفية قادرة على العبث بمصيرها. في ظل تحركات خافتة، أو يراد لها أن تكون كذلك من قبل المدافعين عنها، إذ لا تتجاوز تحركاتهم حدود التنديد والشجب والاستنكار، وما إلى ذلك من مرادفات.

وكي يضفي مريدو «لغة موليير» بعضًا من المنطق على موقفهم، تجدهم يسوقون بعض الحجج من قبيل أن العربية لغة أدبية عتيقة لا تقوى على مواكبة التطور العلمي، وأنها تعاني من مشكل عويص فيما يخص ترجمة وتعريب المصطلحات العلمية والتقنية، وأننا بحاجة للانفتاح على اللغات العالمية قصد تدريسها والتدريس بها؛ لنصنع جيلًا مثقفًا ومنفتحًا وناجحًا، مقابل أن تبقى العربية لغة للممارسات الدينية وتأدية العبادات فقط.

لكن إلى متى سنظل نسمع هذه الأسطوانة المملة، التي لا يمل أصحابها من ترديدها كلما سنحت لهم الفرصة لذلك؟ ولماذا يتحدث هؤلاء عن اللغة العربية والعلوم وهم شديدو الجهل بالعربية وأكثر جهلًا بالعلوم؟ لماذا يبدو من يتبنى فكرة الانفتاح على اللغات الأجنبية هو المحق بنظرنا دائمًا، بينما يقذف أنصار العربية بالتخلف والرجعية؟

من السذاجة بمكان الاعتقاد بأن اللغة العربية هي سبب فشل التعليم، رغم غياب دراسة أكاديمية تؤكد أن اللغة هي السبب في ذلك. ويكفينا أن نذكِّر من تخونهم ذاكرتهم أن اللغة الفرنسية هي لغة التعليم في النيجر، وتشاد، ومالي، والبنين، فهل جعلت هذه اللغة من هذه الدول الفقيرة دولًا غنية؟ هل جعلت ترتيب جامعاتها أفضل؟ أو يا ترى حولتها إلى دول صناعية أو رائدة في الابتكار؟

الجواب هو حتمًا لا؛ فهذه الدول وغيرها من دول أفريقيا المسماة «فرنكفونية» تقبع في قاع ترتيب دول العالم من حيث جودة التعليم، وتعاني من هجرة أدمغتها إلى فرنسا كما نعاني نحن، ويمكن أن تجد جامعاتها بكل سهولة في القائمة إذا بدأت بالبحث من مؤخرة الترتيب.

أما بالانتقال للحديث عن العلوم، فيمكن لأي ملاحظ متخصص أن ينتبه للتطور الملحوظ للمحتوى العلمي العربي، رغم أن الحكومات تتنكر للغة العربية، ولا تهتم بتطويرها وإدراجها في التخصصات العلمية في المستوى الجامعي. إذ إن حركة ترجمة المقالات والكتب العلمية والتقنية عرفت تطورًا مهمًّا في الآونة الأخيرة، ومبادرات تبسيط العلوم توالدت باطراد في السنوات الأخيرة، مخلفة محتوى عربيًّا لا بأس به في مجالات الطب، والفيزياء، وعلم الأحياء، والفلك، وغيرها من مجالات العلوم.

كما أن العديد من المجلات العلمية والاقتصادية العالمية الرائدة صارت لها نسخة عربية تصدر شهريًّا، كمجلة «National Geographic»، ومجلة «Harvard Business Review»، ومجلة «Forbes»، ومجلة «Nature»، ومجلة «العلم» وهي النسخة العربية لمجلة «Scientific American»، ومجلة «العلوم للعموم» وهي النسخة العربية للمجلة الأمريكية «Popular Science». وكلها تكتب باللغة العربية وبمصطلحات علمية عربية، مكذبة مزاعم معارضي هذه اللغة الذين يدعون أنها لا تواكب العلوم، ولا تصلح لتدريس المواد العلمية.

كلما انتفض أنصار العربية دفاعًا عنها وعن الهوية والثقافة المغربيتين، أجابهم خصومها بأن اللغة مجرد وسيلة للتواصل ولا علاقة لها بالهوية، ولا ينبغي أن نعطيها حمولة هوياتية لا تناسبها. والحقيقة الجلية هي أننا وحدنا من يراد لنا أن نفكر بهذا المنطق الأعوج، في الوقت الذي تعد فيه حكومات الدول المتقدمة لغتها عمادًا من أعمدة الثقافة والهوية، وجنديًّا من جنود الصفوف الأمامية في نشر الثقافة والفكر. واللغة لم ولن تكون يومًا مجرد أداة أو وسيلة للتواصل، بل إنها وعاء الفكر وأساس الهوية، وصيانتها واجب وطني، أما تهميشها وإقصاؤها فهو خيانة عظمى. لذلك فإن اللغة الفرنسية في المغرب هي رمز من رموز التبعية، وحبل متين يبقينا تابعين لفرنسا، ويبسط هيمنتها الاقتصادية والثقافية علينا، أما العربية فهي رمز السيادة وجسر من جسور التواصل الممدودة بيننا وبين باقي الثقافات حول العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد