دكالحسم في لغة التدريس في أي مجتمع يعد من اللبنات الأولى الأساسية لتطوير منظومته التعليمية. واختيار لغة أو لغات التدريس (بالنسبة للمجتمعات المتعددة الألسن)، يجب أن يكون نتاج سياسة لغوية وطنية واضحة المعالم، ونابعًا من رؤية علمية بعيدة المدى تستحضر الخصوصيات اللغوية للمجتمع وكذلك تجارب الدول التي حققت نتائج مبهرة في ما يخص جودة التعليم، واللغات التي تبنتها للتدريس واللغات الأجنبية التي اتخذتها بوابة انفتاح على العالم.

منذ «الاستقلال» إلى اليوم ما يزال بلدنا لم يحسم بعد في أي لغة أو لغات للتدريس. فبعد الفرنسة في سنوات الاستعمار والسنوات الأولى من «الاستقلال»، جاءت سياسة التعريب لتخلق جدلًا واسعًا حول جدواها خصوصًا مع بقاء الفرنسية مهيمنة وكانت لغة لتدريس العلوم والتدريس في الجامعات. وانكبت الوزارات المتعاقبة على التعليم بعدها على نهج سياسات غير واضحة اتسمت بالعشوائية والمزاجية.

التوجه اليوم إلى تبني اللغة الفرنسية كلغة لتدريس العلوم، توجه، نخبوي بعيد عن نبض المجتمع، لنخبة فرانكوفونية لا تدرس أبناءها في المدارس العمومية. والتدريس باللغة الفرنسية ببلادنا لم يرتبط يومًا بتطوير المنظومة التربوية بل ارتبط بالأساس بالتبعية الاقتصادية لفرنسا، كما هو الشأن في جميع مستعمراتها. والمدافعون عن الفرنسية كلغة لتدريس العلوم يدافعون عن مصالحهم الاقتصادية، ويدافعون بشراسة عن طرحهم بحجج بالية، تنفيها كل الحقائق والأرقام حول اللغات المرغوبة اليوم حول العالم.

فاللغة الفرنسية رغم كل ما تستثمره فرنسا من أموال طائلة من أجل تطويرها وتوسيع جغرافية انتشارها، تشهد تراجعًا كبيرًا على المستوى العالمي في العديد المجالات. يبلغ اليوم عدد الناطقين بها (كلغة أم) 76 مليونًا، وتتحدد جغرافيتهم في كل من فرنسا، بلجيكا، كندا ثم سويسرا. في حين بلغ عدد الناطقين بها كلغة ثانية 153 مليونًا وجلهم من المستعمرات الفرنسية. محتلة بذلك الرتبة العاشرة في ترتيب اللغات الحية الأكثر انتشارًا حول العالم. وحسب التصنيف الأكاديمي لجامعات العالم (ARWU) سنة 2018، والذي تجريه جامعة شانغهاي جياو تونغ، نجد أن الجامعات الفرنسية لا تدخل ضمن الثلاثين جامعة الأهم في العالم، وتحتل السوربون أرقى الجامعات الفرنسية المرتبة 36.

وبعد مرور قرابة قرن من الزمن للغة الفرنسية في بلادنا، وبالخصوص في المنظومة التعليمية، والنتيجة نعلمها جميعا، نتذيل كل التصنيفات المتعلقة بالتعليم وجودته.

هذه اللغة رغم أن أبناء المغاربة يقضون بين السنة الأولى من التعليم الابتدائي والثانوية على الأقل 6720 ساعة يدرسونها ويدَرسون بعض المواد بها، إلا أن أغلبهم، بعد حصوله على شهادة الثانوية، لا يسطيع إنتاج ولو فقرة كتابية واحدة سليمة، ولا يسطيعون إجراء محادثة بسيطة بهذه اللغة . والاتجاه الرسمي إلى تدريس العلوم باللغة الفرنسية، لا ينعكس إلا سلبًا على معظم الطلبة بعد التحاقهم بالجامعات والمدارس العليا، فمعظمهم يجد صعوبة في مسايرة نسق المحاضرات والدروس بسبب ضعف في هذه اللغة.

وحتى المتمكنون من الطلبة الباحثين يجدون صعوبة في الوصول إلى أهم المستجدات، المقالات والبحوث العلمية الحديثة في مختلف المجالات، كون جل هذه الأبحاث لا تصدر باللغة الفرنسية، ما يعيق تقدم أبحاثهم وجعلها تتمحور حول ما هو موجود باللغة التي يدرسون بها.

بالإضافة إلى أن تدريس اللغة الفرنسية يحظى بحيز زمني مهم من الزمن المدرسي، أكثر مما يحتاجه الفرد للتمكن من حد أدنى للغة جديدة، دون الحصول على النتائج المرجوة.

لا أحد يمكن أن ينكر أن تعلم اللغات الأجنبية أمر مهم جدًا لما يتيحه ذلك من توسيع لشبكات التواصل والتعاون بين المجتمعات وأيضا الانفتاح على مسالك المعرفة المختلفة، وخصوصًا في ظل ضعف وهزالة الإنتاج المعرفي والعلمي باللغات المحلية في البلدان المتخلفة. وتعلم العلوم لا يرتبط فقط بحفظ المصطلحات العلمية الأساسية، بل له علاقة بالتمكن من المنهج العلمي الذي يمكن من تفسير وتحليل وفهم الظواهر العلمية بمختلف تشعباتها، بالإضافة الى أن البحث العلمي بطبيعته تراكمي بما معناه أنه لا يمكن أو من الصعب البحث في ظاهرة علمية دون الاطلاع على أبحاث سابقة تطرقت للظاهرة موضوع البحث. ونحن نعلم هزالة الإنتاج العلمي بلغات الدول المتخلفة في كل المجالات وحتى الموجود منها يعتمد بشكل كبير على معطيات دراسات بلغات أجنبية بحكم غزارة ووفرة الإنتاج العلمي بهذه اللغات.

والسؤالان المهمان اللذان يمكن أن يطرحا ها هنا هما: أي لغة أو لغات للتدريس نريدها ببلادنا؟ وما هي المعايير التي يمكن على ضوئها اختيار اللغة الأجنبية الأنسب التي ستكون بوابة انفتاح على العالم وعلى المعرفة، بمختلف تشعباتها؟

سنحاول الإجابة عن هذين السؤالين في مقال قادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد