تنتمي رواية «وقوف متكرر» للصحافي والكاتب المصري محمد صلاح العزب إلى نوعٍ من الكتابات أسميه «رواية التفاصيل العادية»؛ بمعنى أن القارئ سيجد في هذا العمل الأدبي أحداثًا يتعرض لها يوميًّا في حياته، أو سمع عنها، وكذلك سيقرأ عن شخصياتٍ من «لحمٍ ودمٍ» ربما قابلهم في منطقته أو شارعه الذي يقطن به، أو حتى فعل ما يفعلون.

تُركز الرواية هنا على محمد إبراهيم وصديقه «منعم»، بطلا الرواية المرتبطين طوال هذا العمل الأدبي معًا، سواء في التجول بالسيارة لاصطياد فتاةٍ داعرةٍ، أو البحث عن شقةٍ يسمينها «مُكْنَة»، لتكون مجرد مكانٍ يحصلان فيه على متعةٍ جنسيةٍ سريعةٍ مع إحدى الفتيات.

تبدأ الرواية ببطلها محمد إبراهيم، الشاب الذي يقرر الانتقال إلى حجرةٍ ليسكن فيها بمفرده بعيدًا عن شقة أسرته، هنا تظهر بدايات التمرد عند هذا الشاب الذي يبحث مع صديقه عن المتعة كما قلنا سابقًا، ومن خلال هذه الرحلة، نرى مشاهد وشخصياتٍ متفرقةً، مثل «السمسار» الذي يساعده في الحصول على الحجرة، وصاحبة البيت التي تهدد البطل بالطرد إن لم يدفع الإيجار يوم واحد في الشهر، وكذلك الحمامات المشتركة بين الجيران.

قد يتخيل القارئ أنَّه على موعدٍ مع قصةٍ جديدةٍ تشبه ما حدث فى فيلم «شباب امرأة» للكاتب أمين يوسف غراب، وبطلتها شفاعات (تحية كاريوكا)، وإمام (شكري سرحان)، وبطلة العمل التي تجرُّ الشاب الذي يسكن لديها إلى علاقةٍ جنسيةٍ كاملةٍ لفترةٍ طويلةٍ، لكن في رواية «وقوف متكرر»، تكون العلاقة بين الشاب وصاحبة البيت مجرد نظراتٍ شهوانيةٍ سريعةٍ آخرها اللمس أحيانًا.

في ما يُشبه المشاهد السريعة المتفرقة، والقصص القصيرة، تعرض لنا الرواية نماذج من الشخصيات والحكايات التي تتناولها، منذ لحظة رحيل البطل وأسرته من شبرا إلى مدينة السلام؛ مثل «راندا وياسمين»، الفتاتان اللتان تصطادان الزبائن من شارع عباس العقاد، لقضاء أوقات «لذةٍ» سريعةٍ في مقابلٍ مالي، ولقائهما ببطلي الرواية لممارسة الجنس في سيارتهما، السماسرة الذين يسهلون مهمة المواطنين في الحصول على الشقق، ولحظة خجل البطل، وحسرته على متعةٍ لم تكتمل، عندما تكتشف خطيبته «هند» وجود امرأةٍ معه في الحجرة عندما جاءت تخبره أن والده مريض جدًا، والذي يتوفى بالفعل في نهاية الرواية.

هنا يقدم لك الكاتب حكاية تُشعرك بأن بطل الرواية لا همَّ له سوى البحث عن العلاقات المحرمة، حتى في المترو عندما يتمكن من نسج علاقةٍ مع سيدةٍ متزوجةٍ هي «عبير» التي تعمل في محل ملابس في المعادي، يوصلها يوميًّا للعمل وللبيت، وتستسلم له تمامًا بجسدها في زحام المترو، تتطور علاقتهما حتى يصطحبها إلى الشقة، لكن خطيبته «هند» تراها عندما تأتي لتخبره بأنّ والده مريض جدًا في المستشفى.

هكذا تسير هذه الرواية عبر لغةٍ سلسةٍ، وفصولٍ قصيرةٍ تتناسب مع حكايات الشخصيات التي تظهر، لنعرف قصتها، وتختفي سريعًا، فباستثناء «منعم» وأسرة محمد إبراهيم، لا يمتد وجود شخصياتٍ أخرى عبر هذا العمل الأدبي.

المتابع جيدًا للروائي والسيناريست الشاب محمد صلاح العزب، يُدرك جيدًا أنَّ هذه الرواية لا تنفصل عن أغلب كتاباته لا سيما التليفزيونية منها؛ مشروعه وعالمه الذي تجد به ملامح ثابتة، الحارات والأماكن الشعبية التي تمثل البطل في أغلب أعماله، الكتابة عن «الناس اللي تحت»، وحكاياتهم التي تشعر للوهلة الأولى أنها ليست غريبةً عنك، ولكن الكاتب يُعيد صياغتها لتجذبِك لمتابعتها سواء كانت هذه الحكايات في شكل روايةٍ، أو قصةٍ قصيرةٍ، أو مسلسل تليفزيوني.

قد تجد في هذه الرواية مشاهد جنسيةً، أو ألفاظًا في هذا الإطار، هنا يشعر القارئ أنَّ بطلي العمل غارقان في الشهوة والبحث عنها طوال صفحات هذا العمل الأدبي، هذا الأمر الذي قد يتسبب في انتقادات للكاتب محمد صلاح العزب على طريقة ما يحدث مع الروائي المصري الشهير أحمد مراد مع كل روايةٍ تصدر له، ولكن روايتنا «وقوف متكرر» غارقة أيضًا في الواقعية، حتى النماذج التي تقدمها هذه الرواية نراها تتكرر في حياتنا، هي موجودة وليست من اختراع الروائي.

الخلاصة أنّ الرواية جيدة، وعلى الرغم من أنَّ حبكتها الأساسية معتادة فإنها تجذبك لها، لتلتهمها في جلسةٍ واحدةٍ.

رواية «وقوف متكرر» صدرت طبعتها الأولى عن دار «ميريت للنشر والمعلومات» في 2006م، ثم أصدرت منها «دار الشروق» طبعتين الأولى في 2008م، والثانية في 2009م، وهي تقع في 90 صفحةً.

أما محمد صلاح العزب، فهو كاتب روائي وصحافي وسيناريست مصري، ولد في مدينة القاهرة في عام 1981م، من أعماله الأدبية: «لونه أزرق بطريقة محزنة»، «سرداب طويل يجبرك سقفه على الانحناء»، «وقوف متكرر»، «سرير الرجل الإيطالي»، «سيدي براني»، «كل شيء هادئ في القاهرة».

وفي مجال السيناريو، قدم مسلسلاتٍ تليفزيونيةً مثل: «دلع بنات»، «حالة عشق»، «أزمة نسب»، «شقة فيصل»، «صد رد»، و«هوجان»، ويعكف حاليًا على كتابة مسلسل «الملك».

حصل «العزب» على عددٍ من الجوائز الأدبية مثل: الجائزة الأولى في الرواية، الدكتورة سعاد الصباح، الكويت 2002م، جائزة «الصدى للمبدعين»، في المجموعة القصصية، الإمارات 2003م، جائزة المجلس الأعلى للثقافة 2003م، جائزة المجلس الأعلى للثقافة في القصة القصيرة عامي 1999م، 2003م، الجائزة المركزية للثقافة الجماهيرية في القصة القصيرة 2000 – 2001م، جائزة نادي القصة في الرواية 2002م، كما حصل على جائزة ساويرس الثقافية، أفضل رواية، وجائزة أفضل كتاب في معرض القاهرة الدولي للكتاب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد