معرض الحديث في هذه التدوينة ليس عن المناخ أو الطقس أو الدخول في معارك الصيف والشتاء. ولكنه الحديث عن الطراوة الدائمة التي يعيش فيها المصريون.

هناك مثل شائع في مصر يُطلق على الشخص الذي لا يبالي بالأحداث التي تقع من حوله، ولقد ارتقى بعقله عن الدخول في معتركات الحياة ومشاكلها (حتى وإن كانت مشاكله الخاصة به) لينأى بنفسه بعيدًا عن سخونة الأحداث وحرارة الجدال إلى منطقة آمنة ذات (طراوة). فيقول المثل عن هذا الشخص (ده في الطراوة).

الفضول واللامبالاة

الطراوة باللهجة المصرية هي قريبة في المعنى من اللامبالاة أو عدم الاهتمام، لكنك عزيزي القارئ لن تعدم الغرائب مع المصريين، فليس معنى أن المصري الذي يعيش في (الطراوة) ويبدي لامبالاته بالأمور، أنه لا يهتم لمعرفة التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، بل الأمر على عكس ذلك، فهو يبذل أقصى جهد له لمعرفة الحكاية وأصلها، وكيف نشأت ولكنه لا يهتم، هي معادلة صعبة حقيقةً كما قلت لك، ولن تجدها إلا عند المصريين.

فإذا قلنا على سبيل المثال أن عماد قد طلَّق سماح، فلا بد للمصريين أن يعرفوا بحقيقة هذا الطلاق، ومن المخطئ ومن المصيب، ومع من سيعيش الأولاد، وهل يلتزم عماد بدفع النفقة أم لا، إلى آخر كل هذه التفاصيل، فهذا هو الفضول.

أما عدم الاهتمام، فهو أنه وبعد معرفة كل هذه التفاصيل لا يسعى المصري للصلح بينهما، أو حتى المحاولة، بحجة (وأنا مالي)، ليذهب بعد معرفته بالتفاصيل ليعيش في صومعته في الطراوة.

الفضول: هو أن تستقصي لتعرف أن إثيوبيا تبني سدًّا اسمه سد النهضة، وأن ذلك سيقلل من حصة مصر المائية بما يقع بالضرر على شريان حياة المصريين وما يترتب عليه من انتكاسة اقتصاديه وزراعية إلى آخره.

الطراوة: هو أن تترك الأمر ليُحل من تلقاء نفسه، وطالما أن الصنبور ما زال به ماء كلما فتحته، وطالما مكتوب على جدار مقياس النيل أن جنود كيميت سيتحركون لتحرير النيل إذا قل مقياسه، فلمَ القلق؟

الفضول: هو أن تعرف أن هناك جائحة عالمية اسمها كورونا، وأنها تحصد الملايين من الأرواح على مستوى العالم، ولا بد لها من إجراءات احترازية مشددة لتجنب العدوى، وأن الفيروس يتحور، وله في كل بلد اسم وأعراض وخطورة.

الطراوة: هي أن تقنع نفسك ولا بد أن تقتنع أنه مجرد نزلة برد شديدة، وأن مصر محمية لأنها مذكورة في القرآن، وأنه من كُتب عليه شيء فإنه سيراه حتمًا مهما اتخذ من إجراءات احترازية .

نحن المصريون نعرف كل شيء ونستقصي عن كل شيء، وليس عندنا أولوية محددة، فحدث اليوم هو أولوية عن حدث الأمس، وحدث الغد سيكون أولوية عن حدث اليوم.

نحن المصريون تبرز أولوياتنا في تريندات «تويتر»، فإذا أردت أن تعرف بماذا يهتم المصريون اليوم؟ فابحث في «تويتر» عن تريند اليوم، فهو أولوياتنا.

في غالب الأمر، الذي ينأى بنفسه عن الصراعات والمشاكل يكون إلى حد ما معافى من أمراض التفكير كضغط الدم المرتفع، والسكر والسكتات القلبية، والجلطات، عافانا الله جميعًا، لكن الغريب أنه مع طراوة المصريين هذه فلا تزال هذه الأمراض وغيرها تصيب المصريين ولا تنفك عنهم، فأي طراوة هذه التي لا تكون خالية من الأمراض والضغوطات؟

الحقيقة أنك لا تعرف هل اختار المصريون الطراوة لكي يعيشوا بها، أم أنهم قد أُجبروا عليها، كما أجبروا على أشياء كثيرة غيرها، فصارت الحياة كلها إجبارًا وغصبًا في كل مناحيها حتى في راحة البال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد