من الأمور التي بدأت تطفو على السطح، بشكل بارز وجلي في العالم العالم العربي، نفور المصلين لأداء صلاة الجمعة (خاصة بين أوساط الشباب) بسبب الخطاب الديني السائد، الذي أفرغ من محتواه الجوهري، وأضحى منبر الجمعة بوقًا دعائيًا، يوجه الناس نحو منحنى تقديس الحاكم وتبرير ظلمه ونهبه وفساده، تأسيسًا على قاعدة: (وإن جلد ظهرك وأخذ مالك)، وتطعيمها وتأصيلها بمفهوم فلسفة (الجبر والإكراه) على طريقة بني أمية وشرعنتها في الفكر الجمعي للمصلين.

فالمثابرة على أداء الصلوات المكتوبة، وخاصة الجمعة باتت من الأمور الثقيلة على النفوس. ومما يزيد في ثقلها، البعد عن محفزاتها كمجالس الوعظ والإرشاد الديني والتي تعتبر من أهم مصادر التغذية الروحية ومحطات أساسية، للتزود بالطاقة الإيمانية لمواجهة اﻹكراهات المادية، والتدافعات المعاشية، وإيجاد أسئلة شافية ووافية في الواقع المتغير الذي بحاجة إلى فقه تجديدي يتماشى مع متغيرات العصر  ومتطلباته، ومما يساعد على هذه التربية الجلوس بين أيدي العلماء، للتعلم والتخلق واكتساب المزيد من الفضائل والقيم  في أحضان هذه المجالس.

لكن مما يلاحظ أن هذه الحلقات العلمية والفقهية، أضحت تعاني خواءً على مستوى القيم والخطاب، وهذا انعكس سلبًا على خطب الجمعة التي لها أثر كبير في تشكيل الرأي، وفي تشكيل الفكر وفي تقويم السلوك وفتح منافذ فكرية ومعرفية لها ارتباط وثيق بفقه المقاصد وفقه الواقع بما يتناسب مع متطلبات العصر، هذه الخطب التي لم تعد تؤدي وظيفتها المحورية نحو غرس بذور قيم الحرية والعدالة والحقوق في نفوس المصلين، وعدم التطرق إلى الأوضاع الكارثية التي وصل إليها عالمنا العربي المنكوب من فقر وجهل وظلم وفساد وديكتاتورية… إلخ، واقتصرت هذه الخطب فقط على مواضيع اهترأت بحثًا وتأليفًا وتنقيبًا حول مواضيع أحكام الوضوء، والطهارة وأحكام الحيض والنفاس، والتركيز على قشور وشكليات دينية في تقصير الثوب وتربية اللحية والدخول بالقدم اليمين لصرف النظر عن واقعنا القاتم والمنكوس على جميع المستويات، أما في دول الغرب والتي يعتبرها البعض كافرة، رغم أن لاحق ﻷحد أن يكفر أحدًا إلا الله؛ فالكفر أيضًا بالمفهوم القرآني يختلف عن المفهوم الفقهي الذي أحيانًا كان تحت تأثير رياح السلطة لتبرير بعض الأفعال التي كانت تحتاج إلى غطاء ديني.

هذا الغرب الذي أخذ بجوهر الدين (وأقصد هنا بالعدل الداخلي أو الديمقراطية الداخلية) في شفافية الكشف عن المال العام وتوفير وسائل الأمن الاجتماعي والاقتصادي لشعوبها وأيضًا لمن يلجأ إليها.

واقع يؤكد على أن الخطاب الديني في العالم العربي أضحى رهينة من قبل النظام السياسي العربي، الذي جعل من منابر الجمعة عبارة عن حلقات هرطقية وتهريجية وتطبيلية وتزميرية للحاكم، وترويج لنظرية حرمة الخروج عليه، تحت مبررات واهية وتفسيرات فقهية، لا يقبلها العقل، ولا المنطق، ولا حتى الفطرة الإنسانية السليمة، في تناقض واضح مع ما جاءبه القرآن الكريم وما جاء في سنة رسولنا الكريم بضرورة وجوب دفع الظلم، ووجوب إقامة العدل ليسود الأمن والأمان على جميع الأصعدة (اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي وفكري وعلمي).

الغريب في الأمر أن هؤلاء يختارون من القرآن والحديث ما يحلو لهم، وتحويرها حسب هوى السلطة، ويتركون ما لا يروقهم، ويتجاهلون بالمطلق واقع تطور المجتمعات وما أبدعته البشرية من قيم في تطورها الطامح للعدالة الاجتماعية والديمقراطية وتوزيع الثروة، وهي سنة كونية إلهية لأن العدل قبل أن يكون قيمة دينية فهو قيمة إنسانية مغروسة فطريًا في الإنسان.

والحقيقة هي أن الحاجة إلى تجديد الخطاب الديني بما يتوافق مع تطلعات الشعوب أو الأمة ليس أمرًا حديثا، وإنما امتد لقرون، ونادى به العلماء المتقدمون من أمثال:  الإمام أحمد بن حنبل، والإمام أبي حامد الغزالي، والإمام الشافعي، وابن رشد وسلطان العلماء العز بن عبد السلام، وأيضًا الإمام الحسين بن علي رضي الله عنه، ومن العلماء المتأخرين نجد أمثلة كثيرة منهم: الإمام محمد عبده ورشيد رضا واﻹمام محمد الغزالي والحسن البنا، وأيضًا علال الفاسي.

 إن خطبة الجمعة هي عبارة عن مفردة من مفردات المنظومة العامة، وبالتالي إذا كانت المنظومة العامة للدولة متخلفة ومتأخرة، فما يسري على المنظومة العامة يسري على خطب الجمعة باعتبارها مفردة داخل المنظومة البنيوية للنظام السياسي القائم في البلد.

إن تراجع دور خطبة الجمعة راجع بالأساس إلى منظومة الحقل الديني الذي أصابه الشلل والجمود والقحط الاجتهادي، وسماع الخطبة هي ركن من أركان صلاة الجمعة، والمصلون مأمورون بالحضور والإنصات إليها لينالوا ثواب الصلاة كاملًا، فخطبة الجمعة هي أكثر أنواع الدعوة تأثيرًا؛ فهي المؤتمر اﻷسبوعي الذي يجدر به مناقشة أحوال البلاد والعباد، ولكن الملاحظ أن عددًا كبيرًا من الخطباء والدعاة يبتعد عن جوهر الخطبة جبرًا أو اختيارًا عن هذا المسار،  ولقد تولى النبي صلى الله عليه وسلم إقامة صلاة الجمعة وخطبتها بنفسه، لمكانتها وتأثيرها البليغ في النفوس وكذلك فعل الخلفاء والأمراء من بعده حتى عهد قريب، ذلك لأنها موعد تنتعش فيه القلوب وتحيى فيه النفوس بالتذكرة والموعظة الحسنة، وتجديدًا للعهد بين العبد وربه والحاكم وشعبه أمرًا بالمعروف بما يرضي الله ويخدم مصلحة الناس في قضاياهم الملحة بالرفع من المستوى العلمي والمعرفي وبسط سبل الرخاء والعيش الكريم، ونهيًا عن منكرات وتجاوزات الحكام والوزراء والخائنين لثقة المواطنين، قال تعالى: (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون) سورة هود 117.

وختاما فإن أسلوب خطب الجمعة في عالمنا العربي خاصة بعد رياح ثورة رياح الربيع العربي  والذي تحول إلى صيف قائظ، أضحت منابره مهرطقة ومتزندقة في هوى السلطة وتقديس اﻹمعات، وما خطبة السديس الأخيرة – لاعق أحذية السلاطين – بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا دليلًا على الوضع المأساوي الذي وصل إليه الخطاب الديني، وجعلوا من منابر الجمعة أداة استخباراتية في ضرب روح الأمل والتغيير في نفوس المصليين؛ مما خلق نوعًا من النفور والهروب نحو اعتناق مسلكيات خطاب التطرف والإلحاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

لقاء مع الاستاذ والمفكر الاسلامي محمود عكام ببرنامج الشريعة والحياة على قناة الجزيرة بتاريخ 2006/07/10
عرض التعليقات
تحميل المزيد