لا تكاد تنتهي خطبة يوم الجمعة حتى يتجه جمهور المصليين إلى نقد فحوى الخطاب، وتعج مواقع التواصل الاجتماعي بالآراء المعبرة عن الرضا أو السخط تجاه الخطبة، فإذا تكلم بالسياسية اتهم بالتسويق لحزب بعينه، وإذا تناول بعدًا اجتماعيًّا قال الناس: «الشيخ في واد والعالم في واد آخر»، وإذا تكلم بأمور الدين الخاصة وُصف بالرجعية والتخلف.

 

ولكن لماذا يحتار الخطيب في اختياره مادة الخطبة؟ ويخضع لرغبة جمهور المصليين، وهو المؤهل لمعالجة مشاكل المجتمع المحيطة بمسجده بالطريقة والكمية اللازمة، فكل مستمع لديه مشاكله الخاصة، ومن واجب الخطيب مهنيًا أن يجيب عنها ولو بسطرين اثنين، لذلك يطالب الخطيب أن يُلمَ بمشاكل المصلين في حيّ المسجد، ويستمع لشكاوى الناس ويبني عليها خطابه المحتوي على الحلول الملائمة والتي لا تجرح أحدًا أو تشير إلى آخر بعينه.

 

وينبغي للخطيب أن يفكر بعقلية الإعلامي لمعرفة ما يجري حوله من مشاكل عامة في المجتمع الملاصق بمسجده، وأن يتجه بلغة المفتي في تقديم الحلول الفقهية للمشاكل الخاصة بسكان الحي، ويمارس سلوك الطبيب النفسي؛ فيمد يد العون لمحتاج المساعدة، ولا يقطع شعرة الأمل التي يتعلق بها أي مصاب، ثم بعد ذلك يكون أديبًا مفوهًا بالصياغة العلمية للخطبة المعالجة لمشاكل الحي الخاصة والعامة.

 

ويواكب الخطيب تطورات العصر والحضارة، فلا يشعر المجتمع بغرابته عن الواقع وإنما يكون جزءًا أصيلًا منه، وليس كائنًا قادمًا من عالم قد أفل زمانه وأصبح من التاريخ الماضي، وهذه الصفة تجعل منه داعيةً قدوةً لغيره فليس من باب الإنصاف أن يدعو الخطيب الناس الاقتداء بحضارة بُنيَ عليها تقدم الحاضر، وإنما تبقى الأصالة في السلوك دون التأثير على التطور الحضاري.

 

ويقدم المعلومة الواضحة والمحددة للمستمعين، ولا يتجه نحو «السجع» الذي يطيل من مدة الخطبة دون فائدة، ولا يستخدم الكلمات المستعصية فهمها أو الأمثلة على الأشياء التي لم تعد من عالمنا المعاصر، وإنما عليه مراعاة أفهام الناس، ومعرفة الهدف من خطابه الأسبوعي القائم على الوعظ والإرشاد.

 

ويتخذ أسلوب البساطة في الطرح، والجمال في الأسلوب، والصحة اللغوية، فلا يعالج خلافات الفقهاء ومصطلحاتهم المعقدة أو يذكر سبب تصحيح الحديث أو سنده الكامل، وإنما يكتفي بالفائدة المرجوة والمفهومة للعامة، فالمطلوب من الجمهور فهم الخطبة وتطبيقها، وليس مراجعة المضمون وأصول العلم الشرعي.

 

ويسعى لتجميل الأسلوب الخطابي فلا يؤذي الآذان بالصراخ، ولا يخاطب الناس بصفة العالم الذي يتكلم مع الجاهل، ولا يتذمر من السلوك البشري وإنما يقدم الحلول العملية بلغة علمية غير مسيئة لأحد، ويراعي قواعد اللغة العربية فلا يرفع المفعول به، ولا ينصب الفاعل، وإنما يراجع قوله مرات كثيرة كي يكون قادرًا على الأداء اللغوي الصحيح.

ويواجه نقد الجمهور بالتقبُّل والدراسة، فيأخذ المفيد، ويترك الضار، ويطور من أدائه المهني، ولا يشعر بالضيق والحرج، فهو في نهاية المطاف إنسان معرض لكل غفلة ونسيان وخطأ، فلا يضع نفسه في منازل الأنبياء ولا الملائكة حيث العصمة، وإنما يختار الحق المصحح لسلوكه، وقد قيل قديمًا: «كل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلا صاحب هذا القبر»؛ أي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

ويسعى الخطيب إلى تحسين شكله الخارجي بممارسة أنواع الرياضة المختلفة، ولا يترك الدهون والزيادات اللحمية تظهر على جسده، وإنما يحافظ على جسم رشيق، ومظهر نشيط، وقامة جميلة، ويحافظ أيضًا على شكل وجهه فلا يترك شعر اللحية يغزو الوجه، وإنما ينسقه دومًا بالشكل المناسب، ويهتم بملابسه التي تتنوع حسب المناسبات وتتميز برائحة العطر، ونصاعة الثوب، وتناسق الألوان، فيلبس على المنبر ثوبًا أبيض جميلًا، ويرتدي في الشارع لباس قومه وشعبه الموافق لشروط الشريعة، ويظهر على التلفاز بأناقة تناسب ثقافة الإعلام ولا تتعدى على تراث الإسلام، فهو نجم اجتماعي يطيب للكل التحدث معه.

 

ويتعلم الفنون الحديثة في الخطابة والتحدث إلى الجمهور، ويتجدد من حين لآخر، فلا يعرف الجمود على طريقة معينة، ولا يستطيع أحد أن يحدد الوسائل المستخدمة من قبله، وإنما يمارس الرسائل اللفظية بين البشر بالصوت الحضاري واللغة الواضحة والنبرة المعبرة، والإشارة الجسدية القوية، ولا يسمح بالتعدي على شخصه بالإساءة وإنما يمارس قوة الشخصية الممزوجة باللين والرحمة والحب.

 

ويطالع كتب العلم والرسائل الجامعية الحديثة ليرى ما وصل إليه العلم الحديث في تخصصه، ولا يقف على فتوى دون تمحيص، ولا يخشى من إجابة لا أعلم، وإنما يفتي الناس بعلمه المحفوظ بالصدر أو يمنح نفسه وقتًا لمراجعة المسألة والخروج بالرأي العلمي الصحيح، وربما تغيَّرت فتواه نتيجةً لإدراكه الجديد في العلم، فلا يخشى من تصحيح المسائل للناس، ولا يشعر بالحرج من قول أخطأت.

 

ويمارس العلاقات الاجتماعية مع أصحاب التخصصات العلمية والأدبية، ويستمع إلى تطورات العلوم الأخرى من أهلها، ويراجع أقوالهم من الكتب ليزداد علمًا وإحاطةً، فربما كانت أمثلة الأخصائيين في العلوم الأخرى قادرة على منح الخطيب سعةً في الأفق والعلم، وقدرةً على معرفة طرق تفكير الناس، ووضع الفتوى المناسبة للشخص السائل بعد فهم عقليته وطريقته في التفكير، فتكون الفتوى ليست زاجرة فحسب وإنما محققة للهدف الإصلاحي للشخص، فيعم السلام الاجتماعي.

 

ويسافر الخطيب إلى دول أخرى غير التي يعيش فيها، ويتعرف على ثقافات البشر المختلفة، ويكوّن تصورًا عن طرق عيش المسلمين وغيرهم، فلا ينغلق على مسجده أو قريته، وإنما يسيح في الأرض ملاحظـًا آثار الأمم الماضية وحضارة الدول المعاصرة، وثقافة الشعوب المختلفة، ويتعلم اللغات المختلفة ويمارسها في الدعوة إلى الله محققـًا عالمية الإسلام.

 

وحتى نصل إلى خطيب بهذه المواصفات لا بد للدول من اتخاذ سياسات قائمة على تطوير وزارات الشؤون الدينية وتفعيلها، ووضع موازنات خاصة لهذا الهدف النبيل، وبذلك يصبح أداء الخطيب مؤثرًا وحقيقيًا، وينعكس تطبيق تلك المواصفات على المجتمع تقدمًا روحيًّا وثقافيًّا وتماسكـًا اجتماعيًّا، وتبعد عن الدولة مخاطر الإرهاب والتطرف، وتجعل لخطبة الجمعة بريقـًا جميلًا يجذب الناس إليه طواعية وتذوقـًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد