“حين قال الإمام: ادعوا الله يستجب لكم. دعوت عليه أن يدخل النار!”، الصوفي الساخر: أحمد بهجت

“منابر المساجد ، كم جاهل اعتلاكِ؟!”، بلال فضل

“قامت مشاجرة في المسجد وسُب دين الله في بيت الله، والسبب: خطيب الجمعة”، أنــا كشاهد عيان

خطأ الطبيب يُدفن تحت الأرض، وخطأ المهندس يقع على الأرض، أما خطأ المعلم فهو يمشي فوق الأرض وينتشر. طبيعي أن تجد في كل تخصص مجموعة لا تحاول تطوير نفسها، وتكتفي بحفظ كلمتين للامتحان، لكن هنا في مجال الخطابة، فالمخطئ ماسكـًا (ميكروفونـًا) (مكبر صوت) ينصت إليه الجميع، حتى إنهم لا يمسون الحصى، ولا يمكن أن يردوه مهما قال، فخطؤه هنا واضح وظاهر ومؤثر، ومن حيث التأثير ففي بعض العزب والكفور يقوم الخطيب مقام النبي، فهو المصدر الأساسي للدين، وإن قلت إن التلفزيون والجرائد انتشروا في كل مكان، فبعضهم يثق في شيخ المسجد ولا يثق في مفتي الديار، لأن الأخير كلامه (كلام جرايد!)

وللاستفادة دعنا نحلل كيف تحول العيد الأسبوعي إلى استفزاز، مزيلين المقال بالحل:

الإسلام كرواية خيالية:

أقصد هؤلاء الشيوخ الذين يكررون أكثر من مرة أن الإسلام يتدخل في كل حياتنا، لكنهم لم يحدثونا أبدًا كيف يتدخل، يؤكدون أن في الإسلام حل لكل مشكلة، لكن ما الحل تحديدًا لهذه المشكلة بعينها؟

لم يجيبونا، فهم أشبه بطبيب قال إن الدواء هو الحل، دون تحديد اسمه! فهو كلام صحيح، لكن غير مفيد إطلاقـًا.

 

ويرسخون مبدأ الانعزال هذا بغياب خطب الجمعة عن أحداث المجتمع؛ فأصبح باب المسجد فاصلاً بين عالم روائي خيالي نظري، وواقع يحكمه قوانين أخرى، وأصبحت الخطبة مجموعة من الأحاديث المحفوظة المكررة، التي لفرط تكرارها فقدت قيمتها أو لحظة تدبر عند ذكرها. شعرت بذلك عندما سألني رجل كبير السن سؤالاً، وقلت له إن صحابيًّا سأل النبي السؤال نفسه وأجابه النبي بكذا، فقال: ونعم بالله، نرجع لموضوعنا. رغم أني لم أخرج عن الموضوع!

الإسلام كقطع أثرية:

هؤلاء الشيوخ الذين إذا سألتهم عن شيء في الدين، لم يذكروا نظرة الإسلام للموضوع أو كيف يحرِّم الإسلام، أو لماذا يحرِّم، بل يكتفون بفتوة مبتورة محفوظة بلا أصل، فقط: قال العالم فلان كذا! هذا البتر جعل البعض ينظر للإسلام على أنه مجموعة من الأوامر والنواهي التي تفقد الارتباط والحكمة. وبذلك لا نجد عجبًا إذا سأل أحد المشاهدين عمرو خالد: هل (الكورة) حلال؟! وسأل آخر الإمام الغزالي: هل الخل حلال؟! وحين أجاب: نعم حلال. قال: ما الدليل؟! وسأل آخر ياسر برهامي: هل يجوز للبنت دخول كلية الهندسة؟! ووجدنا بعضهم يعتبر اللحية والنقاب شعارين للدين!

أما إذا ظهر الإسلام في صورة مقاصد، وأولويات، وقواعد للتشريع، وأسباب للتحريم، عندئذ سيعرف الناس كيف تسأل ومتى تسأل، سيعرف الناس رأس هذا الدين من ذيله.

السيرة كأساطير:

يتعمد بعض الشيوخ التفتيش في سير الصحابة والتابعين عن أغرب قصصهم وأعجب مواقفهم، تلك التي نعجز عن تقليدها، فقط للحبكة الدرامية، ولكسب مشاعر الجماهير وانفعالها، رغم اعتماد هذه القصص على أحاديث موضوعة! وقد تكون القصة حقيقية، إلا أنها تقع في بند الأساطير لتناقضها مع واقع المصلين، مثل ذكر زهد عثمان أمام مجموعة فلاحين فقراء، واتهامهم بالتشبث بالدنيا وكنوزها! أو ذكر شجاعة خالد بن الوليد واتهام الشباب بالميوعة، في حين عدم وجود حرب لاختبار الميوعة أو الشجاعة!

وبذلك أصبحت السير وسيلة يستخدمها الشيخ ليسب واقعنا، أكثر ما هي إشارة لمواطن ضعفنا وسبل الحل، بل إن تعمد ذكر قصص خيالية، يرسخ عند الناس عجزهم عن التقليد، وبذلك نضرب السيرة في غايتها، فالغاية من بعث رسول الله بشرًا، هي أنه يمكن تقليده وتتبع خطاه، وغاية السير كلها هي تتبعها وليس الانبهار بها.

(تاتش) الشيوخ:

إذا قلت لك: إن الفن الإسلامي لا يعجبني، وأستمتع بالفن المسيحي.

هذه الجملة تشعرك بريبة، لماذا وأنا أنتقد فنـًّا معماريًّا وضعه مهندسون مسلمون أو مسيحيون، ولم أقترب من الديانة.

شعورك بالريبة سببه أننا ألصقنا هذا الفن بالإسلام، وجعلناه جزءًا منه، ونقده يعتبر نقدًا للدين! وينطبق ذلك على الآراء الشخصية للعلماء، طقوس ما قبل والصلاة وما بعدها، عادات زمن النبي، أقوال التابعين، كل هذا ليس دينـًا وأصبح مقدسًا!

الفقه والورع:

سألت شيخًا عن مسألة، وكان هناك رأيان، فقال لي: (عايز رأيي؟ فقلت له: لا، أنا عايز رأي الدين. فأفتاني بالرأي الأكثر ورعًا (رأيه الشخصي)!

يسأل الناس شيخًا فيقول فتوى، ثم يسألون شيخًا آخر ليقول رأيًا آخر، وبذلك يقف الناس أمام دينين! لهذه المشاكل وجهان:

-حين يختلف العلماء في مسألة، فيأخذ كل شيخ بالرأي الذي يعتقده هو ويفتي به دون ذكر باقي الآراء. وهنا يجب التفريق بين دور المجتهد وإمام المسجد، فالمجتهد يمتلك من العلوم ما يؤهله لاستنباط الأحكام من النصوص مباشرة، وبالتالي هو يفتي برأي واحد. أما إمام المسجد فهو ناقل لفتاوى العلماء، وعند اختلاف العلماء في مسألة، فالله تعالى شاء أن نختلف سعة لكل الناس باختلاف أماكنها وأزمنتها وأحوالها، ولا يكتمل هذا المقصد إلا بنقل الآراء كلها، ويختار الناس منها ما يتوافق مع طاقاتهم وأحوالهم. أما انتقاء أحد الآراء وكتمان أخرى يعد خيانة لأمانة العلم، وتضييقـًا كبيرًا، وتشويشًا للناس.

-يختار بعض الشيوخ أصعب الآراء ورعًا لتجنب اتباع الهوى والخروج من الخلاف، إلا أنه يجب التفريق بين الفقه والورع، فالورع أوسع من الفقه، فقد يترك المرء الحلال ورعًا، كما فعل الصحابة حين تركوا تسعة أعشار الحلال خشية أن يقعوا في الحرام، إلا أنهم لم يجعلوا الحلال حرامًا، بل اعترفوا أنه حلال (تسعة أعشار الحلال)، كما أن المرء قد يترك طعامًا أو مالاً لا شبهة فيه زهدًا، إذن فالورع والزهد وغيرهم درجات غير مفروضة على أحد، وبالتالي هي ذاتية يختارها المرء لنفسه، أما الفقه فهو الحد الفاصل بين الحلال والحرام، وهو مناط الفتوى.

هل يصح لإمام المسجد الانتماء لحزب؟

السياسة هي رعاية مصالح البلاد والعباد. والدين عقيدة وشريعة، ولهذه الشريعة توجيهات لرعاية مصالح البلاد، لذا يتدخل الدين في السياسة بقدر نصوصه القطعية المشرعة، وغير هذه النصوص القطعية يتيح الدين للعقل البشري الاجتهاد كما شاء ويكتفي بوضع الأطر الأخلاقية.

أما التحزب فهو رؤية كل مجموعة لإدارة الحكم تفصيلاً– سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وإداريًّا- وهذا مما سكت الدين عن كثير منه، وطبيعة التحزب أنه محل اختلاف، وخلاف، ونقاش، وتنافس، وإقناع بين أفراد الشعب.

أما الدعوة فهي الجانب الأخلاقي للدين، وطبيعته أنه لا يقدم حلاً لمشكلة، بل يضع الحدود الأخلاقية لسلوكيات البشر، وطبيعته أنه محل اتفاق، ووعظ، وقبول، وتجرد.

إذن فطبيعة التحزب تتناقض تمامًا مع طبيعة الدعوة؛ فحزبيًّا مسموح أن أتنافس معك، أشكك في نواياك، أخطئك، أتهمك، كل ذلك ظواهر صحية سياسيًّا، أما دعويًّا يجب أن يظل الداعية محل احترام وقبول الجميع.

تخيل الجمع بينهما رجل حزبي أختلف معه وأنافسه وأشكك في منهجه ثم أدخل المسجد فأجده خطيب الجمعة! عندئذ يستحيل أن أتقبل منه وعظـًا (راجع تقبل المجتمع للشيوخ الذين غمسوا أنفسهم في السياسة)، عندئذ كل نصائحه البريئة تترجم لمصالح حزبية، عندئذ تنتقل الخلافات الحزبية إلى المسجد والدين (راجع كم مسجد خُرب، وكم خطبة جمعة تحولت لمشاجرة)، عندئذ لم يتدخل الدين لتهذيب السياسة، بل تتدخل السياسة لتخلق خلافات دينية، (أغلب الخلافات الدينية عبر التاريخ الإسلامي مثل السنة والشيعة، خلق القرآن، قتل الصوفية، سجن الفقهاء، منع جماعات دعوية.. إلخ هي خلافات سياسية في الأصل انتقلت للدين) عندئذ يظهر من يطالب بفصل الدين عن السياسة، وهو مخطئ معذور، لكن الأدق هو فصل الدعوة عن التحزب.

ما الحل؟
دعنا نتحلى بالواقعية ونعترف بأنه لا يمكننا الوثوق الآن في كل شيوخ الأزهر، فقد أخرج لنا مجموعة تنتمي إليه قانونيًّا ولا تعترف به فكريًّا ولا ترتضي منهجه، لذا فالحل يكمن في وضع خطبة الجمعة في يد مجموعة من العلماء الثقات، فأقترح تخصيص لجنة من كبار علماء الأزهر لوضع خطبة الجمعة، وعلى شيوخ المساجد الالتزام بها.

انتقادات هذا الاقتراح:
– هذه اللجنة ستحرمنا من اجتهاد وإبداع بعض الشيوخ المميزين.

– قد تسيطر الحكومة على هذه اللجنة، وبذلك تصبح كل خطب الجمعة لسان الحكومات.

– كيف نسلم عقول الشعب كله إلى فكر واحد أو اثنين فقط من العلماء؟

وهنا يكمن دور الضوابط التي تقنن عمل اللجنة وهي:

– تُنتخب اللجنة من هيئة كبار العلماء.

– لا يتدخل في اختيارها/عملها/تمويلها أية جهة حكومية.

– لا يُشترط موافقة أو اطلاع الجهات الأمنية على الخطبة.

– تُجدد اللجنة كل عام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد