«أعطوني لقاءً أسبوعيًّا مع الشعب كخطبة الجمعة، وسوف أتحكم في العقول وأسيطر على العالم».

هل تتذكر موضوع خطبة الجمعة السابقة؟ وما رأيك فيه؟ وهل تشعر باستفادة من حضور الخطبة؟

في الغالب ستكون إجابات الشباب «لا أتذكر الموضوع، أغلب الموضوعات بعيدة عن واقعنا ولا أشعر باستفادة حقيقية تذكر».

وصل الأمر بأحد الشباب أن قال: «لقد استمعت إلى خطبة الجمعة فلم أتعلم شيئًا سوى الضجيج، وأتمنى أن يكون بائع البطيخ موجودًا أمام المسجد فأشترى منه حتى لا يكون نزولي عبثًا». أين الأزمة؟

خيوط الأزمة متشابكة يمكن أن نرجعها إلى مجموعة من الأسباب الخارجية والداخلية، أما أهم الأسباب الخارجية فمثل:

1- الوضع الأمني الضيق الذي يجعل الخطيب إذا تفوه بما لا يرضي أهواء ذوي السلطة معرضًا -وبكل سهولة- أن يُلقى في غياهب السجون حتى الموت، مما يجعل الخطيب يترك الحديث عن سفك الدماء، وعن الظلم، ويتحدث عن فضل توفير المياه في الإسلام!

2- الضعف العلمي العام الناتج عن المنظومة التعليمية العقيمة في وطننا العربي، فمن الطبيعي أن يظهر على الساحة أنصاف المتعلمين وأشباه المثقفين والمتردية والنطيحة وما أكل السبعُ، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

3- ضعف المؤسسات القائمة على إدارة العمل الدعوي الرسمي:
فلك أن تتخيل أن إحدى الدول العربية قد أقرت -مؤقتًا- وزارة الأوقاف فيها «النص الموحد لخطبة الجمعة» الذي يتلوه جميع الخطباء في شرق البلاد وغربها، وريفها وحضرها على المتعلمين والأميين، والكبار والصغار، مهما اختلفت الظروف وكأن هذا النص صالح لكل زمان ومكان!

بالرغم أن الجميع يعلم أن البلاغة هي مراعاة الكلام لمقتضى الحال، وأنك إذا حدثت قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.

4- ضعف العائد المادي لوظيفة الخطيب الذي يجعله مضطرًا للعمل في وظيفة أخرى من أجل لقمة العيش؛ مما يأخذ بداهة من وقته وجهده وذهنه حتى إذا جاء يوم الجمعة اضطر الخطيب أن يصعد المنبر فيقول «أي كلام».
ولو أخبرتك براتب إمام المسجد في بلد الأزهر -مصر حرسها الله- لذهبت إلي إمام مسجدك فتصدقت عليه.. فسبحان الستير!

أما الأسباب الداخلية التي تتصل بذات الخطيب فمن أهمها:

1- الأمراض القلبية كعدم الصدق، وعدم الإخلاص؛ مما يجعل كلامه لا يجاوز الآذان.

2- غياب الهدف: فكثير من الدعاة يتعاملون مع الدعوة كوظيفة غايتها أن يتحصل من ورائها على عائد مالي، هذا إذا لم يتعد الأمر فيجعل الدعوة مطية لنيل مصالح دنيوية، على حد تعبير الشيخ الغزالي: «إننا نلحظ آسفين أن ميدان الدعوة إلى الله غص بأقوام يجعلون وجه الله آخر ما يراعى، كأن الأمر لا يعدو أن يكون حرفة تدر ربحًا».

3- قلة اهتمام الداعية بثقافة العصر: إن الشاب يعيش حياة القرن الواحد والعشرين التي تملؤها التكنولوجيا التي غيرت وجه العالم؛ حتى إذا دخل خطبة الجمعة انفصل عن هذه التكنولوجيا وعاد إلى القرون الوسطى!

واسمحوا لي أن أتساءل ألم يستخدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كافة الوسائل التوضيحية المتاحة في عصره من أجل إيصال الدعوة؟ ألم يستخدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المنبر بدلًا من الجذع لأنه أبلغ في إيصال الصوت والرؤية؟ ألم يستخدم الرسومات التوضيحية على هيئة خطوط وزوايا كما رسم طريق الخير والشر ورسم أجل الإنسان؟ ألم يستخدم العروض العملية فيصلى ويقول: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ويحج ويقول: «خذوا عني مناسككم»؟
ألم يستخدم العينات الحقيقية لتوضيح الرسالة فيأتي بذهب وحرير فيقول: «هذان حرامان على ذكور أمتي»؟ أليست هذه وسائل لإيضاح الرسالة استخدمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟
حتى إذا دار الزمان دورته وأنعم الله علينا بكل هذه التكنولوجيا لم نستخدمها في هداية الناس إلى الله -عز وجل-!

تخيل، أنك دخلت المسجد في خطبة الجمعة فوجدت الخطيب يعرض
عناصر خطبته علىdata show مستعينًا بـ power point،

ومستعينًا بـ photos ,videos and sound effects.

ألا يكون ذلك أوقع على النفس ويجعلك تخرج بأكبر فائدة ممكنة؟

– نحن في زمن التواصل الاجتماعي، ولا توجد وسيلة جادة يتفاعل معها الشباب ليشاركوا الخطيب رأيهم في خطبته؟ لماذا لا يجعل الخطيب لنفسه تطبيقًا إلكترونيًّا خاصًا يحتوى -مثلًا- على خانة لإبداء الرأي «إيجابيات الخطبة- سلبيات الخطبة- مقترح لموضوع الخطبة القادمة» فيشعر الشباب أن لهم صوتًا يُسمع لا أنهم خشب مسندة!

الشباب، كلأنا المباح الذي لم نتعهده بالرعاية ولم نحدثه بما يفهم فأسلمناه إلى الأيادي الآثمة كأنهم قطعان ذَهَبَ رُعاتها.

أليس من العار أن يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «نُصرتُ بالشباب»، وكأنه يدلنا على كلمة سر النصر، ثم نتشدق بأساليب خطابية جعجاعية لا يُدركها شبابنا؟

قولوا لأي خطيب لا يهتم بإعداد خطبته من كل وجه «أنك إما منافق تعين أعداءنا علينا، وإما أحمق تخذل أمتنا من حيث لا تدري».

الحديث ذو شجون، وما سطرت إلا زفرة مهموم، وأنه مكلوم، لعله يصل إلى صاحب نصيبه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد