في يوم الجمعة 18 صفر 1483 عرض إمام مسجد قصةً مشوقة في خيالها، رائعة في سردها، هادفة في مضمونها. فبعد أن حمد الله وأثنى على الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تكلم عن فطنة المؤمن للعيش في هذه الدنيا الدنية والتعامل معها بأنها زائلة فانية، فلا ينبغي أن تعلق عليها آمالًا، وتبني فيها أحلامًا، ولكن اعتمادها كوسيلة لتحقيق الغاية، وأداة للوصول إلى الرؤية وطريقًا موصلًا للفلاح.

ثم سرد القصة «يحكى أن هناك رجلًا في أدغال أفريقيا بينما هو يمشـي في البر إذ بأسد ضخم الجثة بكتلة عضلية خارقة مكشـر الأنياب عنيف الغاية معكوف أصابع القدمين زئير الصوت، يلاحقه بسـرعة هائلة والرجل يركض بسـرعة البرق والأسد يلاحقه، وإذ بالرجل يرى بئرًا أمامه، وحبلًا يتدحرج إلى داخله، فمسك بالحبل وبدأ ينزل ليبتعد عن الأسد وإذ به يسمع فحيح أفعى (صوتها يسمى فحيحًا)، وبدأ يتلفت يمينًا وشمالًا ثم نظر إلى الأسفل فهي حية تسعى، شكلها يرعب النفس، حادة النظرة ومترقبة اللسعة ومقتربة منه.

فما بين الأسد والأفعى خوف وهلع وروع وجزع، وبينما هو كذلك ماسك بالحبل يسمع نهيز فأرين يقززان أحدهما أبيض والآخر أسود ماسكين بالحبل ويأكلان منه والرجل يحرك الحبل تارة ليسقطهما وتارة ينظر للأفعى التي تقترب منه، بينما هو كذلك تلمس شيئًا أملس وتذوقه فإذا بطعمه حلو وبدأ يتذوق ويتذوق حتى نسـي أن الأسد لاحقه والأفعى تترقبه والفأرين يقطعان حبله، وبينما هو كذلك استيقظ الرجل من نومه وفطن من حلمه، فذهب إلى عالم المدينة فأخبره بالحلم، فبدأ العالم بالضحك ثم بكى طويلًا وقال له ألم تفسـره يا رجل؟ قال الرجل لا، فقال العالم أنصت إلي: «الأسد الذي رأيت هو ملك الموت، والأفعى هي عمرك والفأران هما الليل والنهار وأما البئر فهو قبرك، وأما الشيء الحلو واللذيذ الذي كنت تتذوق فهو الدنيا أنستك في عمرك وأنستك في انقضاء أيامك ولياليك».

المستفاد من القصة

تحاكي القصة خصائص أفريقيا بروعة خيالية حقيقية رائعة، وتختتم بمزاح هادف ينهي الشوق لإتمامها عند البعض وقد يحدث ضجرًا عند البعض الآخر بقوله: «واستيقظ من نومه…».

روعة بلاغية ومعلومات عن الحيوانات المذكورة: زئير الأسد، حفيف الأفعى، نهيز الفأر… إلخ.

الأهم في القصة أيها القارئ: أن الدنيا فانية فلا تجعلها همك ولا تجعلها هدفك، بل استخدمها لتحقيق غايتك «الفلاح والجنة». قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لابن عمر رضي الله عنهما: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» [رواه البخاري].

قال الحسن البصري عن الدنيا : ‏الدنيا أحلام نوم أو كظل زائل وإن اللبيب بمثلها لا يخدع.

قال عثمان بن عفَّان: الدنيا خضـرة، قد شُهِّيَتْ إلى الناس، ومال إليها كثيرٌ منهم، فلا تركنوا إلى الدنيا، ولا تثقوا بها، فإنها ليست بثقة، واعلموا أنها غير تاركة إلَّا من تركها.

قال علي بن أبي طالب: الدنيا دارُ بَلاء، ونُزُلُ عَناء، أسعدُ الناس فيها أرغبُهم عنها، وأشقاهم بها أرغبُهم فيها، فهي الغاشةُ لمن انتصحها، المُهلِكةُ لمن اطمأنَّ إليها، طوبى لعبدٍ أطاع فيها ربَّه، ونصحَ نفسَه، وقدَّمَ توبتَه، وأخَّرَ شهوتَه.

قال حاتم الأصم: مثل الدنيا كمثل ظلِك إن طلبته تباعد وإن تركته تتابع.

قال أحد الحكماء: إنَّ الدنيا تجودُ لتسلِب، وتُعطي لتأخذ، وتجمع لتُشَتِت، وتزرع الأحزان في القلوب بما تفاجأ به من استرداد الموهوب.

القصة ليست منقولة حرفيًا، وإنما حافظت على مكوناتها وسردتها بأسلوبي، وكذلك النقاط المستفادة منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جمعة, خطبة, قصة
عرض التعليقات
تحميل المزيد