بين حادث مسجد الروضة بشمال سيناء؛ الذي لن يُمحى من الذاكرة، وانتهاك حُرمة بيت من بيوت الله، وحادثة الواحات البحرية التي وقعت منذ أسابيع؛ أمرٌ مُلفت للنظر بالنسبة لحادثة المسجد.
أولًا- سرعة التعامل مع هذا النوع من الحوادث في هذه المرة، بكل جوانبه، وبكل أجهزة الدولة، من أكبر رأس فيها إلى أصغرها، ولا يقول قائل إن النظام في مصر تعلم الدرس من سابقيه، وإن فظاعة الحادث وبشاعته تتطلب ذلك منه؛ أقول إن هذه السرعة في تلقي الحدث، والتعامل معه، والذي لم نعهدهُ أبدًا على النظام المصري منذ تأسيس الجمهورية المصرية.

أن تُعلن الحكومة عقب الحادث مباشرة الحِداد العام في أرجاء البلاد، مع إعلان النائب العام المصري في نفس الوقت بدء التحقيق الفوري، وإعلان تكليفه بانتقال هيئة مُحققين من النيابة العامة إلى هناك؛ حيث الحادث الأليم، وحالة الاستنفار والاستيقاظ غير المسبوقة من وزارة الصحة؛ التي لم نشهدها في أي واقعة منذ أحداث ثورة 25 يناير وحتى الآن.

حتى المقابر الجماعية التي دُفن فيها الشهداء كانت جاهزة لتلقي جثث الموتى، وفوق كل ذلك، وفي نفس الوقت يَطُل علينا الرئيس المُفدى «قائد الانقلاب العسكري» من حصنه المنيع، برابطة عنقه السوداء؛ مثل لون هذا اليوم الأسود في تاريخ الدولة المصرية، فقد أطل بخطاب إلى المصريين، أراد به تقديم واجب العزاء لهم، ولكن ما أُخفي في طيات حديثه كان أعظم من ذلك؛ فالهدف من هذا الخطاب في الأصل هو إرسال عدة رسائل:
الأولى، كانت «للعالم الغربي» المُتابع عن كثب للشأن المصري، مفادُها ازدياد حدة الإرهاب في مصر؛ وبهذا الصدد يتعين علينا باعتبارنا النظام، استمرارنا في محاربته بشتى الطرق والوسائل، حتى لو كلفنا هذا الأمر مزيدًا من التصفيات الجسدية، بحق أي مدني مُشتبه فيه، دونما تحقيق أو محاكمة قضائية.

وطبعًا ما عندهم من رهائن، يقبعون تحت أيديهم؛ يكفي لذلك، ويُبرر لهم أيضًا ما يحدث من حالات اعتقال تعسفي، وإخفاء قسري؛ وصولًا لتنفيذ أحكام إعدام بحق من أصدر القضاء بحقهم أحكامًا، نافذة، ونهائية؛ وبهذا يكون نظام السيسي قد برأ نفسه أمام سيل الاتهامات، المتزايدة حدتها من منظمة «هيومن رايتس ووتش»، ومنظمات المجتمع المدني، وحقوق الإنسان، والمنظمات الدولية التي اتهمته ونظامه أخيرًا بانتهاك الحقوق والحريات، وتزايد حالات التعذيب الممنهج في الأقسام، والسجون، والمعتقلات، وأقبية أمن الدولة السرية.

ومما قاله السيسي في خطابه بهذا الشأن: «تواجه مصر الإرهاب بالنيابة عن المنطقة وعن العالم بالكامل». قالها الرجل إذًا، ولا زال يرددها في جميع خطاباته، ولا زال يُقرن بقائه بمحاربة الأشرار، والإرهاب، والمسلحين المستهدفين لأمن واستقرار بلده، – بحد قوله -.

وأظن أن هذه الرسالة التي وجهها للدول الغربية؛ قد وصلت بالفعل، فعبر الحساب الشخصي للرئيس الأمريكي «ترامب»، ومن بعده تصريح وزير الحرب الإسرائيلي السابق «إيهود باراك»، وتابعهم الأمير السعودي «محمد بن سلمان»، وغيرهم. حيث تكلم الجميع بلغة نص واحدة: «عبد الفتاح السيسي بحاجة للدعم في مكافحة الإرهاب في بلاده». لا أعتقد أن يكون هذا الأمر من باب المُصادفة، فمصر السيسي أصبح لها الآن ظهيرًا قويًّا، أمريكيًا، وإسرائيليًا، داعمًا، ومؤيدًا، ومُباركًا؛ لما سيقوم به الجيش المصري في المرحلة القادمة، وتحديدًا في شبه جزيرة سيناء الجريحة، ويكأنه أخذ الضوء الأخضر، لعملية سحق البشر، والحجر في هذه المنطقة؛ لأنه لن تكون حادثة المسجد هذه بالأخيرة، فما كانت سوى اختبار لحوادث أخرى قادمة على نفس الشاكلة؛ والهدف منها توسيع رقعة التهجير لأهالي سيناء، وإقامة منطقة عازلة، ليس في رفح فقط، ولكن حتى تتسع هذه المنطقة لتشمل أيضًا مراكز: «الشيخ زويد، والعريش، وبئر العبد».

المُتابع لبرامج التوك شو المصرية، والنشرات الإخبارية؛ ومن تم استضافتهم من الخبراء الأمنيين، في برامجهم من بعد الحادث؛ سيجد أن محتوى حديثهم يتركز حول «لماذا لا ننقل أهالي مناطق الإرهاب في سيناء إلى محافظة حدودية مع شمال سيناء كمحافظة الإسماعيلية مثلًا؟ وهي تتسع لذلك، وحتى تكون أكثر أمانًا لهم كما كان الحال سابقًا مع أقباط سيناء».

فما كان حديثهم هذا إلا لتهيئة الرأي العام لتقبل أمر التهجير، وتفريغ المنطقة السكانية الأكبر في سيناء من محتواها السكاني، دون تكلفة من الجيش لهدم المنازل بالمتفجرات، والمدفعية كما فعلوا في رفح؛ لأن هذا الأمر سحب كثيرًا من رصيدهم أمام الدول الغربية، المتزعمة خوفها على حقوق الإنسان.

أما الرسالة الثانية فهي للمصريين أنفسهم، وتحديدًا لساكني مناطق «العريش، والشيخ زويد، وبئر العبد» ومن لا يزال باقيًا على قيد الحياة في رفح المصرية؛ التي لا تزال عملية إخلائها قائمة على قدم وساق «سنضرب بقوة غاشمة»؛ بهذه اللهجة أوصل السيسي مفهوم أن هذه المناطق ما عادت تصلح للحياة الآمنة المستقرة، أو للعيش الطبيعي، وعلى كل من هو قائم في هذه المنطقة؛ أن يعي جيدًا أننا سنُخلي هذه المنطقة شاء من شاء، وأبى من أبى؛ فليتحمل كل قائم مسئولية نفسه؛ لأن ضرباتنا الغاشمة، التي نهدف بها ضرب المسلحين ستطال كامل تراب المنطقة.

فأنت أيها المسكين المُقيم، والقاطن في هذه المناطق؛ أصبحت مقتولًا في كل الأحوال، إما بقصف بيتك، وهدمه فوق رأسك؛ سواءً بالخطأ، أو بحجة اختباء مُسلحين، أو لتسهيل إقامة منطقة عازلة، مفتوحة، وكاشفة، أو مقتولًا في كمين للجيش بعد الاشتباه، والتوقيف، أو بالخطأ أيضًا عن طريق تبادل إطلاق النار بين النظام والمسلحين، أو بالاعتقال، ثم التصفية الجسدية في الكتيبة «101»، وغيرها من أماكن احتجاز الجيش، والداخلية، أو حتى وأنت تؤدي عبادتك لربك سواء في مسجدك، أو في كنيستك.
وسريعًا وللعودة إلى الحادث، هناك عدة أسئلة تُسهل علينا فهم حقيقة ما دار هناك؛ فبعد الحادث بساعات أعلن الجيش المصري استهداف عدة بؤر لمسلحين في سيناء بالطائرات الحربية؛ وقتل منهم.

السؤال الأول: إذا كان الجيش بأجهزة استخباراته العسكرية، يعلم أن هناك عناصر إرهابية، وبؤرًا، ويستطيع الوصول إليهم بعتاده بهذه السرعة – بحسب قوله – لماذا ينتظر حتى يُقتل أكثر من 300 مواطن بريء لا ذنب لهم ولا جريرة؟!
السؤال الثاني: إذا كان الجيش في سيناء يقصف أي عربات دفع رباعي يشتبه فيها، بحكم خطورة الوضع، «وهذا الخطأ حدث بالفعل في واقعة قصف سيارات السائحين المكسيكيين بالصحراء الغربية»؛ بالمنطق والعقل البشري، كيف مرت أربع أو خمس عربات دفع رباعي من كل هذه الكمائن المنصوبة على طول الطريق، وقطعت كل هذه المسافات، ونفذت هذه المجزرة الكبيرة بحق المدنيين، ثم تبخروا في عرض الصحراء دون أثر؟!

السؤال الثالث: بحسب شهادة ساكني المنطقة، مسجد الروضة هذا محل الواقعة؛ والذي نُفذت فيه هذه العملية يحلُ قريبًا منه في الجهة المُقابلة له معسكر للجيش، وهذه العملية استغرقت وقتًا من الزمن، لماذا لم يتحرك أحد من هذا المعسكر ليُنقذ ما تبقى من مدنيين بداخله من هذا الهجوم؟
السؤال الرابع: لماذا كانت قناة «سكاي نيوز الإماراتية» أول من ينقل نبأ المجزرة بالصوت والصورة حتى قبل التلفزيون المصري نفسه؟!

السؤال الخامس: لماذا تم منع الطب الشرعي من تشريح جثث الشهداء الأبرياء، والإصرار على دفنهم في مقابر جماعية، وليست مُنفردة، والبلاد ليست في حالة حرب، أو عدوان، وليست مثل سوريا والعراق – بحسب وصف السيسي ونظامه كما صرح سابقًا -؟!
السؤال السادس: لماذا يتم منع تواجد الصحافة والإعلام بشبه جزيرة سيناء، منذ اندلاع الأحداث في عام 2013م وحتى الآن، ورغم ذلك يَتهم النظام المصري تنظيم ولاية سيناء بالضلوع وراء كل الحوادث، التي تحدث هناك سواء تبناها التنظيم، أو لم يتبنَ، مع العلم أن التنظيم يُصور كل عملية يقوم بها، وبتقنيات عالية؟!
السؤال السابع: لماذا يتم منع مُصابي الحادث من الإدلاء بتصريحات في الإعلام بشأن الحادث، وهم شهود عيان عليه؟!

نعم أسئلة كثيرة، واستفسارات أكثر، وخيوط مُعقدة بشأن هذا الحادث المُروع، ولكن إجابتها واضحة، وصريحة جدًا لأصحاب العقول.

لكن الصدمة الكُبرى في حصيلة هذا الحادث، وصعوبة تقبله على العقل البشري؛ فبحسب الإحصائيات الأخيرة كان ضمن هؤلاء الشهداء: «30» طفلًا دون سن العاشرة، و160 مُسنًا أعمارهم فوق الستين عامًا، و10 أسر بأكملها تضم «الجد وأبناءه وأحفاده»، و17 أسرة، فقدت الآباء والأبناء معًا، ومن بين هؤلاء الشهداء شباب، وطلاب بجميع المراحل الدراسية، لا سيما الجامعية، كل هؤلاء الشهداء دُفنوا في 10 مقابر جماعية، تم حفرها باللوادر، فهل تخيلتم فجاعة ما حدث؟!
وبدلًا من أن تشكر الحكومة المصرية الأهالي، الذين قاموا بجمع تبرعات لإغاثة المنكوبين، في هذه المصيبة، يتم استهدافهم واعتقالهم من قِبل حملات أمنية موسعة،
يا سادة! إنها ليست الفلوجة، أو الموصل، وليست البو كمال، ولا دير الزور، ولا صنعاء، أو حتى مأرب، ليست شيئًا من ذلك كله، إنها مصر.. مصر السيسي يا سادة!

فلم يكذب الرجل حين قال سابقًا «أشباه دولة»؛ فمصر هذه التي روجوا لنا أنها صاحبة سبعة آلاف سنة حضارة، وما زالوا يُروجون؛ اليوم يُذبح أبناؤها من الوريد إلى الوريد على مرأى ومسمع العالم الدولي، والإقليمي، والمحلي؛ لتحقيق أهداف ومطامع سياسية.
إنها سيناء الجريحة، والمكلومة، منذ أوائل عصر النهضة وحتى اليوم.

وبعد ذلك كله وفي الوقت الذي لا زالت جراح أبناء سيناء ثخينة، والأسر مقهورة على أبنائها وذويها؛ تأتي وزيرة المساواة الاجتماعية الإسرائيلية، وبكل وقاحة تُعلن من قلب العاصمة المصرية القاهرة؛ إن سيناء أفضل مكان للفلسطينيين لإقامة دولتهم – بحسب قولها -، يأتي ذلك أيضًا قبل إعلان الرئيس المصري الأسبق «حسني مبارك» أنه تمسك بمبدأ عدم التفريط في أي شبر من أرض مصر، خلال فترته الرئاسية، فهل حديثه هذا ينبئ عن أمر ما سيحدث خلال الأيام القادمة، أم هي تكهنات وفقط؟! وفي نفس السياق أيضًا يُعلن الفريق «أحمد شفيق» عن عزمه خوض الانتخابات الرئاسية القادمة، ويكأن هناك حالة من الصراع الداخلي بين أبناء المعسكر العسكري على حكم البلاد.

أخيرًا، بالعودة إلى المذبحة؛ إذا كان تنظيم القاعدة أدان مذبحة مسجد الروضة، وتنظيم حسم أدان المذبحة أيضًا، وتنظيم الدولة الإسلامية لم يتبنَ المذبحة، رغم أنه لا يتردد في إعلان تبني عملياته – كما أوضحنا -، فمن ارتكب المذبحة إذًا؟

علامات استفهام كثيرة، وأسئلة تطرح نفسها مع مرور الوقت، وتكشف المزيد من الحقائق والشهادات، لمصلحة من تظل أرض سيناء هكذا، وحتى متى تظل سيناء على فوهة بركان، ويدفع أهلها الضريبة كاملة.. دماءهم، وأموالهم، وأعراضهم، وديارهم، ومزارعهم، وملاعب صباهم، ومتى يندمل هذا الجرح السيناوي الغائر، والنازف مُنذ عقود؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد