لكل اتجاه فلسفي عدد من الفلاسفة يندرجوا تحت نطاقه، لكن عندما تتحدث عن نيتشه، فلن تستطيع إدراجه تحت أي مذهب، فلسفته متفردة لم يُر لها مثيل.. التفلسف بالمطرقة لهدم كل ما تم بناؤه سابقًا. هو يرى أنه يحمل على كتفيه قدر الإنسانية؛ لأن في نظره أن الكذب هو ما زال يُدعى حقيقة.

أن يدّعى أي أحد أنه تابع للفلسفة النيتشاوية لهو الجهل بعينه؛ لأنه إن فعل هذا، فهو لم يفهمه من الأساس؛ نيتشه يُردد دائمًا في كتبه أنه لا يُريد أن يُقدّس، نجد أن زرادشت يأمر تلامذته أن يحطموه لو فكّروا في اتخاذه صنمًا، إنه لن يعود إليهم إن لم ينكروه وظلّوا على تبجيله، إن الإيمان بنيتشه نفسه ضرب من الغباء.

منذ بدء الخلق سعى الإنسان لبلوغ الكمال بالعديد من الطرق، تمثل هذا السعي بين الفلاسفة في فيلسوفين هما الأبرز: أفلاطون ونيتشه.. بالرغم من الاختلاف الكبير بينهما، إلا أن أفلاطون سعى للكمال من خلال مدينته الفاضلة بشكل اجتماعي كامل، ونيتشه من خلال الإنسان الأعلى بشكل فردي، فالإنسان إله نفسه، وعليه أن يسعى لأن يصبح الإنسان الأعلى من خلال تتبع تعاليم زرادشت:

ما القرد بالنسبة للإنسان؟ أضحوكةٌ، أو موضوع خجل أليم. كذا يجب أن يكون الإنسان بالنسبة للإنسان الأعلى: أضحوكة أو موضوع خجل أليم.

نعم، هكذا تكلم زرادشت.. يجب أن يواصل الإنسان تطوره ويخرج من نفسه ليصل إلى مرحلة أخرى: الإنسان الأعلى،
أما عن الرابط بين المدينة الفاضلة والإنسان الأعلى هو محاولتهم لاجتياز العقل، نيتشه وأفلاطون يبغيان الوصول إلى اللامعقول!

ما سبق ذكره يوحي باستحالة تطبيق فلسفة نيتشه بشكل كامل على أرض الواقع وصعوبة الوصول لمرحلة الإنسان الأعلى؛ لأنها ستترتب عليها الكثير من الأمور السيئة، فلنتخيل بشرًا عديمي الشفقة أنانيين وينظرون للمرأة بكراهية، ولا يحبذون تكوين الأُسر وينبذون الديموقراطية، وغيرها من الأفكار الشاذة.

يحيلنا هذا إلى نقطة أخرى وهي أن الإنسان سيظل محدود القدرات، يظل العقل خاضع للتصور الكانطي الذي يحتقره نيتشه ويرى أنه يتقنّع بالدين، بالرغم من أن كانط لم يتحدث في فلسفته عن أديان ولم يولها الكثير من الاهتمام، وأنه في نقده للعقل المحض أقرب إلى العجر عن إنكار أو إثبات الله، هو يرى أن هناك منظم لحركة الكون يعجز العقل عن تصوره، وهي أقرب الفلسفات وأكثرها منطقية للتحليل الإنساني عن الإله.. يمكن أن تؤدي فلسفة كانط إلى اللا دينية أو اللا أدرية، وليس بالضرورة للدين، لكن ليس إلى إلحاد كما في فلسفة نينشه الذي تقوم على موت الإله.

لنيتشه بعض النقاط المؤثرة من الجانب الذي اختلف فيه مع أغلب الفلاسفة قبله: جانب الأخلاق، ففلسفته اللا أخلاقية تضرب عرض الحائط بجميع الفلسفات التي اتخذت من الأخلاق ركنًا، حملت لا أخلاقيته بعض اللمحات الإنسانية التي لم يراعيها أحد من قبل، لكنها غالت في هذا في بعض الأحيان، لكن ما أتحدث عنه هنا ليس تحليل كامل لفلسفته، بل هو تناول للإطار العام والخطأ القاتل بعدم معقولية تطبيقها.

فلسفة نيتشه مفيدة لتحرير الفكر وتوسيع الأُفق وتقبل الآراء، القراءة له لذة محرمة، بمثابة قرعات متتالية على الذهن.
كما أن الفلسفة الوجودية قامت على أساس فلسلفته وتأثرت بالكثير منها. وكما كانت الهيجلية منبعًا بَنَت عليه التيارات الفلسفية الحديثة أسسها أو اتخذت من أفكارها مادة للتحليل، هكذا كانت لفلسفة نيتشه أثر كبير في عالمنا إلى اليوم،
لكن في النهاية يظل عدم صلاحية تطبيقها على أرض الواقع عيبًا فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فلسفة, كانط, نيتشه
عرض التعليقات
تحميل المزيد