تتوالى خطوات التقارب السعودي الإسرائيلي يومًا بعد يوم، وتعبر عن نفسها بجرأة عبر العديد من وسائل الإعلام، بحيث أصبحت تبدو خطوات التقارب بين الرياض وتل أبيب مؤخرًا تمضي بشكل معلن وفي ظل تغطية بارزة لوسائل الإعلام السعودية، وليس كما كانت في السابق على استحياء، هذا ويخرج قطاع غير قليل من رجال الإعلام السعودي على الناس مرارًا وتكرارًا ممتدحين إسرائيل وكيف يمكن أن تكون شريكًا حقيقيًا للسلام، وطبعًا متبعين ذلك بكل اللعنات على إيران وأنها مصدر كل الشرور في المنطقة.

هناك عوامل سياسية قوية تدفع القيادة السعودية لهذا النهج، أهمها السعي الحثيث لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، للصعود إلى قمة السلطة في البلاد، وهو ما يتلاقى مع رغبة أمريكية في توفير الدعم له، مقابل مشاركته ومباركته بقوة لما بات يسمى بصفقة القرن التي يرعاها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أما العامل الآخر الهام فهو ذلك الخوف المتزايد لدى الرياض من تنامي النفوذ الإيراني في العديد من الدول العربية المحيطة، وهو خوف يراه كثير من المراقبين منصبًا على إمكانية فقدان الحكم والنفوذ أكثر من كونه منصبًا على مصلحة استراتيجية، وهو ما يدفع الرياض دفعًا للتحالف مع قوى إقليمية تشاطرها العداء لإيران حتى وإن كانت إسرائيل.

هذا وعملت الدعاية السعودية مؤخرًا على تركيز فكرة أن إيران هي عدو العرب الأول، انطلاقًا من أن العرب يعتبرون أن التهديد يأتيهم من إيران وليس من (إسرائيل) وذلك بهدف تدمير برنامجها النووي، وأن كل عربي مسلم سني، وكل مسلم سني في العالم هو في حالة حرب مع عدو العرب والمسلمين إيران، أي إنها حرب بين المسلمين سنة وشيعة، حليف السنة فيها (إسرائيل)، علمًا أن برنامج حليف المملكة الجديد (إسرائيل) هو المنتج لمئات الرؤوس النووية في صحراء النقب الفلسطينية غير البعيدة عن السعودية، والتي يمكن أن تطال مكة والمدينة والرياض في أي وقت، كما وأوهمت الدعاية السعودية الرأي العام العربي بأن لدى إيران مشروعًا توسعيًّا لاحتلال الدول العربية ونشر مذهبها (الشيعي)، حتى تحولت هذه الدعاية إلى نوع من العقيدة التي تبنتها كثير من الأنظمة العربية لتبرير معاداتها لإيران، رغم أنها لا تربطها علاقات سياسية أو اقتصادية مع نظام طهران، وأيضًا لقمع أغلبيتها أو أقلياتها الشيعية واضطهادها بدعوى موالاتها لإيران الشيعية.

هذا الكلام يفضح توجهات السعودية، وجرها لحكام دول الخليج للتحالف مع عدو العرب والمسلمين، والذهاب بالعرب والمسلمين إلى كارثة تدمر الجميع، ففي المملكة العربية السعودية يوجد سنة وشيعة، فهل سيتم شن حرب اجتثاث على شيعة المنطقة الشرقية وشيعة البحرين وشيعة الكويت وإباضية عُمان وحوثيي اليمن وشيعة لبنان وغيرهم؟!

أكبر المغالطات وأخطرها في هذا السياق هو محاولة تصوير ما يجري في المنطقة على أنه حرب سنية شيعية ما بين العرب السنة وإيران الشيعية، لأن الشيعة موجودون في أكثر من دولة عربية، بل وحتى يمثلون الأغلبية في العراق ولبنان والبحرين، ومن شأن مثل هذا الخطاب العقائدي المذهبي أن يشعل ويؤجج الحروب الطائفية في المنطقة إلى أمد بعيد.

هذه السياسة السعودية تعمل على تضليل العرب والمسلمين وأخذهم إلى حرب ضروس مدمرة تصب في خدمة الكيان الصهيوني، وهو ما تفعله هذه السياسة الخرقاء في سورية ومن قبلها العراق، وذلك بتأجيجها لحرب الإرهابيين المرتزقة تمويلًا وتسليحًا، مما أدى إلى تدمير هذه الدول وإغراقها في الدم، وزجها في صراع طائفي منحط يأكل البلد وشعبه وخيراته، ويعيده حقًا إلى العصر الحجري، وها هي (عاصفة الحزم) في اليمن موجهة عسكريًّا للحوثيين، لكنها سياسيًا موجهة لإيران، فحكام السعودية والخليج عمومًا حاربوا المشروع القومي العربي الناصري بالإسلام (الإسلام في وجه العروبة)، وها هم الآن يمزقون صفوف العرب والمسلمين بالتحريض الطائفي (سني شيعي).

السعودية تسعى اليوم إلى التقارب وتقوية تحالفها مع أمريكا والتقارب خفية مع إسرائيل مقدمة كل التنازلات، ومعتقدة أنها ستجعلهما يدخلان في حرب بالوكالة عنها ضد إيران بدعوى مواجهة الخطر الإيراني، لكن التواجد الأجنبي في الخليج يهدف إلى حماية إمدادات النفط بالدرجة الأولى، ويعتبر الخليج ممرًا بحريًا مهمًا جدًا واللعب فيه خطير وهو كمن يلعب بالنار، وفي حالة أي استفزاز لإيران فإنها تستطيع تعطيله وإغلاقه وإيقاف الإمدادات النفطية المارة من خلاله، ولهذا لا يستطيع الغرب ضرب إيران حتى لو أرادت إسرائيل ذلك.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لم يظهر هذا الوعي بالخطر الإيراني في عهد شاه إيران، الذي كان بمثابة شرطي أمريكا وحليف إسرائيل في المنطقة؟ ألم تكن إيران الشاه حليفة أغلب الأنظمة العربية التي تعاديها اليوم؟ ألم تحتل إيران الجزر الإماراتية (طنب الكبرى) و(طنب الصغرى) و(أبو موسى) عام 1971 م في عهد شاه إيران الصفوي الشيعي، ولماذا لم يشن العرب آنذاك الحرب على إيران لاستعادة الجزر التي ما زالت محتلة حتى يومنا هذا؟

إيران الشيعية هي الدولة التي استطاعت الإطاحة بأكبر نظام ديكتاتوري مجرم، وهو نظام الشاه الذي كان مأوى وملاذًا للصهاينة، وهي من أغلق سفارة العدو الإسرائيلي وقامت برفع علم فلسطين عليها في الوقت الذي نرى فيه علم إسرائيل يرفرف في عواصم بعض الدول العربية، إيران حتى وإن كانت قد اتخذت من مذهبها الشيعي حصان طروادة لمحاربة خصومها وتصدير ثورتها في بداياتها، لم تعد دعايتها تلجأ إلى مذهبها الشيعي للترويج لسياستها في المنطقة، وقد أبانت عن براغماتية كبيرة في تجاوز عقيدتها الشيعية لخدمة مصالحها الاستراتيجية، فقد وقفت ضد استقلال كردستان الذي هدد بتقسيم العراق وتفتيت المنطقة، كما ضحت بهذا المبدأ عندما يكون الدفاع عنه ضد مصالحها، وقد حصل ذلك عندما ناصرت دولة مسيحية هي أرمينيا ضد دولة أخرى هي أذربيجان أغلب سكانها شيعة.

أما إسرائيل فهي التي سبق لها أن دعمت وشجعت استقلال كردستان العراق وتقسيم السودان وغيرها الكثير، كما أنها تحتل منذ أكثر من ستة عقود أراضي ثلاث دول عربية هي فلسطين وسوريا ولبنان، وشردت واضطهدت شعبًا كاملًا هو الشعب الفلسطيني، فهم يحتلون فلسطين ويدنسون المسجد الأقصى ويحاصرون الشعب الفلسطيني ويقتلونه ويعذبونه يوميًا.

وهكذا عندما تلتقي سياسة (إسرائيل) بسياسة السعودية، فهي تبرئة للكيان الصهيوني من جرائمه، وتمكين له لتهويد القدس، وغسل يديه من شلال الدم الفلسطيني، كما إن إخراج الكيان الإسرائيلي من دائرة الصراع يعني التخلي التام عن القضية الفلسطينية بذريعة مواجهة الخطر الإيراني، الذي توهمنا الحكومات العربية بأنه أشد خطرًا من المشروع الإسرائيلي، فلم تعد المسألة مسألة حركات شيعية أو تيارات سنية أو تطرفًا دينيًّا أو إرهاب مقاومة، إنها مسألة بناء شرق أوسط جديد يقال إنه سيقام على أسس نبذ الكراهية والعنف والتشدد والسلام بين العرب وإسرائيل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

رأي اليوم
القدس العربي
عرض التعليقات
تحميل المزيد