يمر الإنسان بمراحل الحياة المختلفة؛ فتصقله وتُكون شخصيته، وما يزال الإنسان على هذه الحال حتى تحين وفاته، ويدنو أجله، تتشكل شخصية الفرد تمامًا كجذوع الأشجار، والتي نعرف عمرها بعدد الطبقات في مقطوع جذعها الأفقي، غير أن رديف الطبقات في حياة الإنسان هي المواقف التي مر بها، والأشخاص الذين قابلهم، والمصاعب التي عايشها، والإنجازات التي حققها، جميعها تُكون شخصية الفرد وتنحتها لتأخذ شكلها وتضاريسها، ونحن الجنس البشري بطبيعتنا التي تبغض العزلة، وبفطرتنا الاجتماعية نرفض الوحدة؛ لذا فإن مقابلة باقي أفراد المجتمع والاختلاط بهم يأخذ الحيز الأكبر من تشكيل شخصية الفرد، وتكوين طباعه، وبلورة أفكاره، وعليه فإن الإنسان تربطه بباقي أفراد المجتمع روابط، والتي منها الرسمية ومنها غير ذلك، منها الراسخة ومنها العابرة، فمن منا ليس لديه أب، وأم، وجيران، وأصدقاء.

وهنا نُركز على صنف الأصدقاء لكثرة مصادفة أي منا لهم، وفي تمعننا نوعية الصداقات وكيفية تشكلها، نجد أن أغلب علاقات الصداقة تكون مرحلية ومؤقتة، وهذا يعود لكثرة مقابلتنا للأشخاص في مراحل الحياة المختلفة، ولعلاقة الصداقة المرحلية مساوئ كثيرة؛ إذ إننا لا نكتشف مرحليتها إلا بعد انقضائها بسنوات، وسرعة إدراك ذلك يعود للوعي الذي يملكه الشخص وعمره أيضًا، إدراكنا لهذا بعد مدة من انقضاء تلك الصداقات ينتج عنه أن نصادف عشرات الأصدقاء المرحليين، وجميعهم كنا نعتقد عند معرفتهم أنهم أقرب الأصدقاء، ولكن سرعان ما نصل إلى الترك التدريجي حال وصولنا إلى مفترق الطرق.

أولئك الأصدقاء تبدأ مصادفتهم منذ سنين الحياة الأولى للفرد، فقد نلقاهم في صفوف المدرسة، أو في مناطق سكننا جيرانًا، وقد نلقاهم في الثانوية أو الجامعة، وبعدها في أماكن العمل، وحتى من الممكن أن نلقاهم عن طريق المصادفة أو السفر، وإن أخطر ما ينتج عن تلك العلاقات هو ضياع الوقت، والذي لن نشعر بانقضائه إلا بعد مرور تلك الأوقات؛ ولأنه لم تكتشف آلة للزمن حتى الآن؛ فإننا لن نستطيع العودة إلى الوراء لكي نتخلى عن كثير من الأشخاص الذين كنا قد قضينا معهم آلاف الساعات، والتي الآن قد ضاعت كما ضاعت تلك الآمال التي بنيناها على أولئك الأصدقاء في يومٍ ما.

يمكننا تشبيه العلاقات الاجتماعية بالشبكة العنكبوتية، أو بنظام الجذور المتفرعة، وهكذا هي صداقات الإنسان في مراحل طفولته، ومن ثم شبابه، لقاءاتٌ، فافتراق، لقاءاتٌ فافتراق، وهكذا حتى يصل الإنسان إلى نسبة الوعي الكافية، والتي تمكنه من إدارة علاقاته إدارة ناجحة، ومعرفة من الصالح منهم ومن الطالح، من الدائم ومن المؤقت، أظن أن من ضمن الصفات التي تمكننا من معرفة الأصدقاء الدائمين هي تقارب القيم والمبادئ والأفكار، والشعور بنوع من العهد الذي يربطنا بهم، ذلك العهد الذي قد أصبح بيننا تلقائيًّا وبدون تخطيط مسبق، كما أن الأصدقاء الدائمين والصالحين دائمًا ما يكونون سندًا لنا في الحياة، ونكون لهم سندًا أيضًا، يشاطرونا الآلام والأحزان ونشاطرهم إياها، يبادلوننا ونبادلهم مشاعر الفرح والسعادة، نساعدهم في حل مشاكلهم، ويساعدوننا هم أيضًا، نكون لهم الملجأ حين يجب أن نكون، ويكونون لنا ملجأً حين يجب أن يكونوا، هم الملاذ الآمن حين نبحث عن الملاذ، ونكون لهم ملاذًا حين يتيهون في ظلمات الحياة، أما الأصدقاء المؤقتون أو المرحليون فغالبًا تجمعنا بهم سمة ضياع الوقت، فتضيع أوقاتٌ بلا رجعة، وبدون أن نشعر بها، أولئك غالبًا ما نصادفهم عند البدء بأمر جديد، كالدخول في مرحلة دراسية، أو عند البدء بعمل جديد، أو عند السفر والانتقال، أولئك المرحليون لا تتعمق بهم، وعش علاقتك معهم كما يجب أن تكون، فلا زيادة ولا نُقصان.

وأسأل الله أن نكون مع أصدقائنا الدائمين كالذين قال عنهم الرسول – صلى الله عليه وسلم-: «ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه»، أولئك ممن يظلهم الله بظله، يوم لا ظل إلا ظله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد