ستعلمك الأكتاف التي تعبت وتخلّت ألا تقف على قدم واحدة، سيعلمك العجز الذي أصابك من بعد السقوط إنّه خيرٌ من كلّ الأيادي التي مُدّت لتلتقفك، سيعلمك غيابُ الصباح أنّ الليالي الموحشة خيرٌ من كل الصباحات التي تنتهي،
«وإنّي من بعد كلّ هذا أقول .. ما أزالُ أفتقدك».

«اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا. وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا. إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا».

إنّها الآيات التي مضينا نبحثُ عمّن يحملها معنا، نسكُنهُ ويسكُننا وظلُّ الله فوقنا يَحمينا في الدُنيا ويُبقينا يدًا بيد خالدين في جنته  يوم يبعثون.

إنّه «هارون» الذي لم يُفلت يد سيدنا موسى  رغم صعوبة الأمر لمّا كان اللقاء مع الذي طغى، الذي قال إنّه الربُّ الأعلى، لعلّ هارون وضع يده على كتف موسى وقال لا تخف أنا معك نموت سويًا أو نحيا نسعى إلى الله معًا، لعلّه احتضنهُ وقال له سآتي معك قبل أن يطلب منه موسى ذلك، بل وقال له اذهب اسأل الله أن يأذن لي برفقتك، فمنَّ الله عليه بذلك.

«وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ».

إنّه الذي يتسع صدري معه وتنحلُّ عقدةٌ من لساني، أو يكون هو كلماتي إذا ما انعقد اللسان، إنّه صوتي إذا ما خانتنا الحروف، إنّه الصدى لما أقول، فأرسل إلى هارون لأنّي أخافُ أن يُكذبون، ولكنّه يا رب يُصدقني.

فقذف الله في قلب موسى الأمان «قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ» نعزُّ جانبك به، وتأتي الآياتُ من بعدها بصيغة الجمع بعد أن كانت «اذهب إلى فرعون »، صارت «فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون»، وقوله تعالى: «إنني معكما أسمعُ وأرى»
يا صديقي «إنّه هارون».

ومضينا نبحثُ عن الصالحين بعد أن سكنت قلبنا هذه الآيات، حتى نقرأها بخشوعٍ أكبر، حتى نرسلها إلى الصديق الحميم وترتسمُ صورته في أذهاننا كلّما سمعنا الآيات، ويكون هو أوّل خاطرنا، ويدفعنا ذكره أيضًا إلى الترتيل.

فلّما اتكأنا عليهم وكانوا عكاكيز أقدامنا العَرجى، وكبرت فينا التفاصيل الصغيرة، وأصبحنا نرى العالم من خلالهم ونرى أحلامنا معهم، وأوطاننا البعيدة برفقتهم، ووقفنا في خيالاتنا السعيدة على أبواب الجنة، وحرّرنا ربّما وطنًا أحببناهُ بفطرتنا، وتعددت الأماكن التي تربطنا، أبعد كلّ هذا يا «هارون» تُجافينا!

أتبخلُ علينا بردٍ على رسائلنا الملأى بالصدق وبنا، كيفَ بالله تقوى على المرور عنّا دون أن تقودك المحبة أو الماضي الجميل أو الفضول على أقل تقدير لفتح الرسالة، كيف بالله تمضي غير آبهٍ أو متظاهرٍ – ربّما- إنك قد تجاوزت كلّ شيء، والأهم من ذلك، هل من شيء يستحقُ كلّ هذا!

ستقول حتمًا إنّها ما تراكم على خوافِقنا من تعب، إنّها الأيام والظروف التي لا ترحم، إنّها أخطاؤنا التي نتحملُ نتائجها الآن، إنّها الدقائق التي قضيناها دون أن نتقدم، وإنّها اللحظات التي لم نستطِع أن نُهوّن على بعضنا فيها ضيق الطريق وغياب الفرح.

وأقول لك ما لم تُفكر به أبدًا، إنّك لم تكن وحدك في هذه المعركة، كنت أخوضها معك بكل ما فيها من ألم و أمل، وكنت أسعى لأن أسندك وأبحثُ عن الأشياء التي تُسعدك، وأقدمك دائمًا على نفسي، وأقبل بالحلول التي فيها ضرري ما دام فيها نفعك.

لا يعنيني الآن من المُخطئ ومن الذي أعطى أكثر، ومن الذي بقي مُبادرًا، كلّ ما يعنيني أن ترى ما نحنُ عليهِ الآن، أن تراني لأنّي أحبك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد