بهاء الدين يوسف 64
بهاء الدين يوسفحجازي 64

 كلمة رايخ تعني إمبراطورية، وفترة حُكم الرايخ في ألمانيا تمتد من الرايخ الأول تحت حكم بسمارك إلى الرايخ الثالث تحت حكم هتلر، والفترة التي شغلت ما بين عامي 1871 و1945، تبعها انفصال ألمانيا إلى ألمانيا الديمقراطية (شرقًا) وألمانيا الاتحادية (غربًا).

الرايخ الأول هو رايخ الحُكم الملكي تحت بيت هوهنتسولرن ما بين عامي 171 و1918 أي انتهاء الحرب العالمية الأولى، والرايخ الثاني من عام 1919 حتى عام 1933 تحت مُسمى جمهورية فايمار، وهي فترة الحُكم الديمقراطي لألمانيا، ثم ضم النمسا ووصول النازي للحُكم وبداية الرايخ الثالث من 1933 حتى 1945 تحت مُسمى الرايخ الأكبر، يتبعها فترة الانقسام التي انتهت عام 1990.

يُعد القيصر فيلهلم الثاني حاكم الفترة الأخيرة من الرايخ الأول، والذي أديت خسارته الحرب الأولى سقوط الدولة العثمانية وبداية الانتداب للعديد من الدول العربية التي لم يكن وصلها الاحتلال بشكل رسمي بعد، هو بداية الكثير من العوامل والمشاهد التي نراها في الشرق الأوسط الحالي، على مستوى العلاقات الدبلوماسية الألمانية العربية التي دامت فترة طويلة، أو على مستوى إنشاء دولة إسرائيل،أو قيام الدول العربية بحدودها الحالية –نتيجة لاتفاق مسبق بين فرنسا والمملكة المتحدة البريطانية – معًا.

عندما تولى القيصر مقاليد الحُكم في ألمانيا، كان ذلك في عام 1888 خلفًا لأبيه القيصر فريدريش الثالث، كان حفيدًا حالمًا لبسمارك يحلم بأن يعيد أمجاد جده إلى اقتصاد ألمانيا – بالرغم من قوة ألمانيا في تلك السنوات بالفعل – ولكن طموحه لم يكن متوقفًا في الزيادة والحصول على اقتصاد أقوى وأكثر انتعاشًا في فترة حكمه لألمانيا.

وقد كانت زيارة دمشق في عام 1898 بناءً على دعوة السلطان العثماني عبد الحميد الثاني بمثابة فرصة في إقامة مشاريع مع الدولة العثمانية تعود في مصلحة الاقتصاد الألماني، وبدأت تجهيزات بقيام حدث عملاق في ولاية الشام وسنجق القدس ومتصرفية لبنان تبعًا إلى فرمان أصدره البلاط العثماني.

كان القرار ينص على إقامة قصر له وتكريم زيارته، بل كان هناك ترحيب لذاك القيصر الذي زار ضريح صلاح الدين الأيوبي، وبالرغم الخلافات القائمة بين الحُكام ورجال الدولة بخصوص المبالغة في استقبال هذا القيصر إلا أنه استمرت عملية الترحيب حتى تم تدوين أن القيصر قد دخل القدس فوق حصانه بترحيب من الشعب الذي سيرحب فيما بعد بالقُنصل الإنجليزي الذي رأوا أنه يحترم مقدساتهم نظرًا أنه دخل القدس مترجلًا على قدميه!

وصلت مظاهر الترحيب في البلاد العربية مراحل مكلفة حيث أورد المؤرخ البريطاني جون روهل عن ما حدث حين كان القيصر على مقربة من حيفا، في تاريخ 24 أكتوبر (تشرين الأول) لعام 1898 حيث قال: وعندما شد الوفد الرحال على الطريق المليء بالغبار تجاه يافا، وصل الكثير من رجال الدين وأكثر من 500 شخص آخرين أتوا على متن أربع سفن. واحتاج الموكب إلى ما لا يقل عن 230 خيمة، و120 عربة، و1300 حصان وحمار و100 حوذي و600 عامل و12 طباخًا، وإضافة إلى 60 نادلًا وقدمت الكتيبة من الجيش التركي الحماية للقافلة التي كانت تواكبها السفن الحربية الألمانية التي كانت تطلق طلقاتها التشريفية كلما لاح لها العلم القيصري في الأفق.

وكانت بوادر هذا الترحيب ليست فقط ما جعلت المنطقة العربية مستقر علاقات وآمال طيبة بالنسبة للكيان الألماني لسنوات طويلة مقبلة وحسب، بل ما دفع آمال القيصر تجاه السلطان هو أن السلطان قد أعطى القيصر امتياز بناء سكة حديد بغداد، كما حدث أن أصدر البلاط العثماني فرمان تولية ضباط ألمان أمر تجهيز وتدريب الجيش العثماني وقيادته.

وعند وقوع أزمة اغتيال ولي العهد النمساوي في عام 1914، في تاريخ 2 أغسطس (آب) وقعت ألمانيا والمملكة العثمانية اتفاقًا سريًا، تعهدت فيه ألمانيا بتقديم الدعم العسكري للسلطنة العثمانية في مقابل إشراك الضباط الألمان الموجود هناك منذ عام 1913 في قيادة الجيش، وبذلك حصلت ألمانيا على نفوذ مهم في الجيش العثماني الذي كان يحلم سلطانه في استعادة أراضيه التي فقدها.

كانت خطة ألمانيا في تلك السنوات أن تقوم الدول الإسلامية الواقعة تحت سيطرة بريطانيا بالعصيان حينما تقوم بريطانيا نفسها بالهجوم على ألمانيا، فتقع بريطانيا في الحصار بين الجيش الألماني – العثماني والعصيان القائم في الأراضي التي للسلطة العثمانية نفوذ ثقافي وديني أي العالم الإسلامي.

وكانت محاولات القيصر في إثارة العالم الإسلامي، بالأخص الدول العربية، تبوء بالفشل إذ يأس الأكثر منهم البلاط التركي، بالرغم من إعلان السلطان عبد الحميد الثاني الحرب المقدسة ضد بريطانيا وإعلان طلب فريضة الجهاد إلى كل مناطق العالم الإسلامي، والتي لم تلق أي صدى لدى المسلمين في ذاك الوقت، وكانت بداية تلك المحاولات مخطط تثوير المناطق الإسلامية الخاضعة على سيطرة بريطانيا وفرنسا الذي كُتب عام 1914 بيد ماكس فون أوبنهايم، حيث أقر المخطط أن الإسلام هو السلاح الأهم الذي يمكن أن يقود تلك البلاد إلى الغضب ضد الإنجليز والفرنسيين، ولكن ما حدث في الواقع هو ضياع آمال ما سماه القيصر الحرب المقدسة، التي انتهيت به متنازلًا عن الحُكم أثر اعتماده على عاملين، أولهما السلطة العثمانية كقيادة للعالم الإسلامي، والذي كان قد يأس منها وتخلى عنها، والآخر كان الجيش العثماني تحت الإدارة الألمانية الذي أثبت فشله هو الآخر.

في فبراير (شباط) عام 1915 كان هناك خطة بإرسال 16 ألف جندي تركي في مهمة عبور الصحراء والهجوم على قناة السويس وقطع حركة المرور فيها، وكان الغرض من ذلك الأمر هو قطع إتصال بريطانيا بمستعمراتها في الهند، والحصول على مد عثماني في أراضي عربية مثل مصر، والسيطرة على بقعة مهمة في الشرق الأوسط وتسهيل حركة ملاحة السفن الألمانية والأسطول، ولكن ما حدث أن العملية باءت بالفشل الذريع وتكررت تلك العملية مرة أُخرى في عام 1917 وفشلت هي الأخرى، وكانت تقارير ألمانيا حول الجيش العثماني صادمة للآمال، حيث قال أحد التقارير:

 سكانًا محليين متطوعين وغير نظاميين ومتمردين وكثيري المطالب ولم يقدموا أي شيء

 كما أُضيف في أحد التقارير الأخرى:

 الضباط الأتراك يقضون اليوم كله في النوم، وكانت طاقاتهم تكفي فقط لتقديم المقاوم السلبية

 كانت ردة فعل البريطانيين بصحبة بعض الهنود هو تمكنهم في عبور الضفة الغربية للسويس ورد الهجوم على الأتراك وإنهاء العملية بالفشل الكارثي.

ما نتوصل إليه في سقوط ألمانيا في الحرب الأولى هو أن الفشل العسكري للجيش العثماني وسقوط عنصر القيادة لديها بالنسبة للعالم الإسلامي كانا السببين النهائيين لسقوط آمال هذا القيصر نتيجة اعتماده على السلطان، والذي أدى بالتبعية إلى نفيه بعد التنحي من منصب الحُكم في عام 1918 إلى هولندا، ويصبح هذا المقال مختصر صداقة القيصر بالسلطان، التي أدت إلى سقوط شخص حالم اعتقد أن الدولة العثمانية ذات تاثير ثقافي وجيش قوي!

أما السلطان عبد الحميد الثاني كان منفيًا في سالونيك في اليونان، وتم تقسيم بقية الأراضي العثمانية، واقتسام الأراضي التركيا، وخضوع تركيا لسنوات من عدم الاستقرار والخضوع السياسي وحرب اليونان حتى اتفاقية لوزان عام 1922 على يد القوميين بقيادة مصطفى كمال أتاتورك.

وبين تلك الأحداث كانت هناك صداقة بين القيصر والصهاينة، والتي سيتم سردها في المقال القادم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك