يحدث أحيانا أن تحب شخصًا ما بصدق، وتحجز له حيزًا مهمًا في قلبك وتكنّ له تقديرًا واحترامًا كبيرين، وأنت تفعل ذلك ليس خوفًا ولا طمعًا ولا تقربًا ولا تزلفًا، وإنما لإيمانك واعتقادك أن هذا الإنسان يبادلك نفس الإحساس ونيته صافية معك، ويحمل صفات الصديق بكل ما للكلمة من معنى.

قد يحدث أيضًا أن يخطئ مرة  أو مرتين في حقك، ومن واجبك طبعًا أن تتجاوز له وتسامحه لأن الإنسان خطاء بطبعه، ولأن الإنسان عليه أن لا يرى النصف الفارغ من الكأس فقط. لكن عندما تتجاوز الأخطاء كل الحدود، وتكون أنت وحدك من يرى هذا الخطأ خطأ، وتكون الأوراق الصفراء التي تشهرها في وجهه لا مفعول لها مطلقا، ستتألم وتتوجع وأنت تراه يبتعد شيئا فشيئا عنك، وتجد نفسك في آخر المطاف مجبرًا على إشهار الورقة الحمراء في وجهه، وأنت تقول له من فضلك لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى. تتألم وأنت تراه ينسحب من قلبك بهدوء…

الصديق معدن صاف لا يتغير ولا يتلون كالحرباء. لا يضحك في وجهك ضحكة صفراء فاقعة، وينهش لحمك في غيابك ويفشي عيوبك ويقول ما ليس فيك،الصديق وفيّ يقدر قيمة الصداقة، ولا  يغير في الأصدقاء كما يغير جواربه كل صباح.

الصديق من لا يغدر بك. لا يتصيد هفواتك وأخطاءك ليسود سيرتك ويحفر لك حفرًا كي تقع  فيها ويتجمع عليك الناس ليقول لهم انظروا كم هو وضيع وقبيح، وليس بصديق من يخفي عنك عيوبك ومساوئك ليخبر بها غيرك. فالنقد كالألم بالنسبة للجسم يشعرك أن شيئا ما فيك لا يسير على ما يرام.

الصديق من صدَقَك لا من صدَّقَك(بتضعيف الدال) كما قيل… يقول لك الحقيقة كما هي، كاملة وغير مبتورة ولو كانت مزعجة ومقلقة وجارحة.

الصديق يتضامن معك ويتقاسم معك همومك ومشاغلك، يحس معك بالألم عندما تحس، ويفرح عندما تفرح، ويكون ملجأك الأول والأخير عندما تضيق بك الدنيا ويشتد بك الهم والغم. تهرع إليه ليحسسك بالدفء ويشعرك أن العالم لم ينته كما تعتقد، وأن حلول مشاكلك أقرب إليك مما تتصور.

الصداقة حب، والحب كنز لا يفنى. ومن يحب لا مساحة في قلبه للحقد والحسد. من يحبك لن يتسبب لك في سوء ولن يتشفى فيك وأنت  تفشل، ولن يضيق قلبه وهو يراك تحصد النجاح.

الصداقة تضحية وعطاء بلا حدود. ليست عطاء مشروطا بالأخذ… ليست مقايضة… الحدود الفاصلة بين الأنا والأنا الآخر تتلاشى، ويمتزج الاثنان في وحدة وتناغم فريد.

رغم مساوئه يبقى الفيسبوك مدرسة كبيرة تعلمنا منه الشيء الكثير. أغلب الناس في الفيسبوك جميلون ورائعون ومدهشون وكأن جواز السفر نحو هذا العالم الأزرق مشروط بالتخلي عن القبح وما هو سلبي فينا. لذلك نسمع مرارًا أن فلانًا إنسان رائع في الفيسبوك وهو غير ذلك تماما في الواقع. ما الذي يمنع انتقال هذا الإنسان المثالي من العالم الافتراضي إلى الواقع؟

يقال أن الناس معادن. منهم الرفيع النفيس النادر الذي يشبه الذهب في قيمته وندرته، وهم قلة. وهناك الوضيع الذي لا قيمة له، تمر بجانبه ولا تكترث بوجوده حتى. وبين الاثنين الكثير الكثير من الأنواع.

التشابه بين الإنسان والحيوان لا يقتصر على البيولوجيا، إذ أن الكثير من البشر يشبهون في صفاتهم وسلوكهم الحيوانات. من البشر من يشبه في شجاعته الأسد، وآخر في مكره الثعلب، وآخر يشبه القرد بحركاته البهلوانية، وآخرون يتصفون بالكسل وقلة الشجاعة ويلجؤون إلى سرقة جثث الآخرين تمامًا كالضباع. وقد يتحول الحيوان إلى معلم وملهم لنا نحن البشر كما هو شأن الكلب هاتشيكو الذي تحول إلى أسطورة ورمز للوفاء في اليابان. الكلب الشهير الذي كان يرافق صاحبه إلى محطة القطار، بقي وفيًّا لصاحبه – الذي توفي – لمدة عشر سنوات، وكان يحضر إلى المحطة يوميًّا إلى أن عثر عليه ميتًا سنة 1935.

 

كن صديقي… كم جميل لو بقينا أصدقاء… هكذا غنت ماجدة الرومي بصوتها العذب الساحر. نحن – معشر البشر – اجتماعيون بطبعنا، وحاجتنا إلى بعضنا البعض كحاجتنا إلى الطعام والشراب… والحياة بدون أصدقاء هي أشبه ما تكون بصحراء قاحلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحب, الصداقة
عرض التعليقات
تحميل المزيد