عندما كنت طفلًا صغيرًا، كانت أحد ألغاز أبي المفضلة هي «خـمسة ضفادع على قطعة خشبية قرر أربعة منها القفز، كم ضفدع تبقى؟» في المرة الأولى كانت إجابتي «ضفدع واحد متبق» لكن أبي قال «خطأ، المتبقي خـمسة ضفادع، لماذا؟! لأن هناك فرقًا بين اتـخاذ القرار وتنفيذه!!» تـلك القصة ذكرها الكاتب «جون سي ماكسويل» في كتابه «خـمسة عشـر قانونًا لا تُقدر بثـمن للنـمو» وهو يـحكي عن واقعنا الذي نعيشه حاليًا فالغالبية مننا يعيشون حياة «الضفادع» التي قررت ولم تنفذ، حـلمت لكن أجلت أحلامها إلى يومٍ جديد، والـخوف ألا يأتي ذلك اليوم فالقوانين الـحياتية تـخبرنا دائمًا بأنه « كلمـا ماطلت في أمر ينبـغي القيام به الآن، زادت احتـمـالية عدم القيام به أبدًا».

في عام 1959م سقط مدرس الآداب الإنـجليزية «أنتوني بريـجز» مغشيًا عليه في قاعة مـحاضراته بسلطنة «بروناي»، كانت تمـت أعارته من «بريطانيا» للتدريس بها قبل أربعة أعوام، واليوم تشـخيص الأطباء يضعه في قائـمة المصابين «بسرطان المـخ» لكنهم أخبروه أن الـمرض سيعطيه منحة للحياة لمدة «عام واحد» قبل أن يسلبه إياها، في اليوم التالي قرر «بريـجز» ترك وظيفته التي لم يكن يحبها على الإطلاق فقد كان يعشق «الموسيقى» وتمنى لو أصبـح موسيقارًا معروفًا لكن درجاته بمادة «الرياضيات» حالت دون أن يلتحق بدراستها في الجامعة، ولهذا قرر أن يسافر خلال عامه الأخيـر إلى «إيطاليا، ومالطة، وأمريكا» لتدوين روايات وأشعار موسيقية وسيـمفونيات للأوبرا وفي صباح كل يوم كان يعكف علي كتابة «ألف» كلمة جديدة لأعـمـاله وهو يعلـم جيدًا أن كل ما يؤلفه سيصبـح مدفونًا معه قريبًا، لكن تأتي المفاجأة بعد عام إذ كانت حالته الطبية خاطئة والغيبوبة التي سقط بسبها كانت بفعل داء «السكـري» وليس السرطان!! لمعت الدهشة في عين «بريـجز» وهو يسمع حديث طبيـبه المعالـج ومن ثمَ تـحولت إلى ضـحكات عالية وهو يقول «التشـخيص الخاطئ هو من أعطاني الأمل في تـحقيق أحلامي المؤجلة» وفي عام 1993م رحل «بريـجز» بعد أن قام بتأليف أحد عشـر رواية ومئات من القصص الساخرة والتي تـحولت بعضها إلى أفلام سينـمـائية أشهرها «البرتقالة المنتظـمة A clockwork orange » وأعتُبـر رمزًا للتـحدي والأمل في بريطانيا. قصة «بريجر» لأول وهلة تُعتبر قصة «رجل ضفدع» كان لديه قرار وهو تغييـر مساره المهني تمامًا وفعل ما يؤمن به ويـحلـم لكن قراراته دائمًا كانت مع وقف التنفيذ إلى أن حدثت المعادلة الصعبة.

يقول الموسيقار «بروس سبرنـجستين» (يأتي وقت تـحتاج فيه لأن تتوقف عن انتظار الرجل الذي تريد أن تُصبـح عليه، وتبدأ في أن تكون الرجل الذي تريده حقًا).

أذا سألت الناس متى ستقومون بما تودون القيام به؟! غالبًا ستكون الإجابة «يومًا ما» وأنا لا أعلـم ما السـر في عدم القيام به الآن؟! ربما مناطق الأمان أو ما نطلق عليها المنطقة الدافئة فالـجميع يـخشى المـجازفة، الموظف يـخشى ترك وظيفته ذات الراتب الشهري ليؤسس مشروعه الـخاص ويفشل، الطالب يقلق من تغيير مـجاله الدراسي الذي لا يـحبه ليذهب إلى مـجال دراسي آخر يـحبه ولا يـحقق فيه إنـجازًا مأمولًا، الـخوف من التـحول هو السبب الرئيسـي للبقاء في المنطقة الدافئة وسلوك الضفادع الذي تـحدث عنه كاتبنا يـحدد لماذا لم تقفز من الـخشبة ربما بسب الخوف من السقوط في الهاوية وذلك المنطق إن اتبعته في حياتك ربما تـخسـر وتفقدها دون هدف، في استطلاع للرأي على كـبار المديرين التنفيذييـن حول العالـم عن «ماذا لو عاد الزمان بهم إلى الوراء؟!» كانت إجابتهم دائمًا تدور حول البدء مبكرًا في التـخطيط، فـمعظمهم قد أضاع وقتًا كثيرًا قبل أن يعرف هدفه الـحقيقي أو يؤسس خطته الشخصية في الـحياة ولذلك عبارة برنارد شو التي قال فيها: «الـحياة ليست طويلة بما يكفي لنكرر نفس أخطاء المـاضي» تلخص لنا وجوب البدء الآن والاستفادة من تـجارب الآخرين.

كانت «سـحر هاشـمي» الإيرانية الأصل قد هاجرت إلى بريطانيا خلال سنوات الـحروب العراقية عـملت بالمـحاماة لكنها دائمًا كانت تبـحث عن الريادة وتـحقيق الذات ويبدو أنها وجدتها في كوب «القهوة» فقد استطاعت بمساعدة أخوها «بوبي» تأسيس سلسلة مقاهي «جـمهورية القهوة» خلال التسعينيات بعد قصة كفاح طويلة تستطيعوا قراءتها كاملة في الكتاب الشهير الذي يـحمل نفس العنوان، واختارها البريطانيون باعتبارها واحدة من أفضل مائة امرأة مؤثرة في القرن العشرين حتى أنهم قالوا «سـحر هي من أدخلت القهوة الأمريكية إلى بريطانيا» وكالعادة تقول سـحر أن تـحقيق الذات يتطلب مننا أن نؤمن بأنفسنا أولًا ونتخذ القرار بذلك وليس التـحدث بأفواهنا فقط تشاركها الجـملة الفنانة «ريذر ويذرسبون» عندما فازت بـجائزة الأوسكار عام 2006م عن أدائها في فيـلم «walk the line » فقالت في التـكريـم «جميـعنا نريد أن تكون حياتنا على قدر من الأهميـة سيكون ذلك صعبًا بدون أن نؤمن بأهميـتنا نـحن».

ما هي خـطة النـمو الشخصية الخاصة بك؟! توقف الآن عن اتباع سلوك الضفادع واتـخذ القرار الصحيح،تـخيل الآن أين تريد أن تكون «أكثر ثراءً، أكثر علمـًا، أكثر رشاقة وصـحة… إلخ» وقـم باتـخاذ الـخطوة الصحيـحة لكن عليك أن تتعامل مع قانونين:-

أولًا: الوعي: عليك أن تعي تمامًا ما ستفعله، لا تسيـر في خطوات عشوائية بل فكر جيدًا هل ما ستقوم به سواء سيؤدي إلى نـجاحك أم لا؟! لذلك دون على ورقة أهدافك وخططك كاملة وضع عنوانًا جذابًا مثل خطة «نـجم السموات»، «لـحن النصـر» وغيرها من العناوين التي تدفع الأدرينالين إلى جسدك بقوة، وتأكد أن كتابة أهدافك هي نصف الطريق، صادق الناس الذين يـحملون نفس أهدافك ورؤيتك في الـحياة، الفاشلون مـحاطون بأمثالهم وكذلك النـاجـحون.. وتأكد أن العالم سيرتب ذلك لا إراديًا.

ثانيًا: العمل وتـحمل المسئولية: لا يمـكن أن تتخذ قرارًا بالنـجاح وتتراجع عنه الأمر يُشبه أن تُذاكر طوال العام ولا تدخل الاختبار، لا يمكنك الفوز أبدًا دون أن تعـمل على أهدافك وخطوات بسيطة يوميًا تُقربك من حلـمك العظيـم فعليك تـحمل المسئولية تمامًا في تتبع كل فعل له علاقة بما تريده وبالمـجال الذي ترغب بتطويره وكتابة يومياتك قد تـجعلك أكثر وعيًا بذلك.

أخيرًا يقول السياسي «فرانك كلارك» ما الإنـجازات العظيـمة التي سنحققها لو كل شـخص قام بما يفترض أن يقوم به لا تكن «رجل الضفدع».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد