البداية الأولى للنّفس السّينمائي في تونس منذ التّاريخ

كانت بداية الحياة السينمائيّة في تونس مع إنشاء أولى قاعات لها ليرتادها الجميع هي التي أسّستها شركة أومنية باتيه في أكتوبر عام 1908 في قلب المدينة، وفي تاريخ عام 1881 بعد إعلان الحماية الفرنسيّة على تونس بادر الأخوين لوميار، وهما من أهم أولى صنّاع الأفلام بتصوير أحياء وشوارع مدينة تونس في ذلك الوقت التي كانت ولا زالت لها دلالات رمزيّة هامّة خاصّة لدى الفرنسيّين؛ إذ بدأ الرّائد التّونسي والمخرج ألبير شمامة شيكلي بتصوير فيلم وثائقي عن مدينة تونس عام 1908 عن طريق منطاد، حيث كانت من أجمل ما تمّ تصويره من الفضاء الذي يعتبر من أجمل زوايا التّصوير السينمائي في ذلك الوقت.

كانت فرنسا منذ تواجدها في تونس في تلك الحقبة الزّمنيّة تسعى إلى إنشاء قاعات سينمائيّة أين يمكنها بثّ أفلامها لجمهور معيّن من لديه حدّ أدنى من الثقافة لخلق روح الحوار والمناقشة حول ما يتمّ عرضه بالصّالات وكانت ترغب في ترسيخ عادة إنشاء أماكن أخرى بالبلاد حتّى تتمكّن من استقطاب الجمهور الذي تريده وتكبير فئة الجماهير أكثر فأكثر لمتابعة الإنتاجات الفرنسيّة والغربيّة فقط. وبعد حصول تونس على الاستقلال حافظ التّونسيّون على هاته العادة، حيث أدخلوا عليها إضافات أخرى من الأفلام المصريّة، فأنتجت تونس بعد الاستقلال أوّل فيلم تونسي طويل الفجر للمخرج عمار الخليفي، وذلك عام 1966 حيث تمثّلت أحداث هذا العمل بالسّنوات الأخير للحماية الفرنسيّة، وكانت تروي قصّة ثلاثة شبّان من طبقات مختلفة، والذين كانت لديهم التزامات تجاه القضيّة الثوريّة بإلتحاق مصطفى وهو من عامل وينتمي إلى الطّبقة الشعبيّة، حيث ألقي عليه القبض وتمّ إعدامه وهادي، وهو شاب برجوازي من احتضن هاته القضيّة…

من جانب الأفلام القصيرة، وفي عام 1922، تمّ تصوير فيلم زُهْرَة من إخراج ألبير شيكلي وهو من الأفلام الخياليّة ويتبعه أوّل فيلم طويل بعنوان مجنون القيروان للمخرج جان ٱندريه كروزي، وهو عمل من 1937، وهما الإنتاجات التي أتت في فترة الاحتلال الفرنسي التونسي آنذاك.

ولادة مهرجان أيّام قرطاج السّينمائيّة

وفي عام 1966 بادر السّينمائي التّونسي الطّاهر شريعة بتأسيس مهرجان يحتفي بما خلّدته السينما التّونسيّة من أعمال بما فيها الأجنبيّة التي كانت سبّاقة في عروضها الأجنبيّة وهو أيّام قرطاج السّينمائيّة الذي يعتبر من أقدم المهرجانات في هذا المجال في دول الجنوب الذي يشرف عليه أقطاب هامّة ومختصّة كوزارة الثقافة ومختصّين في الفنّ السّابع

إذ تحتوي أيّام قرطاج السّينمائية على قسمين من الجوائز منها التانيت الذهبي، الفضّي والبرونزي والجوائز الرّسميّة الأخرى والّتي وتتمثّل في جائزة أفضل سيناريو فيلم طويل مشارك في المسابقة الرسمية، جائزة أفضل أداء لدور نسائي، جائزة أفضل أداء لدور رجالي، جائزة أفضل موسيقى مبتكرة، جائزة أفضل تصوير وجائزة أفضل تركيب.

نقد

شهد مهرجان أيّام قرطاج السّينمائيّة في السّنوات الأخيرة، أيّ تحديدًا دورتا عام 2016 و2017، الّلتان قمت شخصيًّا بتغطيتهما عن قرب، اضطرابا داخليًّا كان يجب إلزاميّا تفاديه وعدم المواصلة فيه حفاظا على عراقة هذا المحفل السّنوي وتاريخه المجيد في ولادة سينما بالأساس، إلّا أنّه أحيانًا ندخل في مهاترات تخرج بنا عن أهمّية الموضوع في حدّ ذاته… نعلم أن تونس ليست بلد صانع أو منتج بقدر الكفاية للمادّة السّينمائيّة من الصّنف الطويل، وأنّها غالبًا ما تعوّل على الأفلام القصيرة؛ لأنّها لا تكلّف كثيرًا من المال في مقابل الأشرطة الطويلة التي لا تقدر عليها الدّولة بما يسمح لها تغطية تكاليف إنتاج عدّة أفلام في السنة.

ومع ذلك غالبًا ما لاحظت في جودة ضيوف الدّورتين الماضيتين غيابًا جزئيًا، إن لم أقل أكثر من ذلك بقليل في محترفي المجال من ممثلين أو مخرجين سينمائيين وما شابه، عدى توجيه دعوات لشخصيات لا علاقة لها بالفنّ السّابق من قريب أو بعيد، إلّا أن هاته الفئة من الحضور امتلكت شهرة من لا شيء وجعلت بعضهم الآخر وجوه معروفة في ظرف وجيز لحضورهم برامج تلفزيونيّة كنقّاد وهم أيضًا ليسوا أصلًا بنقّاد والأسماء عديدة. وبالتّالي رؤية أصحاب المجال في مثل هاته المناسبات قد تزيد من توسيع حلقة معارفهم وأعمالهم بين ظيوف المهرجان من مختلف أصقاع العالم وجلب اهتمام الإعلام لهم من جميع الجوانب للتّحليق بمبدعي سينما قرطاج نحو العالميّة بولادة نجوم عدّة أخرى على غرار ظافر العابدين، درّة زرّوق، هند صبري… إلخ.

تونس ضمن الدّورة الثانية لمهرجان الجونة السّينمائي

لئن تعدّ تونس من البلدان قليلة الإنتاج في المجال السينمائي، إلّا ورغم هذا تزخر بطاقات فنّية رائعة وأسماء لامعة للأسف خارج أرض الوطن. فضمن مهرجان الجونة السّينمائي الذي ينتظم بمصر في دورته الثانية من 20 إلى 28 سبتمبر (أيلول) 2018 كما هو الموعد الذي حدّدته هيئة المهرجان المتمثلة في مؤسسها السيّد نجيب ساويرس وبإدارة إنتشال التّميمي، قرطاج تسجّل حضورها في هذا المحفل البهيج بالمنتجع السّياحي الجونة بمدينة الغدقة على ساحل البحر الأحمر بأهمّ منتجي الأفلام السينمائية حتّى على الصّعيد العالمي.

إذ يتشرّف مهرجان الجونة بموافقة بعض المجموعات المتميّزة من الشخصيات السينمائية الاستثنائية وقبولها عضوية اللجنة الاستشارية الدولية حتى قبل عقد الدورة الدّولى للمهرجان، وتتمثل من الجانب التّونسي في رجل الأعمال والمنتج السّينمائي التّونسي طارق بن عمّار والممثّلة والنّجمة التّونسيّة المتألّقة في مصر هند صبري. وفي ما يخصّ جائزة الإبداع السنمائي فتؤول إلى المنتجة التّونسية درّة بوشوشة والمخرج المصري داود عبد الستار فيما سيتم الإعلان عن الاسم الثالث في الإبّان.

تؤكّد تونس حضورها بمهرجان الجونة لهذا العام في مسابقة الأفلام الرّوائيّة الطّويلة بعمل ولدي من إخراج محمد بن عطيّة وهو فيلمه الثاني بعد نحبك هادي الحاصل على العديد الجوائز الهامّة، وفي مايخصّ الأفلام القصيرة نجد فيلم بطيخ الشّيخ لكوثر بن هنيّة الذي يدوم قرابة 23 دقيقة، وفيلم الهديّة للطيفة دوغري مدّته 20 دقيقة قد يكون من الأفلام المهمّة؛ لكونه يتحدّث عن إحدى المواضيع الإجتماعيّة الحسّاسة بالوطن العربي.

المنتج السّينمائي طارق بن عمّار يعود من بعيد لتصوير فيلم تاريخي عن تونس

وفي ذات المناسبة، من خلال تصريح صحافي أكّد المنتج العالمي طارق بن عمّار على أن تكون له عودة قريبًا لمساندة بلاده في إنتاج وتصوير أعمال سينمائية من الحجم الكبير بتحقيق حلمه الذي لا أدري لم يبدو جيء به متأخّرًا، رغم الإمكانيات التي كانت متاحة تقريبًا في السّنوات الماضية، لكن في كلتا الحالات يصمّم هو الٱخر في إنجاز سلسلة عن تاريخ الأتراك وفيلم تاريخي ضخم يحاكي تونس عبر الزّمن. يستبعد بذلك بن عمّار في سياق حديثه بأن مخرج العمل لن يكون تونسيًّا؛ ممّا يثير هذا غموضًا حول رؤية المخرج الذي صرّح على جنسيّته التي ستكون أمريكيّة بالأساس حول تاريخنا التّونسي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد