أسرع ملخص لحياتي أني درست شيئًا، وعملت بشيء، وأحببت شيئًا آخر. درست صحافة، وعملت مدرسة، وأحببت المطبخ وصنع الحلويات. أما البيع فيقع في الخانة الثانية. تجربة العمل بائعة تجربة مميزة وضعني الله بها لأدرك أن كل شيء كرهته كان كل الخير فيه.

15 يومًا و120 ساعة تلك هي مدة عملي  بائعة فوانيس في محل إحدى صديقاتي في الموسم الرمضاني. يبدأ يومي في الثانية عشر ظهرًا، وينتهي في العاشرة مساءً عدا رمضان بعد الإفطار. مهمتي هي البيع وتنظيف وترتيب الفوانيس.

أول يوم كان الأثقل على قلبي مع شخصية فاشلة في التعامل مع البشر، تفضل الهدوء وتؤثر السلامة، وتخجل من التحدث مع الغرباء. أعمل في مهنة يملؤها الصخب وتحتاج إلى اللسان المعسول، وتحمل البشر.

في البيع الأسلوب هو الحل. فالمعاملة الحسنة إضافة إلى الابتسامة هي التي تكسبك زبائن. فعبارات مثل «من غير فلوس خالص، خليها علينا، كفاية أنه شوفناك…» كفيلة أن تسعد الزبائن حتى وإن لم يشتروا في وقتها، فالبعض يعود في اليوم التالي للشراء لمجرد أنك تحملته وكنت بشوشًا في وجهه.

يعمل معي طفلان «محمد – أحمد» لا يتجاوز عمرهما 15 عامًا من أبناء الصعيد كغيرهما من الأطفال يأتون للعمل في الموسم الرمضاني، ثم يعودون إلى بلادهم. ماهرون في كل شيء، يقومون بالبيع وتصليح الكهرباء وتصليح الألعاب وخياطة زينة رمضان.

صاحبة العمل هي السيدة «ماجدة»، توحي ملامحها بالشدة والانضباط، ويظهر عليها علامات الإرهاق والتعب. سيدة لم أرى في كرمها وسخائها، تقوم بتحضير وجبة الغذاء شبه يوميًّا، وتضع لنا بنفسها في الأطباق. وفي موقف لا يمكن أن أنساه عندما حضر الغذاء فنادتها ابنتها لتأكل فكان جوابها «هي أروى كلت؟». بالأمس أيضًا علمت أنني لم أفطر جيدًا فكانت طوال الوقت تفكر وقالت لي بطيبة الأم: «أجبلك كوسة ورز طب ملوخية ورز طب فيه جبن».

ورغم كم الخسائر الذي تتعرض له السيدة ماجدة نتيجة كسر الفوانيس أحيانًا، أو أخطائنا في السعر أحيانًا أخرى، إلا أنها تحاول أن تتجاوز «وتعديها لنا».

«إعلام وبتشتغلي بياعة فوانيس!» تلك الجملة التي سمعتها في أول يوم عمل من إحدى الزبائن ممزوجة بعلامات دهشة وحسرة من السيدة، صاحبها ابتسامة وسكوت من جانبي. أذكر أيضًا إحدى صديقاتي عندما رأتني في المحل وسألتني ماذا أفعل هنا؛ فقلت لها أني أعمل، فكان ردها صدمة وتراجعًا، وقالت غير مصدقة «بجد»؛ فأجبت بنعم، فقالت وهي بالكاد تبتلع ريقها: «أحسن من القعدة».

إذا أردت أن تفهم الناس يجب أن تكون بينهم أو قريبًا منهم. فالمجتمع المصري الكثير منه قائم على الشكليات، وقليل الصبر، فالبعض طلب مني أكثر من مهمة في ذات الوقت مع تحميلي الأضرار الناجمة عن انتظارهم. والبعض اعتاد على الشك والتردد حتى وإن رأت عينه الحقيقة. أذكر تلك السيدة التي عادت لإرجاع فانوس كنت قد بعته لها، وأصرت أني بعته لها وهو لا يعمل، رغم أني «جربته أمامها وغيرت لها عدة فوانيس» رفضنا أن نرجعه لها فرحلت بعد أن أمطرتنا بدعوات و«حسبنة».

الصدمة من غلاء الأسعار هي القاسم المشترك بين معظم الزبائن باختلاف طبقاتهم، في عام يعتبره الشعب المصري الأكثر قحطًا عليهم، ولكن الجميل أن الكل هدفه إدخال السرور على قلب الآخر ولو بالشيء اليسير. رأيت سيدة تشتري فانوسًا لابن حارس العمارة، وصديقة تهادي صديقاتها بفوانيس، ورجالًا يشترون لزوجاتهم، وجدات يشترين لأحفادهن.

أخيرًا ربما البيع مهنة لم تكن في حسباني مطلقًا، ولكني أحمد الله عليها لأنها علمتني ما لم أتعلمه في سنوات عمري كلها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد