في كتابه المهم “سيماء المرأة في الإسلام“ نوَه الشيخ فريد الأنصاري إلى مشكلة عميقة جدا في واقعنا المعاصر وهي عمل المرأة وطموحها الخاص وما يتعلق بتحريرها وحقوقها وإنجازاتها الشخصية، وغير ذلك من عناوين براقة  اكتست أحيانا غلالة شفافة لها صبغة إسلامية باهتة…

أورد الشيخ الجليل وجهة نظر أستاذنا المسيري – رحمهما الله وغفر لهما – والتي يرى فيها أن حركة التمركز حول الأنثى في عالمنا الحالي ما هي إلا نتيجة منطقية للرؤية العلمانية المادية التي تحاول فرض نفسها على العالم كله كأنها ديانة جديدة دون التفات إلى أي خصوصيات ثقافية وحضارية تختلف من بلد لآخر…

ملخص وجهة نظر الدكتور المسيري هو أن القوى الاستعمارية الغربية اكتشفت أن المواجهات العسكرية صارت بالغة التكاليف ولم تعد تتناسب مع دعوات الغرب المستمرة بشأن حقوق الإنسان وغير ذلك من الإكليشيهات، ومن ثمَ فقد عملت هذه القوى على تفكيك المجتمعات الإسلامية “وغيرها“ من الداخل، ولأن الأسرة هي الكيان الوسيط المهم المتبقي كحائط صد أخير ضد السيطرة المادية الكاملة على الإنسان؛ فقد جهدوا في تدميرها عن طريق تغذية الطموحات الشخصية الفردية لكل عضو فيها خاصة الأم…

لقد تغلغلت المفاهيم الغربية المتعلقة بعمل المرأة – والإنسان بشكل عام – كمحدد نهائي لقيمته في المجتمع دون اعتبار لأي قيم أخرى، والعمل هاهنا هو العمل المادي المنتج الذي يُتقاضى عنه أجر بحيث صار عمل المرأة في بيتها من أجل راحة زوجها وتربية أبنائها – كونه بلا أجر – لا قيمة له ولا أهمية لدرجة أن المرأة التي تفرغت لبيتها تجيب على سؤال ماذا تعمل بأنها لا تعمل…

إن الرؤية العلمانية المادية الشاملة تنتزع المرأة من إطارها الأسري المتراحم – كونها زوجة وابنة وأختا – وتجعلها امرأة وحيدة في مواجهة رجل طاغٍ مسيطر تزاحمه وتنتزع حقوقها منه وتطمح في إنجازات مادية – قد تكون علمية أو دينية حتى – تتفوق عليه فيها وتثبت له أنها الأفضل والأقوى، لتصير منساقة أبدا في هذه الحلقة المفرغة المهلكة التي لا تستطيع التحكم بها ولا السيطرة عليها.

وبعد…

فحين يصير عمل المرأة في المجتمع هو الإطار الوحيد الذي يُقاس من خلاله نجاحها، فإن بناتنا ونساءنا الفاضلات – وعلى اختلاف ثقافاتهن ومستويات تعليمهن ودرجات تدينهن – يَنْسَقْنَ في هذا التيار دون وعي كامل بفداحة الخسائر المحتملة، بل ويتسلحنَ بمحاولات تبرير ودفاع وهمية تتلبس أحيانا بمفاهيم إسلامية مشرقة فتلوي عنقها وتخضعها لهذه المفاهيم الغربية التي تغلغلت في عمق وجداننا وشكّلت أفكارنا وصاغت أحلامنا كأنها المسلَّمات التي لا تقبل طعنًا ولا نقضًا…

إن وقوع المرأة – خاصة المسلمة – تحت نَير ظلمات ثلاث متمثلة في: همها الاجتماعي الخاص كامرأة، القهر المجتمعي العام كمواطنة في دولة مستبدة، الانسحاق تحت الرؤية المادية العالمية؛ يجعل دعوات مساواتها بالرجل محض هراء يلهيها عن همومها الحقيقة وأزماتها الخانقة التي تبدو – حتى الآن – بلا حلول.

الخلاصة – كما أراها – أن “النساء شقائق الرجال“، وهذه اللفظة “شقائق“ تعني لغويا النظائر والأمثال، وهو ما يتضح في أصل النشأة “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء“، ووحدة المصير “واتقوا يومًا ترجعون فيه إلى الله ثمَّ توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون“، وعمومية التكليف “من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة“.. لكن اللفظ معنويا – وكما يتضح في تداوله بمعنى الأخ – محمَّل بمعاني التراحم والتعاطف والتكامل، وهذا هو جوهر العلاقة بين الرجل والمرأة كما يجب أن تكون بعيدًا عن مظاهر العلاقات التعاقدية البغيضة والتي تزكي تنافسًا أحمق لا داعي له…

إن التوازن بين ما يشترك فيه كل من الرجل والمرأة وبين ما يختلفان فيه ويميز كل منهما – دون تغافل عن أي منهما – لهو السبيل المضمون لإنقاذنا من مصير بائس وحيد على اختلاف الطرق: قهر المرأة وسحقها تحت وطأة حياة مادية تقتل فيها أجمل ما خُلقت له؛ الرحمة والمودة والسكن.

** المراجع:

1- سيماء المرأة في الإسلام، فريد الأنصاري.

2- العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة، عبد الوهاب المسيري.

** الهوامش:

1- حديث صحيح.

2- سورة النساء آية 1

3- سورة البقرة آية 280

4- سورة النحل آية 97

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد