اجتياح المغول للأراضي الإسلامية والعربية، واجتياح الغرب للشرق تحت مسمى الحروب الصليبية، والمئات من الحرو،ب والعديد من الأعداء والمتخاذلين معهم من العربان للحفاظ على نفوذهم، لكن الجميع زال وبقي الشرق صامدًا، ينتقل من قوة حاكمة إلى أخرى، إلى أن تمت السيطرة العثمانية.

في هذه المرحلة كان سقوط الأندلس مدويًّا، هز العالم الإسلامي، وتشريد المسلمين بعد قرون من الحكم، لكن البداية الاستعمارية الجديدة كانت تبدأ، أبحر فاسكو دي جاما باحثًا عن طريق جديد إلى الهند، حتى وصل إلى مبتغاه بعد أعوام من البحث والإبحار وأعمال القرصنة بحق السكان الأفريقيين، والتجار المسلمين، في المحيط الهندي، كما أبحر الإسباني كولومبوس باتجاه الهند لكن باتجاه مختلف، حتى وصل إلى العالم الجديد، وكانت الرحلات تنطلق بمباركة البابا ويأمرهم بوضع الصليب على الأعلام للتيمن بالحروب الصليبية.

عاث هؤلاء البحارة من الإسبان والبرتغاليين فسادًا في البلدان التي مروا بها أو التي وصلوا إليها، وكان ملوكهم يقلدونهم بأسمى الأوسمة، نتيجة ذلك تغير خط التجارة عن المشرق، وانهارت ممالك، وسيطر العثمانيون من المحيط إلى الخليج، لكن الدول الاستعمارية الجديدة كانت تغزو العالم الأبعد عن السلطنة؛ فقد احتلت أفريقيا وآسيا وأمريكا الجديدة، ومع الاكتشافات والنهضة التي شهدتها أوروبا وبحثها عن أراض جديدة للغزو والاستيلاء بمباركة صليبية، انطلقت نحو العالم، فتوجه نابليون لغزو الشرق، وكانت إنجلترا تقيم المستعمرات في العالم الجديد، وكذلك بقية الدول الأوروبية، لم تنجح حملات نابليون وعاد أدراجه، لكنه فتح أعين الإنجليز على الشرق، وما هي إلا سنوات حتى سقطت الجزائر بيد الفرنسيين لمنع المسلمين من التفكير بالأندلس، الذي كان هاجس أوروبا على مر السنين، وكان حلم الباباوات السيطرة على حوض المتوسط، وجعله مسيحيًّا بامتياز؛ لكي تبقى القارة الأوروبية آمنة من الأخطار.

تقاسمت الدول الأوربية ما بقي من العالم، حتى وصل الأمر بينها إلى الحروب على مناطق السيطرة، كما كان الحال بين فرنسا وإنجلترا؛ فقد أرادت فرنسا أن تربط بين غرب أفريقيا وشرقها، وإنجلترا بين شمالها وجنوبها، وأوشكت الدولتان على الاصطدام فيما عرف بحادثة فاشودا، نسبة للمنطقة التي وقع الخلاف فيها، فيما كانت الدولة العثمانية مشغولة بالاقتتال الداخلي، وكان هناك فورة في العالم شملت جميع نواحي الحياة.

ومع كل هذه الحملات كان هناك دائمًا من يرافق هذه الحملات للاكتشاف والتقصي عن أحوال البلدان، فيما يعرف عندنا بالمستشرقين، الذين كان لهم الفضل الأكبر للسياسيين والقادة العسكريين الغربيين، في تفتيت العالم ورسم خرائطه على أساس ما وجده وحققه هؤلاء المستشرقون، ومنهم كانت نقطة البداية للتقسيم والسيطرة، وإذا بحثت اليوم في كبرى مكتباتهم ستجد أدق تفاصيل الحياة لمنطقة ما من العالم، هكذا الاستعمار القديم عمد إلى دراسة الواقع للمناطق، وفرق بين الجيران؛ فسهلت له السيطرة.

أزاحت الحرب العالمية القوى الاستعمارية القديمة بعد أن أنهكتها الحروب، لكنها لم تترك مستعمراتها، بل عينت مستعمرًا لها بالوكالة من أفراد البلد، وأعطت لهذه البلدان استقلالًا على الحدود التي رسمتها، فمتى كان في جزيرة العرب سبع دول، ومتى كان في بلاد الشام أربع دول، هذا الاستعمار كالسرطان لا يترك جزءًا متحدًا، كما فتت الخلافة العثمانية، حتى داخل أوروبا فتت الكثير من القوميات، وأشعل النيران فيما بينها؛ لكي يتمكن من السيطرة والاستغلال ونهب الثروات، فالاستعمار لن يتوقف عند حد معينأ سيبتلع حتى أصدقائه إذا لزم الأمر، فمتى نصحو وننظر حولنا ونفهم أن هؤلاء لن ينسوا حطين، وأنهم مستمرون في هدم حضارتنا، ونعلم كم هم خائفون من نهضتنا؛ فهذا الذي يسعون إليه بكل أجنداتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد