أنة وعويل سكان مدينة الحسيمة ينتقلان إلى سكان مدينة جرادة. حادثة «ضحايا الفحم» كانت باعثًا لتآلف قلوب اجترحتها المنية. لم يمنعهم السهاد من إيقاف احتجاجهم ليلًا، ولم تحبطهم أنباء ولوج قوات التدخل السريع للمدينة، فالحزن يستنبت فيهم صلابة وشدة، راغبين مواصلة مسير سلمي حفاظًا على كرامة أذبلها الأعيان.

محركا الاحتجاج الآن تحت أرض جرادة الطافحة. جسدان باليان دفعتهما الفاقة للعمل في ظروف مستعصية، يهددهما الموت والمرض في كل لحظة أثناء العمل. تركا خلفهما أمًا ثكلى، ينخرها القنوط واليأس على ما جرى. إنهما مجرد مثالين فقط لحالة شباب المنطقة. يمارس «مهنة» التنقيب عن الفحم الحجري في أحلك الظروف، عوض الاسترحام ومد اليد.

إن بلوغ الكوثر الدنيوي ليس يسيرًا، خاصة في دول لم تعرف بعد سبيلًا نحو الديمقراطية الحلم والتوزيع العادل للثروات. لا نزال عالقين في حفرة ضيقة تمزق أنفاسنا وتمنع هواء العيش الكريم عن شريحة واسعة من سكان هذا الوطن. نرصع مدننا الكبرى بالمباني الشاهقة والعمارات، والأسواق الكبرى حيث يضخ المواطن العادي وهو مشدوه كل ما يملك لشراء المنتوجات. ونرشق باقي المناطق بالإهمال، ونستوعر إصلاحها وتضميد بعض من جراحها.

قلمي يكتب اليوم بصوت متهدج حزين، بلا خوف ولا وجل من كواسر الليل. ينتظر انقشاع الغيوم لتظهر حقيقة غابرة خلفها. حقيقة نغمض عنها أعيننا عن قصد ورفضًا للواقع. إن مستقبل المغرب على حافة الاندحار لو استمرت حياة الضنك والخصاص في القرى والمداشر وأغلب مدن الوطن. تغييب مقاربة اقتصادية عن جل المناطق سيكون سببًا في انسحاق الوطن. وسيسرع في تهاوي نفوس سكان المغرب العميق، المغرب الحقيقي.

لطالما كانت مطالب سكان المناطق المهمشة مضمرة في كيانهم، وحين يفصحون عنها تنزل عليهم التهم من كل حدب وصوب من سكان المدن الراقية بينما هم من كل هذه التهم بُرَآء. لم يعد هناك تضارع في المواقف بين سكان المغرب العميق كالحسيمة وجرادة وبين سكان المغرب الحديث كالرباط والدار البيضاء، هوة عرضها ما بين السماء والأرض محت كل الصلات والترابطات. كما لو أن القصد أن لنا مشاكلنا ولكم مشاكلكم.

لعل هذا مرده غياب المنتخبين عن هذه المناطق. بمجرد انتخابهم وفوزهم بأحد المقاعد البرلمانية، أو مقاعد جني الثروة، وحين تمتلئ الراحتين بالنقود يفضلون الاستقرار بإحدى المدن الساحلية الهادئة، يبدو أن فترة التقاعد حلت. هذا الغياب يجعلهم يصيخون عن تعهداتهم ويتبعون أهواءهم، فتشل المرافق وتسير باقي المشاريع متمهلة. حتى يأخذ الموت أحدهم أو إحداهن، فينتفض السكان ويخرجون عن صمت يفتك بهم، لتحل السلطات بالمكان، وترمي بالكلام شذر مذر على مسامع المعنيين.

بوفاة ضحايا جرادة ستصعب بلسمة الجراح الغائرة. فسكان هذه المدينة كما مدينة الحسيمة التهب صدغهم من الحنق. فالوعود التنميقية محفوفة بأجنحة سرعان ما تنكسر، ويعرى الواقع من جديد. وتنزيل مقتضيات مقاربة اجتماعية واقتصادية بالمنطقة وباقي المناطق المهمشة، سيقلل من الفوارق المجتمعية الهائلة بالمغرب بعيدًا عن الشقاق والصراع كما حدث في مدينة الحسيمة.

لا لتكرار أحداث الحسيمة بجرادة. ولا لإيذاع البؤس في قلوب سكان استرحمت أن ننظر إليها بعطف واستجابة لا غير. ونعم لمحاسبة كل مسؤول عن فعلته في ضياع حقوق السكان وتعطيل مآربهم. تصرفات السياسيين وإهمالهم للأوضاع الاجتماعية وعدم اكتراثهم يكرس لهمود السياسة والسياسيين في البلاد. لا تباشير في الأفق على تخليق الحقل السياسي وإخراجه من المستنقع الراكد. لكن كم سنتتظر حتى يستيقظ ضمير السياسيين؟

حتى ذلك الوقت، ارفعوا أكف الضراعة لله كي يغفر لضحايا جرادة، ويحمي هذا الوطن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد