كم حلمنا بالحرية التي لم نذق طعمها منذ أن ولدنا لكن ما إن شعرنا بحلاوة طعمها حتى أتى من يريد إرجاعنا لأيام الأسد

لم نعد ثوارًا حقيقيين، نعمل يدًا واحدة في سبيل الخلاص من نظام قمعي، ولذلك انطفأ وهج الثورة، وضعف إقبال الناس على التضحية، وعلى بذل جميع القدرات في سبيل نجاحها.

كنا ننظر إلى بعضنا كإخوة متحابين، من يعتدِ على متظاهر فكأنما اعتدى على الثورة بأكملها. وكان العمل الثوري يوحّد الجميع، فالهدف واحد، والعدو واحد، وما خرجنا من أجله، هو الظلم الذي يُمارس على الشعب من قبل النظام، والشبيحة، والعائلة الحاكمة، وطائفته الذين كان يعتبرون أنفسهم أسياد البلد، وبقية الناس من الدرجة الثانية، وأن سوريا مزرعة للأسد، ومن يطالب بالحرية إنما يشق عصا الطاعة وخائن لبلده؛ لأنها كما ربّونا لسنوات، من خلال طلائع البعث، وشبيبة الثورة، واتحاد الطلبة، وحزب البعث، باختصار (سوريا الأسد).

بعد تحرير مساحات واسعة من الأراضي، وتسلم عدد من أبناء الثورة للقيادة في القطاعات العسكرية، والإغاثية، والإعلامية، لم يكن الوضع بأفضل حال من مزرعة الأسد، فكل قائد، أو رئيس منظمة، أو صاحب وكالة إعلامية، كشف عن أسد صغير بداخله، فقادة التشكيلات، والفصائل العسكرية، ليسوا سوى ضباط أمن، يسعى العناصر لخدمتهم، وطاعتهم، وتنفيذ أوامرهم، ويزجون بالعناصر المغلوب على أمرهم في معارك ليست ضد النظام، بل ضد فصائل أخرى يكون أسبابها في الغالب توسيع مساحة المزرعة، أو اعتداء الطرف الآخر على هذه المزرعة، أما مسؤولو الإغاثة، فحالهم ليس بأفضل؛ فمن يمدحهم ويأتمر بإمرتهم تنهال عليه السلال الإغاثية، ويُقرّب ويُشغّل، ولو كان من عناصر النظام وشبيحته، لطالما أنه يبدي الولاء للرئيس، ويذود عنه في صفحات التواصل الاجتماعي، أما من ينتقد، أويكشف الألاعيب، وسرقات المنظمات، فهو عميل للنظام، مدسوس بين الثوار؛ لتشويه الصورة المشرقة، والأبشع من هذا كله، ابتزاز بعض مسؤولي المنظمات، والقائمين على الإغاثة، نساءَ الشهداء، فإما أن تبيع جسدها أو هي لا تستحق هذه السلة من هذه المنظمة التي ما كانت لتكون لولا تضحيات زوجها ورفاقه ممن حملوا السلاح ضد النظام أو رفضوا الجلوس في مناطقه حلمًا بواقع أفضل لأبنائهم الذين باتوا اليوم يترحمون على أيام الأفرع الأمنية وبيروقراطية المؤسسات وتفشي الرشاوي فيها.

في الإعلام، ليس الأمر أفضل بكثير، فمن يقُمْ، ويستلم الشبكات، والقنوات الثورية، يجعل من هذه المؤسسة، مملكة صغيرة له، يفعل بها ما يحلو له، يشغل من يواليه، ويمدحه، ويؤيد قراراته، ومن لا يفعل ذلك، فليس له مكان في مقاعد إعلاميي الثورة. ليس المهم أن تكون ثوريًا وتسعى لإصلاح الأمور من خلال نافذتك الإعلامية، ولكنّ المهم أن تأتمر بإمرة رئيس المؤسسة، وعندها ستقرّب وتكافأ، ولو كنت شبيحًا وقلمك يخط ضد الثورة فليس المهم الإنتاج وأن تكون مساندًا للثوار على الأرض، وإنما أن تكسب ثقة رئيس العمل من خلال تأييده بالشعارات الرنانة والضحكات عالية الصوت عند كل مزحة مملة يلقيها على مسامعك لتكسب خيرًا كثيرًا من وراء هذا التملق.

عندماخرجنا ضد الأسد، ظننا أن الظلم كله في هذا النظام، وأنه لا يمكن أن يأتي ظالم مثله. وإن نجحث الثورة، وأتى شخص من بيننا ليحكم، فسيكون أفضل من بشار وزمرته، لكن تبين أن الظلم واحد وأن تربية حزب البعث متجذرة في نفوس الكثيرين، وأن المال والسلطة، وإن لم تكن كبيرة، قد تغيّر النفوس، حيث أصبح كل منا بعد توليه المنصبَ أسدًا صغيرًا على حجمه، مستعدًا لقتل وإيذاء كل من تسول له نفسه، الاقتراب من مزرعته الصغيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد