في سبيل الحصول على حياة أفضل، أو البحث عن حياة جديرة بالحياة، أو على الأقل حياة بسيطة تحظى فيها بحقوقك العادية من مسكن وزوجة ومصدر للرزق تقتات منه، يسلك الإنسان كل طرق الرزق بجميع أشكالها وطرقها، ودائمًا ما يكون الطريق الأسرع وصولًا هو الأفضل، لذلك كان طريق الغربة هو المنشود لهذه الحياة، والحديث عن الغربة هو درب سلكه كثيرون، ساروا في طريق واحد واختلفوا في وصف معالمه من وقت لآخر، ولكنهم اتفقوا في رأيهم على أوجاعه ومشاقه.

الغربة هي أرزاق موضوعة فوق أشواك، يجنيها المغترب حافي القدمين، وللطريق ثمن لا بد أن تؤدي حقه عليك، لهذا لا تتعجب حينما يُطلب منك خلع حذائك في المطار، ذلك الذي لا تتذكر متى انتعلته، وبغض النظر عن كونه باليًا، تشعر وكأنك ولدت بهذا الحذاء، لا يختلف بؤسه كثيرًا عنك، لقد تشابهت أوجاعكم، إن كنت تعاني فهو الآخر يعاني أكثر منك، ترى فيه آثار الزمان التي تذكرك بضعفك، باهت هو لم تعد تذكر لونه، كذلك أنت باهت ذهبت الدماء من جسدك، ولا تدري متى وأين ذهب.

إن الإنسان لا يرى إلا ما يريد أن يراه، يتجاهل كل ما يُزعجه أو ما يُحيده عن فكرة استحسنها في عقله أو راقت له، يضع كل المبررات التي تعزز فكرته ويجعل منها أسانيد يتكئ عليها، ولا يكتفي بذلك فحسب بينما يرسم الحلم ويبدأ العيش فيه.

إن العقلية التي تصبو إلى الغربة تكون في المهد تحبو، لقد رأت مغتربًا رجع للتو إلى أحضان موطنه، وقرر ألا يغادره مره أخرى، لقد أعجبها الثوب الذي يرتديه، بعدما أبدت سخطها على ملابسها القديمة، وشعرت بالهدوء حينما تذوقت أنفها رائحة العطر التي داعبت روحها، وتذكرت حينها عرقها فامتعضت أمعاؤها، ولاحظت الدم الذي يملأ أصداغه، ولم تشعر بشيء حينها لأنها تعاني الأنيميا منذ صغرها، وتمنت أن تمتلك بيتًا مثل الذي اشتراه، وأن تخرج من شق البرص الذي تسكن فيه بالإيجار، كما رأته يفتتح مشروعه الخاص ذلك الذي كان حلمًا لها في الماضي بعدما تبخر مع غلاء الأسعار.

لا شك أنها حياة جميلة، ومن لا يأمل مثلها فهو إنسان غير طبيعي وغريب في أوساطنا، وهذا هو الجانب المشرق على حد الفهم لكل عقل يحلم بمثل هذه الحياة، وكما قلت إنه ما زال في المهد يحبو، رأى الشروق والنهار وتناسى الغروب والليالي المظلمة، رأى جانبًا واحدًا في حياة هذا المغترب وتغاضى عن أمور كثيرة، رفض عقله الذهاب إليها خوفًا من هدم الفكرة التي ملأ بها عقله، وذلك الحلم الذي بدأ العيش فيه، كما لا يدري أن وراء كل من أصاب رزقًا وفيرًا في غربته هناك آلاف عادوا بحسرة وخيبة رجاء.

ألم تلحظ هذا الشيب الذي نثر حباته البيضاء على رأسه، ألم يكن أسود حالكًا من قريب، وهو ما زال في ريعان شبابه، ألم تره يتناول حبات أخرجها من ثيابه، ألم تلحظ ذلك الهدوء الذي حط عليه، وأنت تعلم جيدًا أنه كان ثرثارًا يحب الكلام ويكثر الضحك والمزاح، ولا شك أنك أعمى إن لم تر عينيه، ذلك العمق الذي يجعلك تتلعثم إذا نظرت بداخلها، تشعر وكأنها بئر لا ترى قاعه من شدة ظلامه وتصيبك الرهبة إذا ما نظرت بداخله.

لقد عاد وبدت عليه بعض أمارات المال التي لا تؤكد الثراء، ولكنه آخر غير الذي ذهب، أشياء كثيرة سقطت منه، بعضها تخلى عنها وتخلت عنه، وكذلك أشياء سُلبت منه، كل هذه أمور من نفسه، ومن شخصيته ومن كيانه، اكتسب أشياء كثيرة في خصاله وأخلاقه وأسلوبه وحديثه وكذلك شكله، قليلها طيب وكثيرها سيئ، وأكثرها غريب.

أنت أيها البائس في موطنك قد تكون أسعد الناس وأنت لا تدري بحالك، تحيا وتتقلب في نعم الله عليك وأنت في غفلة منها، تبحث دائمًا عما تجده عند غيرك وأنت تفتقده وتجعله يمقت عليك حياتك، تنكر على نفسك نعمة الحرية في أن تتحرك وقت ما تشاء وأينما تريد دون أن تنتظر إذنٕا أو موافقة أحدهم بأن تذهب أو تبقى.

وإن كنت أبًا مغتربًا فهذا جرح يضاف إلى جراحك، ويكون أكثرهم عمقًا ونزفًا للدماء، أنت أيها البائس قد لا تستطيع أن تشتري لابنك ثيابًا ذات جودة عالية وألوان براقة، وربما لا تقدر على إطعامه أفضل الأطعمة وأكثرها غذاءً، وقد لا توفر له بيتًا كبيرًا، ولكن هذا لا ينفي أنه يلبس ويأكل، ويسكن وينعم بصحة جيدة حتى وإن كان نحيل الجسد.

مهما كان بؤسك هل طلبت يومًا إذنًا من أحد حتى ترى أبناءك؟ هل استيقظت يومًا لتجد ابنك الذي جاء إلى الدنيا ليلة أمس يخطو في الصباح مستندًا إلى الحائط وقد مضى من عمره عام كامل؟

مهما كان بؤسك هل أصاب المرض أحد أبنائك وأنت عاجز عن أخذه إلى الطبيب؟ تاركًا زوجتك تحمله بين ذراعيها لا تجد من يعينها في حمله؟

مهما كان بؤسك هل بحثت يومًا في ذاكرتك عن ذكرى لأبنائك فلم تجد سوى القليل من شهور أصبحت فيها غريبًا حتى في موطنك؟

حقيقة لن يرى أحد ما بذلته بينما يبصر الجميع ما جنيته، وأنت في نظرهم تُخفي كنزًا في كهف بأعماق جبل على حدود البلاد بعدما وجدت مصباح علاء الدين وسرقت علي بابا والأربعين حرامي، إضافة إلى أنك تزوجت أرملة خليجية ألحت عليك بذلك بعدما مات زوجها الملياردير الذي لم يكن ينجب ولم يعرف أحد له أهلًا.

فمهما كان بؤسك لا تكن أحمق، وتسلك طريق الحماقة، الغربة طريق يأخذ منك أكثر مما يعطيك، فما تبذله لا يقدر بثمن، وما تحصل عليه تراب في الأخير، إنك محاسب على عمرك، فما أجمل أن تحيا في مراقبة نفسك لا أن تراقب عمرك، واستعن بالله وتقرب إليه واسأله تبارك وتعالى أن يتوب عليك من الحمق، وأن يردنا جميعًا إليه ردًّا جميلًا والحمد لله رب العالمين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد