في عام 1966 نشر الفيلسوف البريطاني الكبير – وأحد أشرس الملاحدة في القرن العشرين – «أنتوني فلو» كتاب «الإله والفلسفة» God and philosophy، عمد الكاتب فيه إلى زعزعة الإيمان من جذوره وذلك عن طريق تجفيف روافده الفلسفية. فقد دعم القول بأنّ الحُجج الكبرى التي يقوم عليها اللاهوت الفلسفي (الدين القائم على أساس فلسفي أو منطقي) هي حجج غير صحيحة. وتشمل تلك الحُجج: الحُجة الأخلاقية والحُجة الكونية والحُجة الغائية. وذلك بالاعتماد على فلسفات مختلفة لفلاسفة سابقين كديفيد هيوم وإيمانويل كانط. لكن الإسهام الأكبر في الكتاب هو فصل بعنوان: «البداية من البداية» وقد طرح الكاتب فيه ثلاث مسائل على المؤمنين الإجابة عليها بشكل واضح. المسألة الأولى كانت بخصوص: إن كان ثمة إله، فكيف يمكن تعريف مفهوم الإله؟ وأما المسألتان الأخريان فقد كانتا تتعلقان بمسألة وجود الشر في العالم.

في هذا المقال، سنتطرق إلى مسيرة أنتوني فلو الفكرية وتطوره الفلسفي محاولةً للإجابة عن تلك الأسئلة ومناقشة للحجج الكبرى.

جاءت معظم الردود على مقالته في إطار الرد على مسألة الشر. فقد حاجج المؤمنون بأنّ وجود الشرور في العالم إنما هو ضريبة الحرية والإرادة التي منحنها اللهُ إياها. فمن لزوم أن تكون حرًّا في اختياراتك، أن يكون لديك خيارات أصلاً. وبالتالي فإنّ الخير والشر كليهما لازمان لا ينفصلان ولا يمكن فهم أحدهما بمنأى أو معزل عن الآخر. إنّ معظم الشرور الصارخة في العالم إنما هي انعكاس طبيعي لسوء استخدام هذه الهدية الخطرة. ومع ذلك فإنّ الخيرات المتحققة من هبة الحرية أعظم بكثير من الشرور الحاصلة (فنحن نعيش الآن في الحقبة الزمانية الأكثر رخاءً وسلمية وخيرية في التاريخ الإنساني بأكمله! حقيقةً لا سخرية!).

بعد مرور عقد من الزمان على إصداره الكتاب آنف الذكر، قام الكاتب بنشر مقالة بعنوان «فرضية الإلحاد»
The presumption of atheism، في هذه المقالة حاجج الكاتب بأنّه ليس هناك أي مبررات كافية للإيمان بوجود إله. وبالتالي فإنّ أكثر الخيارات المنطقية والقائمة على أسس عقلانية سليمة هو أن تكون لاأدريًا Agnostic، وبناءً على هذه المحاججة، فقد رمى الكاتب بالكرة في ملعب المؤمنين، فأصبحت المسؤولية على المؤمنين في أن يُثبتوا، لا على الملحدين في أن ينفوا. بمعنى أنّ المؤمن هو المطلوب منه أن يثبت وجود الله فلسفيًا، فإن لم يستطع (وهو الذي اختاره المؤلف حينئذ) فليس على النافي (الملحد) أن يثبت أي شيء. وحينها يتوجب على الباحث عن الحقيقة – في رأيه – إما أن يختار اللاأدرية (في حال فشله في إثبات «عدم وجود الإله») وإما أن يكون مُلحدا جَلْدًا (في حال استطاع إثبات «عدم وجود الإله»). جاءت بعض الردود القوية من طرف الفلاسفة المؤمنين على هذا العبء في الإثبات بالقول أنّ الإيمان بالله هو اعتقاد أساسي مثله مثل وجود العالَم. فأنت لست في حاجة إلى إثبات وجود العالَم مطلقًا.

وبالتالي فإنّ هذه المنظومة المتماسكة القائمة على نظرية وجود إله لا يقع على عاتقها إثبات وجود خالق بعكس النظرية التي تُلقي بكل أبعاد هذا النظام القائم والمتماسك عرض الحائط. فههنا لا يصح أن يقال بأن «البينة على من ادّعى» لأنّ وجود خالق ليس ادّعاءً وإنْ زعم برتراند راسل ذلك. إنّ وجود خالق لهذا الكون هو ضرورة واجبة. فلا بدّ لهذا الشيء المُحدَث من العدم أن يكون له سببٌ أو علة أولى في إحداثه وإخراجه من هُوّة العدم إلى حيّز الوجود، أو من الليس إلى الأيس. وتقع مسؤولية البرهنة على من يدّعي خلاف ذلك. وهذا الردّ – في رأيي – من أفضل الردود التي يمكن أن توجّه على ادّعاء برتراند راسل آنف الذكر، حيث زعم راسل أنّ ادّعاء وجود خالق يساوي في القيمة الفلسفية ادّعاء وجود أي شيء لا يمكن إثباته. وضرب مثلاً بهذا كادّعاء
وجود إبريق شاي يدور حول كوكب على بعد ملايين السنين الضوئية من الأرض. فهل يمكنك أن تُثبت وجود ذلك الإبريق؟ وهل يُمكنك أن ثبتك عدم وجوده؟ لا شكّ أنّ الإجابة في الحالتين هي نفسها وهي لا. إذًا – على قول راسل – فما الحاجة أو ما المبرر الفلسفي لادّعاء وجود ذلك الإبريق؟ لا شيء. وتُعدّ محاججة راسل هذه من أشهر الحجج الفلسفية التي طار بها الملحدون من بعده، من أمثال كارل ساجان (وفي إلحاده نظر) وكريستوفر هيتشنز وريتشارد دوكنز.

بعد ستين عامًا من الكتابة والمناظرة والحوار والنقاش والدفاع وسوق الحجج لدعم فريق الملحدين، نشر «أنتوني فلو» كتابًا سمّاه «فرضية التوحيد» The presumption of theism، أعلن فيه وعلى نحو سينمائي ومفاجئ للجميع تحوّله إلى فريق المؤمنين. نقدَ ثم نقضَ فيه كل حُجة كان يستخدمها سابقًا في سياق الإلحاد. من أشهر الحُجج الجديدة التي طرحها في معرض قوله هي «مبرهنة القرد». وهي الفكرة التي طرحها «جيري شرودر» في إطار ردّه على القائلين باحتمال حدوث الحياة عن طريق الصدفة. أشار «شرودر» إلى تجربة قام بها المجلس الوطني البريطاني للفنون، حيث وُضِع ستة قرود في قفص ووضع معهم كمبيوتر بلوحة مفاتيح بحيث يمكن للقرود العبث بها بطريقة عشوائية. بعد شهر تم طباعة أكثر من خمسين صفحة من الكتابات العبثية وللمفاجأة! لم توجد فيها ولا كلمة واحدة صحيحة! حتى كلمة مثل «أنا» بالإنجليزية والتي تتكون من حرف واحد فقط (بشرط وجود فراغ قبله وبعده) لم توجد.

وبتطبيق قوانين الاحتمال أخذًا بعين الاعتبار عدد المفاتيح التي تحتويها اللوحة والحروف التي تحتويها كل كلمة، قام «شرودر» بحساب احتمال الحصول على قصيدة السوناتة لشكسبير والمكونة من أربعة عشر بيتًا، علمًا أنّ عدد حروف السوناتة 488 حرفًا. فما احتمال حصول 488 حرف بنفس الترتيب وبطريقة عشوائية؟ الجواب كان 10 للقوة 80 (80^10) ولكي نستطيع تصور كبر هذا الرقم فإنّ عدد ذرات الكون كله ببروتوناته ونيوتروناته وإلكتروناته أقل بقليل من هذا الرقم! أو بالكاد يساويه. معنى ذلك، أنّك تحتاج إلى احتمالات أكبر من عدد ذرات الكون كله كي تُنشئ كونًا من الصدفة. إنّ فرضيةً لم تستطع الصمود أمام سوناتة بأربعة عشر بيتًا، كيف لها أن تصمد أمام كل هذا التعقيد والتنوع والجمال الذي يزخر به عالمنا الرائع الواسع!؟. «إنّ وجود هذا الكون بطريقة عشوائية أو عن طريق الصدفة لهو محض خيال وعبث وأكبر تلفيق في تاريخ العلم الحديث».

كهروب من هذا المأزق الحتمي، لجأ بعض مثقفّة الملحدين إلى مهرب آخر ألا وهو نظرية الأكوان المتعددة. وهو مهرب محتوم بالفشل الذريع أيضًا. إذ أنه لم يُلغِ وجود السؤال القائم: من خلق الأكوان المتعددة نفسها؟ بالإضافة إلى أنها مهرب معقد، فبدلاً من افتراض وحدة واحدة عاقلة خالقة للكون (إله واحد) فإنك تفترض وجود آلهة متعددة! كالمستجير بالرمضاء من النار. وهناك هروب آخر مشهور أيضًا وهو النظرية المعروفة قديمًا ب «مسألة قِدَم العالم»، أي أن الكون أزلي وليس له بداية. وهذا الهروب أيضًا كانت قد قضت عليه النظريات والقوانين الجديدة في الكونيات والفيزياء وبالأخص نظرية الانفجار العظيم وهي نظرية مقبولة جدا في المجتمع العلمي وتكاد تكون متفق عليها بالإجماع ومتوافقة مع القانون الثاني للديناميكا الحرارية والنظرية النسبية العامة لآينشتاين أيضًا. فنظرية الانفجار الكبير دعمت القول بأنّ هذا الكون ليس أزليًّا، وإنما هو وليد عُمره ما يقرب من 13.7 مليار سنة.
ونحن -المؤمنين- نؤمن أن هذا الوليد معروف النسب، ويرجع نسبه إلى خالقه الأول وليس لقيطًا كما يزعم الملاحدة. وبالتالي، وبعد أن أجاب «فلو» عن الأسئلة الموجهة إلى المؤمنين في السابق، طرح ثلاثة أسئلة جديدة ولكن موجهة هذه المرة إلى فريق الملحدين. قائلاً: وعلى ضوء الخلفية العلمية التي تنتشر اليوم في المجتمع العلمي، فإنّ هناك ثلاثة أسئلة يتوجب على كل شخص يتبنى موقف النفي أن يجيب عنها. الأول:

  • لماذا يوجد هناك قوانين طبيعية أصلاً؟
  • والسؤال الثاني: كيف يمكن للحياة أن تنبع من اللاحياة؟
  • والسؤال الثالث والذي يختص بالفلسفة أكثر من سابقيه: لماذا هناك شيء بدلاً من لاشيء؟
    بمعني أنه كيف جاء الكون من العدم؟

أما السؤال الأول، فيُعنى باطّراد ظواهر في الطبيعة على نحو مثالي ويمكن التعبير عنها بطريقة رياضية. وهذا هو التعريف الفلسفي للقانون الطبيعي. لماذا يوجد أصلاً قوانين تحكم الكون والطبيعة؟ لماذا لم تكن الحياة فوضى عشوائية فقط!؟ نحن نعيش في نقطة ملائمة جدًا لنا من كل الجوانب تمامًا كما لو أنّ أحدا كان ينتظر قدومنا فهيّأ لنا أسباب الحياة. فالسؤال الذي ينبغي طرحه ههنا هو «كيف جاءت هذه القوانين كحزمة واحدة؟ وهو نفس السؤال الذي طرحه علماء مثل نيوتن وماكسويل وآينشتاين وهايزنبرغ. والجواب لديهم جميعًا كان «عقل الإله». الحقيقة المؤكدة في هذا العالم أنّنا نعيش في كون ينضبط بقوانين ثابتة ومحددة. وأنّ الحياة لم تكن لتوجد لو أنّ هذه القوانين كانت مختلفة على نحو ضئيل جدا. فوجودنا في هذا الكون نتيجة ملائمة هذه القوانين كشرط لوجودنا. شرط ضروري لكنه غير كافٍ. ولهذا قال ريتشارد فاينمان – وهو ملحد – في كتابه «معنى ذلك كله»: إنّ مجرد وجود قوانين في هذا الكون قابلة للاختبار إنما هو ضرب من المعجزة!».إنّ الكون مهيّأ لوجودنا كما لو أنّه كان ينتظر قدومنا. ليس ثمة أي احتمال آخر.

فيما يخص السؤال الثاني، إلى عهد قريب، جادل المؤمنون بقوة بأنّ الحياة لا يمكن لها أن تنشأ من المادة، إلى أن ظهرت أحدث الاكتشافات في مجال التوليد التلقائي Abiogenesis، وهي عملية توليد حياة من مواد غير حية مثل مركب عضوي بسيط. كان هذا الاكتشاف بمثابة صدمة لكثير من المؤمنين الذين نافحوا لعقود متسلحين بهذه الحجة التي لم تعد دامغة. إنّ إمكانية إيجاد حياة من المادة اللاحية لم يُلغِ في الحقيقة دامغية الحجة لو أنّنا أعدنا صياغتها بصورة مختلفة. فإنّ وجود الحياة على هذا الكوكب يماثل تمامًا – من حيث غرابته وفرادته – وجود الكون نفسه في البداية. فحتى لو استطاع المخبريون والعلماء أن ينتجوا خلايا حية من مواد غير حية فالسؤال الفلسفي لا يزال قائمًا، كيف تهيأت الظروف الملائمة جداً، كما في المختبر لخلق تلك الحياة؟ وهل كانت هناك فرص البداية تكفي لفرضية للخطأ والصواب كي تُنتج كل هذا التنوع الحيوي الذي يبلغ أكثر من عشرة ملايين نوع من الكائنات الحية؟ أمّ أنّ تلك الحياة الأولى كانت غير عمياء، وموجهة بقوانين العقل الذي خلق الكون وخلق الظروف الملائمة لوجودها؟ إنّ «الصدفة» لا تستطيع أبدًا أن تستمر في الحصول مرة تلو المرة – وباحتمالات ضئيلة جدا جدا – ثم تبقى صدفة أبدًا.

والسؤال الثالث وهو السؤال الأكثر وضوحًا ومباشرية في مسألة الخالق وأحد أعظم الأسئلة في تاريخ الفكر العلمي والفلسفي. لماذا هناك شيء بدلاً من لاشيء؟ لماذا هناك أيس بعد ليس. لماذا وُجد الكون بالأساس ولم يكن إلا عدم فقط؟ إنّ هذا النوع من الأسئلة يحمل في طياته معنى غائيًّا (الحُجة الغائية) وهو ما لا يحبه الملحدون. لكنه يتوجب علينا طرح هذا النوع من الأسئلة التي تبتدئ بلماذا. إنّ هذه السلسلة اللامتناهية من المصادفات الإعجازية بدءاً من وجود الكون نفسه إلى كل القوانين التي سمحت بوجودنا نحن وعلى مستويات عالية من الوعي والعقل لا يمكن لها أبدًا أن تكون مجرد مصادفات عمياء. لا بد أنّ قوة عاقلة أوجدت كل ذلك لهدف ما ولغاية خفية. إنّ العلم الحديث يؤكد على أن للكون نقطة بداية وأنّه ليس أزليًا كما زعم بعض الفلاسفة القدماء. إنّ وجوده من العدم لا بد له من مسبب. وحين نذكر العدم هنا فهو يعني عدم مطلق، وليس كالعدم الذي اخترعه على قدّه عالمُ الفيزياء لورنس كراوس في كتابه «كون من لاشيء: كيف جاء شيء من اللاشيء». فقد زعم كراوس فيه أن العدم الذي يتحدث عنه إنما هو شيء ما، يشبه أن يكون حقلاً كموميًا تتولد فيه جسيمات افتراضية وتتلاشى بشكل مستمر. فهو أنهى المباراة قبل أن تبتدئ، بعد أن اعترف بأن عدمه ليس عدمًا مطلقًا.

في النهاية نحن نؤمن بأنّ هذا الوجود المركب على ثلاثة مستويات، مادّي ثم حيوي ثم وعي بشري هو وجود مُعجِز، جاء بالكون من العدم ثم قامت عليه حياة ثم نشأ من الحياة وعي بشري. إنّ هذا الكون لا بدّ وأن يصدر من خالق أزلي حيّ عاقل، فلا يمكن لشيء مخلوق أن يكونَ محدثًا وحيًّا وواعيًا ثم يكونَ سببُ وجوده وعلّته الأولى أقلَ من ذلك. لذا وفيما يخص السؤال الأول والذي يناقش مفهوم الإله نفسه، فقد اختار المؤلف بعد إيمانه تعريفَ الإله الذي صاغه أرسطو وتبناه بعده الفيلسوف الإنجليزي ديفيد كونواي في كتابه «عودة الحكمة» The recovery of wisdom، واصفًا الإله بـ: «الثابت. غير المادي. على كل شيء قدير. بكل شيء عليم. يتصف بالوحدانية. غير قابل للتعدد. يتصف بالخير المطلق. واجب الوجود».

ثم ختم قائلاً – في كتابه «هناك إله»: «إنّ العلم لا يمكن أن يقدّم حجة تؤيد وجود الإله. لكن البراهين الثلاثة التي ذكرناها، قوانين الطبيعة والعلة الغائية ووجود الكون نفسه يمكن فقط تفسيرها على ضوء ذكاء يفسر وجوده بذاته ويفسر كذلك وجود العالم. اكتشاف الإله على هذا النحو لا يأتي من خلال معادلات وتجارب ولكن من خلال فهم التركيب الذي يمكن من خلاله أن نزيح الغموض عن الخريطة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد