أقل ما يمكنني قوله إن الاستعمار الغربي استطاع التعامل معنا بسياسة أو بالأحرى بقاعدة فيروسية مفادها: «أعطيك القليل لكي ترضى بالأقل»، «أضعك بين السيئ والأسوأ حتى تختار السيئ الذي أريده أنا… وهكذا».

حتى انتشرت هذه القاعدة الاستعمارية انتشارًا بالغًا، وأصبحت قاعدة وشريعة وقانونـًا ملزمًا نعيش تحته ومنه نستمد فلسفة خياراتنا واختياراتنا وقراراتنا، ليس فقط على مستوى الحياة السياسية والقضايا الاجتماعية؛ إنما حتى على المستوى الشخصي والحياة الخاصة، كأن يقول الأب لابنه أعطيك دينارًا أو لا أعطيك شيئـًا في حين طلب الابن آلف دينار! لا أسخر جديًا أتحدت عن تغلغل هذه القاعدة الاستعمارية في مجتمعنا وحياتنا بدون أية مبالغة كما أن للإعلام دورًا في المجتمع؛ فإن للسياسة دورًا أكبر وأخطر، وقبل استعراض عواقب هذه القاعدة وتأثيراتها علينا، لابد أن نستعرض بعضًا من تجاربنا المريرة مع هذه القاعدة.

«الشين اللي تعرفه أحسن من الزين اللي ماتعرفه» هكذا أمثال شعبية هي سبب بقاء كل رذيل ومنحط يقودنا ويتحكم في مصيرنا البائس

صوتوا على الدستور خشية أن يسيطر الشيعة على الحكومة «المحصلة» سيطرة وهيمنة شيعية على الحكومة بتوقيعنا نحن بأنهم أغلبية، اتركوا المقاومة فالمضرة أكثر وهو سبب فتن وبلاء «المحصلة» المضرة أكبر وأفجع والسنة بين مقتل ومعتقل وميلشيات شيعية بالمئات تحكم وتهيمن، انتخبوا فلان الفاسد خشية أن يفوز فلان الأفسد منه «المحصلة» فاز الاثنان، ارضوا بالصحوات فإنها الدواء ومنها تستعاد العافية بالرغم من عمالتها! «المحصلة» أصبحت أشد داء وأخطر داء مر به سنة العراق، توقفوا عن التثقيف بهويتكم وعقيدتكم حتى لا يقولوا عنكم طائفيين فإن الوطنية أهم وأعظم «المحصلة» هوية مهمشة مجتمع يعاني من نقص حاد في الانتماء والهوية، انتخبوا  «إياد علاوي» خشية أن يتمسك المالكي بالحكم «المحصلة» استمر المالكي بالحكم ورغم الأنوف، اترك منزلك حتى تحظى بالنجاة من القصف العشوائي ولاتتهم بالإرهاب، المحصلة اتهام بالإرهاب منزل مدمر… إلخ

ما هذه التجارب إلا أمثلة حية على ممارستنا واتباعنا هذه الفلسفة الاستعمارية، وعلى ما يبدو نحن ماضين باتباع هذه القاعدة التي بالرغم ما حصل لم نتعظ ونتوقف عن المسير وفقها؛ بالرغم من كون هذه القاعدة هي سبب بلاء وكل عداء مررنا به، نعم فعندما نرضى بالسيئ خشية الأسوأ «تلقائيًا» القادم سنختار بين السيئ وبين الأسوأ منه، منطقيًا كذلك المضي بهكذا قواعد يولد عواقب وخيمة أشبه بحفر بئر، أو المضي بمستنقع وحل لا مناص منه والواقع على ذلك أشد برهان، ليست فقط إلى هنا مخاطر اتباعنا هذه القاعدة؛ إنما الخطر الأعظم هو الهدم البشع الذي نقوم به تجاه مبادئنا وأخلاقياتنا وعقائدنا، نعم فاليوم بذريعة الخلاص وبشريعة «الرضا بالسيئ خشية الأسوأ» نجد كثيرًا من العوام يرضى بأشخاص عمالتهم أعتق من أي نبيذ إنكليزي، ورائحة انحطاطهم أقذر من روائح المستنقعات، إنما تعدى الأسوأ فأصبح كثيرون يرحبون بشكل أو بآخر باحتلال أمريكي-إقليمي بذريعة «الخلاص» ويقدم أرخص التنازلات لها من العواقب الدنيوية بل حتى الأخلاقية الكثير وعلى حساب دماء الشهداء والتهجير الذي مازلنا تحت تأثيره بكل تأكيد، إذ يرحب وينسى ويتناسى أن سبب معاناته في الأساس هو «الاحتلال الأمريكي والتآمر الإقليمي» وإن حصل احتلال أمريكي-إقليمي، يقينـًا سوف يوضع بين خيارين في قمة السوء بناءً على هذا الاختيار، أما عن مساندة الميلشيات الشيعية والجيش الحكومي الذي قتل الآلاف من الأبرياء العزل؛ فإن للحديث بقية لا نهاية له، وقصة من العهر استعرت من احتوائها الكتب حياءً من دماء الأطفال.

كما نرى أن من تأثيرات هذه القاعدة الهدم البشع للثوابت العقدية الدينية والمبادئ والقيم الأخلاقية عامة، بالإضافة إلى الخراب الذي تقوم به والاستمرار بدائرة السيئ والأسوأ، وعليه أليس من الحكمة والعقل السؤال؟ لم من الأساس الرضى بالاختيار بين السيئ والأسوأ لماذا هذا الخنوع؟ والرضى؟ أين الثبات؟ أين الإرادة؟ أين العزة؟ أين الهوية؟ أين الهدف؟ أين الوجود؟ أين العقيدة؟ أين الكرامة؟ وأين وأين وأين أنت من كل هذا بالتحديد يا سنة العراق! منذ عقد من الزمن ويا سنة العراق تطبقون هذه القاعدة بحرفية ما الكسب ما النفع المحتسب؟

سيئ إلى أسوأ والأسوأ إلى أسوء منه، ألا ترون اليوم من لزوم «العقل» التوقف عن المضي بهذه القاعدة؟ وأن يثبت الجميع على ثوابت وأهداف مهما كانت العواقب والتأثيرات الآتية من تلك القرارات والثبات على تلك الأهداف مهما كانت الأثمان؟! وخاصة أن عواقب الثبات على الأهداف والثوابت، ليس أسوأ بكل تأكيد من عواقب وتأثيرات المضي بتلك القاعدة البائسة، والأهم العيش والموت في سبيل «الثبات» ليس كالعيش والموت تحت قاعدة السيئ والأسوأ وذريعة الخلاص، فرق كبير لا تدركه العقول المريضة أو الأنفس العميلة.

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد