استيقظ العالم العربي صباح الأربعاء 6 ديسمبر (كانون الأول) على وقع انتظار خطاب دونالد ترامب بشأن وضع القدس، حقيقةً لم يكن الجميع مستيقظا، فهناك من لم يستيقظ، إلا بعد غروب شمس الوعي على صوت كلمات ذاك الأشقر وهي تخرج كالرصاص؛ لتصيب ما تبقى من جسد فلسطيني هزيل أنهكته سنوات نضال شعب بمفرده.

(مساء داخلي في أحد الشقق السكنية في مكان ما في الوطن العربي)

جرس هاتفه النقال يصيح بلحن أغنية أمريكية لا يعرف كلماتها.

– ماذا يحدث؟

– ترامب أعطى القدس لإسرائيل! (علامات الضيق بادية على وجهه) ينظر في ساعته، ثم يرد على صديقه، أين سنشاهد مباراة دوري أبطال أوروبا اليوم؟

– والقدس!

– بعد المباراة.

مباريات دوري أبطال أوروبا تلعب الثلاثاء والأربعاء فقط، كما شاء القدر أن يعلن ترامب قراره في ذات يوم مباراة لدوري أبطال أوروبا، شاء القدر أيضا أن يلفظ ترامب قراراته بخصوص القدس بعد مائة عام على وعد بلفور.

فمن آرثر جيمس بلفور إلى روتشيلد، ومن ترامب إلى نتنياهو، لم يتغير وضع العرب بعد مائة عام، فقط الذي تغيير هو المُرسِل؛ من إنجليزي محتل، إلى أمريكي مسيطر على المنطقة بيديه، وبقي المُستَقبِل واحدًا صهيونيًا قاتلًا للحلم الفلسطيني، وظل العرب يشاهدون ما يجري في المنطقة، ويشاهدون دوري أبطال أوروبا أيضًا!

اسمح لي عزيزي أولًا أن أصحح لك معلوماتك، فترامب لم يعط القدس لإسرائيل؛ فقد أخذها الصهاينة بأيديهم؛ فوفقًا لقرار الأمم المتحدة لعام 1947 المعروف بقرار التقسيم أو القرار 181، نص القرار على تمزيق فلسطين إلي 3 أجزاء: دولتين: فلسطينية. وإسرائيلية. ومنطقة دولية، تحت إدارة الأمم المتحدة. وهي القدس وبيت لحم. إلا أن العرب رفضوا قرار التقسيم، ونشب على أثر ذلك حرب 48 (النكبة)، واحتلت إسرائيل القدس الغربية، وبقيت القدس الشرقية داخل الضفة الغربية تحت إدارة المملكة الأردنية الهاشمية، وبقيت غزة تحت الإدارة المصرية.

 

ثم بعد ذلك في حرب 1967 (النكسة)، (حرب الستة أيام)، قهرت إسرائيل 3 جيوش عربية، ودمرت كامل العتاد العسكري لهذه الدول، فقد توسعت إسرائيل؛ فاحتلت هضبة الجولان من سوريا، ومزارع شبعا من لبنان، وجزيرتي تيران وصنافير (لا أدري هل أكتب المصريتين أم السعوديتين!) وغزة وسيناء من مصر، والضفة الغربية من الأردن، بما فيها القدس الغربية؛ لتوحد القدس من جديد، ولكن هذه المرة ليست تحت حكم عثماني، أو انتداب بريطاني، أو حماية دولية، بل تحت علم نجس أبيض بخطين زرقاويين، ونجمة مقززة المنظر؛ لتتغير خريطة المنطقة بأكملها تغيرًا جذريًا مازالت آثاره جاثمة على قلوبنا إلى الآن، لم يعد المشروع الصهيوني طفلًا يحبو بعد ذلك الوقت؛ فقد صار فتيًا، وتحول من كيان لتلقي المساعدات ذي تسليح فرنسي ودعم أمريكي، إلى شريك أمريكي في المنطقة، إذًا ترامب لم يعط القدس لإسرائيل، بل أعطاها لهم الهوان العربي، وهو أمر أشبه بما قاله ريكس تيليرسون وزير الخارجية الأمريكي في توضيحه لقرار ترامب: بأنه تقنين لأمر واقع. شرعية الأمر الواقع لم تعد حكرًا على العالم الثالث إذًا!

هل تفاجأ العرب حقًا بما يحدث للقدس؟

النهايات لا تنفصل عن المقدمات، عام 68 تم حرق المسجد الأقصى، عام 80 تم التصديق على قانون القدس في الكنسيت، عام 95 صدر قرار من الكونجرس الأمريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة السفارة الأمريكية إليها. الأمر الذي ظل كل رؤساء أمريكا منذ ذلك التاريخ يقومون بتأجيله لستة أشهر؛ حتى استقرت اللعبة في أحضان الطفل المتهور.

أين كان العرب من كل ذلك! أين كانوا عندما استضافت السعودية ترامب، وتراقصوا معا بالسيوف، وغادر حاملًا أطنانًا من الذهب، وهو ذاك الرجل الذي كان وعد من وعوده الانتخابية تطبيق القرار الصادر عام 1995، سواء ما قام به ترامب هو سداد فواتير انتخابية، أم محاولة لإنقاذ فترة حكمه بعد فضيحة التدخل الروسي في الانتخابات الأمريكية وتورط 4 من أكبر مساعديه في المسألة، يبقى أن الرجل وعد فأوفى، أما آن لنا أن نفي!

ماذا عن الدور الفلسطيني؟

لم يرضوا بقرار التقسيم وحل الدولتين منذ البداية، جاءت النكبة وتحصلوا على أراضٍ أقل مما نص عليها قرار التقسيم، خطب الحبيب بورقيبة (رئيس تونس في ذلك الوقت) خطبته الشهيرة في أريحا قبل عامين من النكسة عام 1965 مطالبًا الفلسطينين بالجلوس مع الصهاينة بدون وسيط والرجوع لقرار تقسيم الأمم المتحدة لتكون نواة لمشروع فلسطيني مجابه للمشروع الصهيوني.

اصطف العرب بأجمهعم خلف جمال عبد الناصر موجهين ألسنة النقد إلى بورقيبة معتبرين ذلك خيانة، ثم جاءت بعد ذلك النكسة وخسر الفلسطينيين أرضا أكثر، فذهبت المقاومة إلى الأردن، فطل علينا أيلول بأسوده، فمن لبنان لسوريا لتونس، في محاولة للخروج من الوصايا العربية إلى مدريد، ثم أوسلو، والقبول بحل الدولتين، وتذييل قضية القدس لآخر القائمة، ثم الشقاق بين فتح وحماس، ثم المصالحات الوهمية.. الآن حتى حلم الدولتين الذي كان مرفوضا أشد رفض، أصبح حلمًا بعيد المنال، حتى وإن كان على 22% فقط من مساحة فلسطين التاريخية.

كل عبارات الشجب والإدانة ما هي إلا مساحيق لتجميل الوجه، فمحاولات التطبيع الآن لم تعد خجولة، بل أصبح صداها عاليًا على وقع تغيير بوصلة العدو من ذلك القابع في شمال شرق خريطة الوطن العربي، إلي آخر فارسي خاصة في عُرفِ دول النفط، أو جماعات أخرى غير المسيطرة على الحكم في تلك الـ22 دولة، وفي ظل وعد إنجليزي يطفئ شمعته المائة في جسد الأمة العربية.

(صباح خارجي في أحد شوارع الوطن العربي)

– هل ستتابع الاجتماع الطارئ لجامعة الدول العربية؟

– لا سأتابع قرعة دوري أبطال أوروبا لدور 16؛ فهي على الأقل ستأتي بالجديد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

القدس
عرض التعليقات
تحميل المزيد