إذا كنت غارقًا في الهزيمة حتى أذنيك، وأحاطت بك الحياة بنكباتها وعثراتها ومفاجآتها التي لا تنتهى، حتى أصبح العبوس قناعك الذي لا تخلعه أبدًا، وطعم المرارة في فمك كالماء والهواء لا خلاص منه إلا بالموت، فلا تبتئس هناك حل!

وصدق أو لا تصدق، هذا الحل ليس عسيرًا ولا معقدًا، ولا يحتاج أن تستعين عليه بآخرين، ولا يستغرق تنفيذه سنوات ولا شهور ولا حتى أيامًا؛ بل صدق أو لا تصدق أيضًا، هناك غيرك لم يحتج منه الأمر إلا إلى خطوات خمس، ولم يستغرقه تنفيذها إلا قرابة النصف ساعة فقط لينتقل بعدها من الهزيمة إلى النصر!

حسنا، أظنك تراني الآن مجنونًا أو كاذبًا، ولك كل الحق فيما تظنه؛ ولكني أؤكد لك ما بشرتك به، وأكرره عليك ثانية، هناك بالفعل حل عملي بسيط لا يتعدى الخطوات الخمس، يضمن لك الانتقال من الهزيمة إلى النصر؛ وما كنت لآتي إليك هنا وأحدثك عنه لولا أنه تم تجربته بالفعل وأثبت نجاحًا مذهلًا، كما حكى لي صديقي السيد “ع“، واعذرني على عدم ذكر الاسم كاملًا حفاظًا على خصوصية الرجل، والذي أوصاني بدوره أن أنقل تجربته لكل من أثقلته الهزيمة ويئس من النصر، عساها تكون في ميزان حسناته.

ولن أسرد لك الخطوات سردًا أكاديميًا رتيبًا، ولن أحاول أن أقنعك بها بإلحاح أعلم أنه لا طائل من ورائه، ولكن سأفسِّر لك تجربة الرجل على تلك الخطوات الخمس، وسأدع التجربة تتحدث إليك بنفسها، فالفعل خير من ألف كلمة، والتجربة تغني عن ألف بيان؛ وإليك ما حدث على لسان السيد “ع” نفسه.

الخطوة قبل الأولى: أنت الآن في قلب الهزيمة

كنت قد أنهيت للتو عملي فى أحد المواقع، وجمعت حقيبة أدواتي متجهًا إلى موقع آخر. تلك هي طبيعة عملي، أذهب إلى مقر شركتي في الصباح لأستلم جدول أعمال اليوم (أوردرات)، وأظل طوال اليوم أتنقل من موقع إلى آخر، محاولًا إنهاء الأعمال التي لا تنتهي، وإرضاء العملاء الذين لا يرضون، ثم أعود إلى بيتي مقتولًا من التعب، فآكل بفتور، ثم أخلد مباشرة للنوم، لأبدأ مع الصباح دورة جديدة قديمة!

استقللت الحافلة العامة وأنا أمسك حقيبتي بيدي، وهمومي فوق كتفي، واليأس واللامبالاة ملء سمعي وبصري. كانت الحافلة نصف مزدحمة، فلم أتمكن من الجلوس، ولكن على الأقل وجدت مكانًا مناسبًا للوقوف! فوقفت ممسكًا بمسند المقعد الذي أمامى بيدي اليمنى، وحقيبتي بيدي اليسرى، وأطلقت نظري خلال النافذة المواجهة أشغل عيني باللاشيء، بعد أن خلا رأسي من كل شيء!

الخطوة الأولى: اكتشف اللص

وأنا في تلك الحالة انتبهت فجأة إلى أصابع متلصصة تحاول التسلل إلى جيب سروالي الأيسر؛ فانتفضت؛ وكَرَدَّة فعل طبيعية حركت يدي اليسرى بالحقيبة بسرعة لأغطي جيبي، فتفاجأت الأصابع من انتباهي وردة فعلي وانسحبت بسرعة البرق؛ وبدأت ضربات قلبي في الصراخ.

بعد ثوان قليلة تمالكت نفسي واستوعبت الأمر، وأدرت رأسي – بحركة تبدو عفوية – إلى يساري؛ فإذا بشابٍ ثلاثيني، نحيف الجسد، قمحي اللون كتراب هذه الأرض، الذى يلطخ وجوهنا صيفًا، ويوحل أقدامنا شتاء؛ يقف مُرخيًا يمناه بجواره بصلابة لم تَخْف عليّْ، وشاخصًا ببصره خلال النافذة، مُظهرًا عدم الانتباه بتركيز شديد فاضح؛ فأحسست وكأني أقرأ على وجهه كلمة “نشال“ وقد كتبت بخط الثلث الجميل!

الخطوة الثانية: خذ قرارك بالمواجهة

حمدت الله أنني انتبهت له قبل أن يسرقني، وازداد سخطي على الحياة وما فيها، وما تحمله إليَّ من ضربات، الواحدة تلو الأخرى، حتى أنها هيأت لي من بين كل الحافلات هذه الحافلة، ومن بين كل الركاب هذا النشال ليقف بجانبي!

ثم خطر لي خاطر عجيب؛ لم لا تكون الحياة تمنحني فرصة للمواجهة، أنا الذي أدمنت الهزيمة واحترفت الفرار؟ لقد هيأت لي ما هيأت، ثم نبهتني للخطر قبل أن يأخذني بغتة، وكأنها تضعني على الحلبة من نقطة التعادل؛ وتقول لي: ها أنت ذا – أيها الباكي على حالك – واقف على الحلبة وأمامك الخصم، يرى كل منكما الآخر، ويملك كلاكما نفس الفرصة، فإن أردت النجاة من الهزيمة فعليك بالفرار، أما إن أردت تذوق طعم النصر مرة في حياتك فتقدم ولن يمنعك أحد.

لم يكن لدي في الواقع ما أخسره، فجيبى الأيسر هذا لم يكن به إلا “نصف جنيه” ورقي، فعزمت أمري وأخذت قراري بالمواجهة، وأحسست – من فوري – بانتشاء غريب، وتردد في أذنى صوت “أحمد مظهر” العميق في فيلم “الناصر صلاح الدين” وهو يقول قولته المخيفة: إذًا هي الحرب!

الخطوة الثالثة: اختر استراتيجيتك بعناية

وقفت أقلب الأمر في رأسي وأديره يمينًا ويسارًا لأجد مدخلًا مناسبًا للمعركة، واسترجعت من الذاكرة كل ما مر علي من استراتيجيات القتال وفنون الحرب والمواجهة؛ لم أترك شيئًا إلا وفكرت فيه، بدءًا من أسلوب “مخلب النسر” لجاكي شان، حتى نظرية “السلمية“ التي هي أقوى من الرصاص!

استبعدت كل استراتيجيات المواجهة المباشرة العنيفة، فازدحام الحافلة ليس هو المكان المناسب لاستخدام “الكونغ فو” بالتأكيد، حيث لن أتمكن من استخدام قدميَّ، كما أن الحقيبة بيدي اليسرى، والتي تحمل أدوات العمل (عهدة وأنا مسئول عن سلامتها)، ستجبرنى على عدم استخدام تلك اليد، وبالتالي لن تكون كفَّتي راجحة باستخدام يدي اليمنى فقط؛ كما أنِّي – وهذا هو الأهم – لا أعرف شيئًا عن “الكونغ فو“!

استقر بي الأمر في النهاية على استراتيجية “شعرة معاوية“؛ فما دام الأمر في حقيقته مواجهة إرادة ودهاء وحسن تدبير، فمن لها غير معاوية وشعرته التي هي أمضى من السيف؟ فقررت أن أدعي عدم الانتباه، وأكشف جيبي الأيسر تمامًا لأغري اللص بالمحاولة، فإذا ما أقبل أغلقت جيبي أمامه، حتى إذا أدبر كشفته له مرة أخرى!

وضحكت في سري ضحكة شيطانية مجنونة، وتذكرت “شكري سرحان” في فيلم اللص والكلاب، عندما أمسك بالعشرة جنيهات في يده وقال مستنكرًا متوعدًا بصوته الرخيم: “عشَّه جنيه يا أستاذ؟! يفتح الله. تبقى زبوني الليلة!”

الخطوة الرابعة: ابدأ في التنفيذ فورًا

وبالفعل بدأت فى التنفيذ. رفعت يدي اليسري الممسكة بالحقيبة إلى أعلى وأسندت الحقيبة على ظهر المقعد الذي أمامي (وكأني أريح يدي من ثقلها) تاركًا جانبي الأيسر كله مكشوفًا أمام اللص، وأطلقت نظري في النافذة مرة أخرى مدعيًا الانشغال عما حولي، وانتظرت.

ولم يخب ظني، فما هي إلا لحظات قصار حتى أحسست بالأصابع المتلصصة تحاول التسلل لجيبي مرة أخرى؛ فقمت بحركة مفاجئة بإنزال يدي اليسري (وكأني أعدل من وضع الحقيبة في يدي) لأغطي على جيبي، فتفاجأ اللص وسحب يده بسرعة مدهشة؛ ودوت ضحكة مجلجلة في أعماقي بذلت جهدًا خارقًا كي لا تظهر على وجهي.

كل هذا وأنا مُثَبِتٌ عيني على نافذتي واللص مثبت عينه على نافذته أيضًا! كانت معركة دهاء وإرادة، وكان انتصاري في جولتها الأولى مشجعًا لي على المضيِّ قُدُمًا، وذاك الطعم الغريب الذى بدأت أتذوقه على طرف لساني (طعم النصر) يسحبني بقوة للاستمرار.

الخطوة الخامسة: اثبت في المواجهة حتى النهاية

انتظرت دقائق وأنا أغطي على جيبي بيدي وبحقيبتي، حتى بدأت أحس بتململ اللص، فرفعت يدي بالحقيبة على ظهر المقعد مرة أخرى، وانتظرت، فلم تمر ثوان قليلة حتى عاود اللص محاولته، فعاودت إنزال يدي بسرعة، وعاود هو سحب يده بخوف! وانطلقت في أعماقي الضحكات تلو الضحكات، وانفجر طعم النصر يملأ كياني كله لدرجة أنني أحسست أني لم أصادف في حياتي هزيمة قط!

تكررت تلك الجولات بيني وبينه ثلاث أو أربع مرات على الأقل، وفي كل مرة كانت ثقتي في نفسي تزداد، وعشقي لطعم النصر يتضاعف. كانت محطتي قد اقتربت، ولكني عقدت العزم أن لا أترك الحافلة، وأن أظل مع اللص حتى النهاية، وليذهب العمل والعملاء والدنيا بأسرها إلى الجحيم!

الخطوة بعد الخامسة: استمتع بالنصر!

ولكن قبل محطتي بمحطة واحدة، رفع اللص الراية البيضاء معلنًا هزيمته، وانسحب نازلًا من الحافلة! فضجت أعماقي بصيحات النصر، وانتظمت كل الضوضاء من حولي (كلمات ركاب الحافلة المقتضبة، وصراخ المارة فى الشارع، وسباب الباعة على الأرصفة، وصرير الإطارات، وأبواق السيارات) إلى هتافات المهنئين والمشجعين يشاركونني الفرحة والاحتفال، وسرعان ما تشكلت كصوت الجوقة وهم يرددون خلف المرحومة “كوكا”– وهي تغني لـ“عنترة” ورفاقه – أغنية النصر: “عيد النصر يا جوم.. اليوم وبعد اليوم”.

أتت محطتي، فنزلت من الحافلة رجلًا غير الذي صعد إليها؛ رجلًا ذاق طعم النصر فأدمنه، واختبره فأتقنه، وحاول فيه فوجده سهلًا لينا، فأقسم بالنشوة في عروقه أن لا يضل الطريق مرة أخرى؛ فعلَّقت حقيبتي على كتفي، وهندمت ملابسي، وانطلقت لأبدأ رحلتي من جديد.

والآن يا صديقي، هل صدقتني؟ هل اقتنعت بما أقوله لك؟ هل أيقنت أن النصر سهل؟

إن لم تكن لاحظت، فكل شيء بدأ باكتشاف اللص! كان من الممكن أن تتم سرقة السيد “ع” دون أن يدري، مثله في ذلك مثل المئات غيره الذين تتم سرقتهم في الحافلات العامة كل يوم، وكان السيد “ع” سيضيف تلك النكبة إلى باقى نكبات حياته، وينكفئ أكثر على جبين هزيمته يبكي حاله ويندب حظه؛ غير أن الأقدار ساعدته في تلك المرة، لتبين له كيف يحقق النصر – إن أراد – في كل مرة.

وأنت يا صديقى، لا تحتاج سوى أن تكتشف اللص؛ ولتعلم أن كل عثراتك ونكباتك وهزائمك في الحياة سببها لص ما! فهذا يريد أن يسرق دورك فى الطابور، وثانٍ يريد أن يسرق جهدك وكدَّك، وثالثٌ يريد أن يسرق حقك في عبور الطريق آمنًا، ورابعٌ يريد أن يسرق حقك في حياة آدمية، وآخر وآخر.

(ملحوظة جانبية قد لا تكون مهمة)

أقسم لي أحد الثقات – ممن يعرفون السيد “ع” جيدًا – أن السيد “ع” بعدما علَّق حقيبته على كتفه، وهندم ملابسه، وضع يده في جيبه فلم يجد الـ“نصف جنيه“!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد