جلال الصاوي
جلال الصاوي

مما لا شك فيه، أن التعليم هو أساس نهضة الأمم، وما أن تنهار المنظومة التعليمية فإن انهيار الإنسان والمجتمع يصبح قاب قوسين أو أدنى.

ووفق أحد التقارير المتعلقة بجودة التعليم، أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي، في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي، تقريره للعام 2017- 2018. فقد احتلت مصر الترتيب الثاني عشر عربيًّا، و121 عالميًّا. وقد وصل التعليم في مصر إلى حالة يرثى لها على كافة المستويات. وقد نحتاج إلى صفحات لسرد بعض الإشكالات التي تعاني منها منظومة التعليم، سواء على مستوى المُعلم، أم المنهج، أم المُتعلم نفسه.

اختلف الإصلاح التعليمي في أمريكا عن نظيره الياباني؛ ذلك أن الأمريكي تحفز بسبب صدمة البرنامج الفضائي السوفيتي في 1957، ولأن المصالح القومية كانت لها الأسبقية على سائر الاعتبارات الأخرى؛ فإن التعليم اهتم بالأولويات الصناعية والعسكرية، وأصبحت العلوم خادمة للسلطة وللهيمنة وهو الدرب الذي سار على نهجه أغلب دول العالم.

وذلك مثال حي يبين كيف أن التعلم بحثًا عن الحقيقة والتعليم لتشجيع التعبير الأمين عن الذات يمكن أن يفقدا أهدافهما النقية الأصلية أحيانًا وينجرفا إلى سباق تسلح وامتلاك أدوات الهيمنة، وما يتبع ذلك من حروب ومخاطر تهدد كوكبنا والإنسانية جميعها.

إن التعليم فقد هدفه الأصلي. وأصبح مجرد أداة للحوكمة الذهنية، كما يسميها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو، هدفه ضخ معلومات ومهارات من أجل تنمية قدرات الإنسان كحيوان اجتماعي وليس إنسانًا حقيقيًا، أي إنسان وظيفي يعرف وفق وظيفته التي يؤديها في المجتمع ومكانته التي يحوزها في سوق العمل، لا وفق قيمه ومبادئه الحقيقية. فاختزل التعليم في شقه المادي البراني في تجاهل تام للقيم الإنسانية الجوانية.

ذلك أن أدوات السلطة عديدة، ومنها أدوات التنشئة الاجتماعية؛ مثل الإعلام والمؤسسات التعليمية والثقافية والجامعات والمؤسسات الدينية، وغيرها من المؤسسات التي تؤثر في المجتمع. فالهدف من العملية التعليمية أصبح إعادة إنتاج المواطن وتفريغ عقله من الحرية الذهنية والتفكير بحرية، حتى يصبح مجرد عنصر مأجور مفيد لا يشتكي في مجتمع مادي غير عادل.

فالحداثة وعن طريق أفقها العقلاني، أصبح لها ولع بالسيطرة الكلية والشاملة، والسلطة مولعة بالسيطرة إما على الأبدان عن طريق الاعتقال والتعذيب، وإما على العقول عن طريق المراقبة والضبط وتزييف الوعي، فالآليات الجديدة للمراقبة والضبط والعقاب والإخضاع تتسم بالعقلانية والتوظيف المحكم للمعارف. فالمجتمع الحديث غارق في الانضباط والنظام حتى النخاع، وما مؤسسات السجن والثكنات العسكرية والمستشفيات وحتى المدارس، إلا آليات للهيمنة والتدجين.

فالمدارس والجامعات أصبحت أقرب إلى ما يشبه ثكنة عسكرية، فهي عمليات مكررة ورتيبة ومنظمة وتهتم بالنتائج لا بالجهد المبذول، والتعليم فيها يتسم بطابع القولبة؛ فهو منهج موحد للجميع بصرف النظر عن اختلاف قدراتهم أو إمكاناتهم، فهو تعليم متمركز حول المُعلم لا حول المتعلم كما ينبغي أن يكون. تعليم أحادي الاتجاه لا يدفع المتعلم إلى البحث أو إبداء رأيه الخاص ووجهة نظره، إنما يصبح متلقيًا سلبيًا فحسب.

ولن يكون الحل من داخل أروقة المدارس والجامعات، ولا بإصلاح المؤسسات التعليمية؛ فإن ذلك يتطلب إرادة سياسية يبدو أنها لا ترى للتعليم فائدة في «وطن ضائع»، ولا تدرك أن الوطن إنما يضيع بضياع التعليم فيه!

ولا يعني ذلك الاستسلام؛ فهناك بارقة أمل، ففي عصر السماوات المفتوحة أصبحت المعرفة متاحة للجميع، ويمكن أن نلجأ إلى التعلم الحر والذاتي المستمر، ويمكن أن تساهم منظمات المجتمع المدني في ذلك، ولكن عليها ألا تستنسخ تجربة المدارس نفسها، فالاهتمام بتطوير قدرات ومهارات الأفراد لسوق العمل فحسب، جعل قيم سوق العمل من تنافسية وغيرها هي المعيار الأساسي، وانتشار تلك القيم كان على حساب الجانب الإنساني؛ مما أفضى في النهاية إلى فشل العمل التطوعي والخيري، الذي لم يسلم من قيم التنافسية؛ فكثير من مؤسسات المجتمع المدني تشهد صراعات داخلية وانشقاقات عديدة برغم نُبل أهدافها!

والنهم المعلوماتي وتراكم المعلومات من أخطر ما يكون؛ فهو أشبه بالذئب الذي ينهش الإنسان -كما وصفه المسيري- وأهم مظاهر هذا الذئب رغبة المتعلم في حيازة معلومات أكثر وأشمل وأكثر تفصيلًا ورغبته العارمة في حيازة كتب كثيرة.
وقراءة كل شيء وتعلم لغات متعددة. في حين أن القراءة المبالغ فيها لا تجعلنا أذكياء، فبعض الناس يبتلعون الكتب، وهم يفعلون ذلك بدون فاصل للتفكير، وهو ضروري لكي يُهضم المقروء ويُبني ويُتبني ويُفهم. فإن المساهمة الشخصية ضرورية مثلما هو ضروري للنحلة العمل الداخلي والزمن، لكي تحول رحيق الأزهار المتجمعة إلى عسل.

فلم يعد المثقف حاليًا هو ذلك الذي يعرف كل شيء عن كل شيء، بل هو الذي يعرف كيف يفكر، وكيف يقرأ ما بين السطور، فليس التعلم هو معرفة كل الأجوبة بل فهم الأسئلة.

والمعلومات ليست إلا وهمًا معرفيًّا، فنحن لا نفهم الواقع المحيط بنا ما لم نملك نظرية حوله، فهناك فارق بين ما نراه، وما نفكر فيه، وما نؤمن به، والمتعلم الحقيقي هو الذي يستطيع أن يميز بينهما لأنه يتساءل دائمًا.

والتعلم الحقيقي هو معرفة الذات، فتلك هي أهم مهمة وأصعبها وليست بسيطة كما تبدو لأول وهلة، فنحن غالبًا غارقون في مغالطات منطقية، وعمليات تشويش، وآليات دفاع نفسية متعددة، فضلًا عن تسلط المجتمع، واستبداد السلطات التي تحاول قولبة الجميع وإلغاء تميز الفرد والقضاء على حريته، كل ذلك يجعل نفوسنا غريبة عنا، وتجعل حقيقتها غائبة أو مغيبة.

فالتغيير لا بد أن يبدأ من الإنسان نفسه وينتهي به، ثم بعد ذلك يتبعه الإصلاح في المؤسسات والأبنية والمجتمعات، ويصبح التعلم المستمر من المهد إلى اللحد، أو من المحبرة إلى المقبرة هو الهدف الأسمى لذلك التغيير، فلا ينبغي أن ترتبط المعرفة بسنوات الدراسة فحسب، بل تمتد طوال حياة الإنسان.

فالتعليم وحده لا يرقى بالناس، ولا يجعلهم أفضل مما هم عليه أو أكثر حرية، أو أكثر إنسانية. إن العلم يجعل الناس أكثر قدرة، أكثر كفاءة، أكثر نفعًا للمجتمع فحسب. لقد برهن التاريخ على أن الرجال المتعلمين والشعوب المتعلمة يمكن التلاعب بهم، بل يمكن أن يكونوا أيضًا خدامًا للشر، ربما أكثر كفاءة من الشعوب المتخلفة!

وبخلاف التعليم، فإن التعلم عملية تأمل؛ أي إنه جهد جواني للتعرف على الذات وعلى مكان الإنسان في العالم، مما يمنح الإنسان قوة على النفس، أما التعليم، فإنه يعطي قوة على الطبيعة. وتعليمنا في المدارس يزكي فينا الحضارة فقط، ولا يساهم بشيء في ثقافتنا، يهتم بجعل الإنسان حيوانًا اجتماعيًّا كفئًا ينتج ويستهلك، ويدخله في قبضة الصيرورة والقفص الحديدي، وتلك هي نهاية الترشيد المادي، كما يراها ماكس فايبر.

وليس السؤال في رفض العلم أو رفض العالم، فلا مفر من قبوله ومن مواكبة العصر، ولكن السؤال هل سنفعل ذلك بطريقة إبداعية أم موضوعية متلقية؟ هل سنتخلى عن هويتنا في سبيل ذلك أم سنحافظ عليها؟

فينبغي إعادة بوصلة التعليم إلى وجهته الصحيحة، فالتشوهات الخطيرة التي تنجم عن التطور غير المتوازن للعالمين المادي والروحي تتسبب حتمًا في شقاء الحياة المعاصرة وتعاستها، فإن إطار التعليم الموجود حاليًا والمتمركز فقط حول المدارس لم يعد قادرًا على التغلب على المشكلات العديدة جدًا للمجتمع البشري سريع التطور، والمفهوم الجديد للتعليم الذي يستجيب للحاجات الاجتماعية في عالمنا المتغير، كما يهتم بالجانب الإنساني وبتنمية قيم الإنسان الداخلية، وليس فقط مهاراته الخارجية فحسب، لا يحتاج لموافقة من أي سلطة قائمة، ولكنه يتطلب التطبيق بناء على ميزاته تحديًا إنسانيًا وتعليميًا من قبل الناس أجمعين.

والله أعلم

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

  • يوشيكو نومورا: التعليم التكاملى المستمر

  • محسن المحمدى : ميشال فوكو: الهيمنة باسم العقل.. صناعة السيطرة

  • على عزت بيجوفيتش: الإسلام بين الشرق والغرب

  • عبدالوهاب المسيري: رحلتى الفكرية فى البذور والجذور والثمار

تعليقات الفيسبوك