ليس مفروشًا بالزهور والورود والرياحين. كلا.. كلا، بل إنه مفروش بالأشواك، مُكَدَّس بالعقبات والمصاعب والأهوال، إنه طريق الجد والرجولة والجرأة والفداء.

إنه الطريق الذي لا يجرؤ على السير فيه ابتداءً، إلا الفذ العبقري، الذي يحمل بداخله الحلم، حلم تعبيد فجاج المستحيل؛ ليجعلها واقعًا يشعل هِممَ الناس، ذلك الفذ الذي ما أن خطا خطواته الأولى؛ حتى انطلقت خلفه الملايين من بني شعبه؛ ليقودهم نحو بناء الأمجاد. إنه طريق الريادة والزعامة.

هو الطريق الذي يرسم ملامحَه القائدُ الفَذُّ بقوة العقل، لا بكثرة العدد، فينتقل من ملحمة إلى أخرى، فنراه قد هيمن على ألباب وأفئدة الجميع، لنراه شامخًا أمام الجدار الفولاذي العالمي، يُطلق خيالَه الثري الخصب ليحدد ثغرته المناسبة التي يَنفذ من خلالها؛ ليجد نفسه مباشرة أحدَ اللاعبين الكبار الذين يشاركون في حكم العالم.

إلى الأمير تميم والرئيس أردوغان، اسمحوا لي حضرتكم أن أحدثكم عن مصر وشعبها؛ لعلي أُسهم في معالجة صورة حتمًا شابها شيء من الضباب؛ نتيجة ما شهدته أرض الكنانة في السنوات الماضية.

سمو الأمير العربي، فخامة الرئيس التركي، جيلنا هذا جيل محب للإسلام، محب للمسلمين، يفرح لأفراحهم، ويحزن لأتراحهم، شأننا في ذلك شأن كل مسلمي الدنيا. في بلادنا إذا جلس اثنان أو أكثر ليتذاكروا شيئًا من تاريخنا المعاصر، فلا شك يصيبهم الحَزن، نتيجة ما شهدته هذه الأمة من أحداث ولازالت تعيشها.

وبلا أدنى شك، لابد لنا وأن نتذاكر التجارب التي خاضتها فصائل الإسلام السياسي، وحقيقةً لدينا أمر هو من الغرابة بمكان؛ وذلك لأننا إذا ذكرنا تلك التجارب، فيكون عنوانها (تجربة عبد الناصر والإخوان، ثم السادات والإسلاميين، ثم مبارك والإسلاميين)، وفي زماننا هذا ترانا أيضًا نقول: تجربة السيسي والإخوان. حتى عن تجربة الجزائر، نقول: تجربة السلفيين والجيش الجزائري. في حين إذا ذكرنا التجارب التركية، فنقول: تجربة نجم الدين أربكان – تجربة رجب طيب أردوغان. فكانت التجارب التركية منسوبة لقائد، على عكس التجارب العربية التي نُسِبَت لفصيل تقوده قيادات عديدة تسير أفقيًا، لا رأسيًا، فيكون الجميع، سواءً في طرحه وأفكاره، بلا أثر أو تأثير، والسبب، أنه لايوجد القائد.

سمو الأمير فخامة الرئيس، في يناير2011 قام الشعب المصري بثورة على نظام مبارك، وقد تنحى بالفعل، وفجأة وجدت الفصائل الإسلامية نفسها، وقد تسودت المشهد السياسي والإعلامي، وقد فرح بذلك الشعب المصري كله أو جُلُّه على الأقل. بدأت الفصائل في إطلاق دعواتها للمليونيات من أجل تحقيق المكاسب، وقد كان ذلك مرة أو مرتين أسبوعيًا، وما خذل الشعب مرة واحدة من ناداه ليستقوىَ به. وحقيقة الأمر أن الفصائل لجأت إلى ذلك؛ لأنها لا تمتلك القدرة على تحقيق مكسب من خلال فن التفاوض، وحقيقة الأمر أيضًا أن الشعب هو الذي حقق للفصائل كل المكتسبات والاستحقاقات التي حصلوا عليها حتى وصلوا إلى رئاسة جمهورية مصر العربية.

ووالله حتى بعد أن آل الحكم إلى الإسلاميين، ما تركهم الشعب مرة، فكان ينزل إلى الشوارع والميادين ملبيًا نداءات تلك القيادات، ولا أدل على ذلك من مليونية الشرعية والشريعة، والاستفتاء على الدستور، وغير ذلك. مضى عام وقد أضاعوا الحكم. نعم، لقد أضاعوه بسهولة منقطعة النظير، مع علمهم وعلم العالم كله بما كان يُحاك لهم.

سمو الأمير، فخامة الرئيس. بعدما وثق الشعب بتلك الفصائل، وكانت ثقة بغير محلها، كان المفترض أن يتوجه الشعب باللوم والتعنيف لمن أداروا المشهد وفشلوا في إدارته، ولكن ما حدث هو عكس ذلك تمامًا، فلقد توجهت تلك الفصائل بإطلاق أبشع الألفاظ والأوصاف على كل من خالفهم بعد ضياع الحكم، وكأنه فرضٌ على الناس أن يسمعوا ويطيعوا، دون إبداء رأي أو رؤية، وكأنه الوحي يتنزل عليهم من السماء.

سمو الأمير، فخامة الرئيس! بعد ضياع الحكم، بدأوا في تدشين الكيانات، ربما كيان أو أكثر في كل عام، والتي حتمًا تعلمون بها. فلقد جاءوا إلى بلادكم، وحظَوا بدعمكم الإعلامي والسياسي.

ومن ثم سمو الأمير تميم، فخامة الرئيس أردوغان، هذا بلاغ.

وبداية أقول: إن حِنكتكم السياسية ومهارتكم في إدارة شئون بلادكم، ثم ما نعلمه نحن المصريين عن حب تحملونه لبلادنا، ذلك كله جعلنا نطمع في سعة صدوركم، فنقول بلهجة المحبين: خصومكم يدعمون حفتر في ليبيا، وبشار في سوريا، والسبسي في تونس. فلماذا لم تبحثوا عن قادة لدعمهم كما فعلوا؟ لماذا ارتضيتم لأنفسكم أن تدعموا شتاتًا متناثرًا متصارعًا فيما بينه؟ وأنا هنا لا أقصد الاستضافة وكرم الضيافة، بل أقصد الدعم السياسي والإعلامي.

لماذا لم تتكلموا معهم منذ اليوم الأول، ليحددوا خارطة عمل تتضمن خطابًا عامًا، ليخاطبوا به الشعب المصري – ليوحدوا الصف – لا ليخاطبوا شرائح خاصة في المجتمع دون الأخرى؟ لماذا لم تراجعوهم في العام مرة أو مرتين فيما أنجزوه في أشهرٍ مضت؟

لماذا لم تنصحوهم بأن ينحَّوا خلافاتهم جانبًا من أجل مصلحة مصر والمنطقة؟

لماذا لم تخبروهم أن السخرية والتطاول على المخالفين ليست إلا من شيم الصغار، لا الساسة الكبار؟

لماذا لم تعلموهم أن الكيانات الجوفاء وكثرتها تفقد القضية مصداقيتها، وتفرِّغُها من مضمونها، وتصيب الناس بالملل؟ لماذا لم تطلبوا منهم اختيار فذٍّ من بينهم ليكون واجهة أمام العالم؟

لماذا لم تعلموهم أن التركيز على التفاهات والسفاسف وعرضها على الفضائيات، ليست إلا لإلهاء الناس؟ لماذا لم تعلموهم أن الأعداد وحدها لا تكفي، إن لم تجد من يقودها؟

سمو الأمير، فخامة الرئيس! سنوات مضت، والمنطقة كلها تنتقل من سيئ إلى أسوأ، وفصائلنا التي كنا نعقد عليها الآمال قد خاب أملنا فيها، بل لقد اكتشفنا أنهم ومنذ نشأتهم ليس لديهم إنجاز واحد على المستوى السياسي، ما عندهم إلا التباهي بقضاء معظم الأعمار وراء القضبان، ما عندهم إلا التفاخر بأنهم مظلومون، (والعالم لا يحترم الضعفاء). بل لقد حدثونا كثيرًا عن المشروع الإسلامي، وتفاجأنا أنه غير موجود! بل لقد اكتشفنا أنهم كانوا ولازالوا مُستخدَمين من الداخل والخارج لتحقيق المآرب من خلالهم، فإن انتهت مهمتهم عادوا إلى السجون مرة أخرى كما كانوا. نعم، فلقد تم استخدامهم في الخمسينيات للخلاص من الملك، ثم استخدمَهم السادات في مواجهة خصومه من قُوَى اليسار، ثم استخدمهم مبارك للحكم بقانون الطوارئ والبقاء ثلاثين عامًا على عرش مصر، ثم استخدمهم السيسي لمحاربة الإرهاب. نعم، فهذا دورهم الذي يلعبونه ببراعة.

سمو الأمير، فخامة الرئيس. لذلك فلقد أصبحنا متلهفين لظهور منقذ، لعله يستطيع أن ينجو بسفينة الأوطان. ونحن نرجو من حضرتكم أن تعيدوا النظر في دعمكم الذي لم يتح لتلك الفصائل من قبل، ولكنهم لم يحسنوا استثماره، بل عزلوا الشعب عن قضيته؛ لتأخذهم الأنظمة في زاوية بعيدة ضيقة من زوايا الصراع، فتحولت القضية إلى قضية نظام وفصيل، لا قضية شعب وأنظمة جائرة. فتسببوا في تواكل الشعب بعد أن أوكل الأمر إليهم، وما كان إلا الخذلان والفشل.

وختامًا، رجاؤنا ألا يكون كلامنا هذا قد تسبب في إزعاجكم. ونرجو قبول الاعتذار والتماس الأعذار إن زلَّ القلم فخطَّ ما لا ينبغي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد