في عالمٍ موازٍ

بسم الله، أيها الشعب المصري، طاب مساؤكم. ستمرُّ الدقائق القادمة في قراءة هذا الخِطاب كسيفٍ على جسدي. لم أكن يوما أتخيلُ ولو للحظات أن أقف بين أيديكم لكي اُحاسَب غير مضطر، ولكن لخوفي على مصلحةِ هذا الوطن وسلامته. إن الأمور بدأت تنحرف عن السياق الطبيعي لدولتنا، وكل شيء أصبح خارج سيطرةِ إدارة البلاد. فالحكومة الحالية لم تعمل بجهدٍ على حلّ المشكلات الاقتصادية من زيادة معدلات البطالة وارتفاع غير مسبوق لعملةِ الدولار، وارتفاع أسعار السلع. ولم تضع الحكومة خطةً وأهدافا محددة لعلاج أمراض المجتمع الصحية والاجتماعية. بكلِّ صدقٍ، فأنا لم أبذل الجهد المطلوب منّي بوصفي رئيسًا لمصر. ويجبُ على كل مسئولٍ منّا أن يُحاسب.

قبل انتخابي، تعامل الزي العسكري بقيادتي مع جماعات المعارضة بكلِّ استهتارٍ وبكل عجز. غابت الحِكمةُ عن عقلي وفشلت في بناء حوار مع الرئيس الأسبق. نعم، الرئيس الأسبق وليس الرئيس المخلوع. تعاملنا مع الاعتصامات والإضرابات بشكلٍ عنيف وأدى ذلك إلى إزهاق أرواح لا ذنب لها؛ فلم يُذنب أحد منهم أبدا. كان حقا لهم أن يعترضوا على انتزاع أصواتهم الانتخابية بالقوة وليس بالحوار. فالرئيس الأسبق انتُخِبَ في أجواءٍ ديموقراطية عاشها هذا الشعب فرِحا ومتفائلا لبدء زمن جديد بعيدا عن الاستبداد الرئاسي من قِبَل المجلس العسكري ودخوله في سياسة مصر الداخلية وابتعاده عن وظيفته الأساسية، وهي حماية هذا الوطن وردع الأعداء.

الذي حدث في يوم الثالث من شهر ديسمبر كان انقلابا عسكريا مكتمل الأركان. اغتصبت المؤسسة العسكرية السُلطة ولم تنظر إلى ما ينتظر مصر من خرابٍ وتقسيمٍ لا يحتاجهما الشعب. كان يجب علي أن أتعامل مع الموقف بطريقةٍ حضارية وأضعُ يدي في يد الرئيس لكي يتكاتف الشعب وتتقدم الدولة إلى الأمام. تتابعت الأحداث بعد هذا الانقلاب، من قتلٍ واعتقالاتٍ مستمرة لمن يسيرُ عكس اتجاه الزي العسكري وامتلأت السجون، والتي كنت أُشرِفُ عليها بنفسي، بكل صوتٍ معارض. كُممت الأفواه كما كان يحدث من قبل، وعاد جهاز الشرطة إلى ما كان عليه ،قبل الثورةِ الحقيقية، وهي ثورةُ الخامس عشر من فبراير، من بطشٍ وعُنفٍ تجاه المواطنين، وعادت الشرطة كأسياد للشعب وليس في خدمته. أتكلم معكم الآن بكل صدقٍ لأن واجبي ،باعتباري مواطنًا قبل أن أكون عسكريا، أن أعمل لمصلحة مصر.

مشروعُ السد الجديد هو مشروعٌ جاء قبل وقته، وللأسف لم يأت بالعائد المالي الذي كّنا ننتظره وبدا وكأنهُ كذبة كبرى. وبدأ الإعلام بأمرٍ منّي يعملُ على تضخيمِ هذا المشروع، وبدأ في إنشاءِ دعاية ضخمة في مصر وبعض من البلاد العربية الشقيقة. دعايةٌ كانت أشبهُ بالسخفِ وأظهرت عدم احترامٍ لعقول المصريين. كثيرٌ من الأموال ذهبت هباءً على قناة السويس الجديدة في الوقت الذي كانت مصر وشعبها بحاجة إلى كل دخلٍ.

أنا لا أصدق أنني حتى الآن أتكلم بهذا الصدق. صيغةُ خطاب لم نتعود عليها من قبل. ولكني فكرت في الله وماذا سأقولُ له عندما أقف أمامه.

كانت مهمتي الأولى أو الوحيدة أن أتخلص من جماعات المعارضة إما بالسجنِ أو بأحكام الإعدام. كنت أدير ملف الإرهاب والذي لم يكُن لينتهي. فكلمّا انتشر الإرهاب، زادت حاجة الشعب إلى الجيش مما يؤدي إلى حُكمٍ أطول للسُلطةِ. احتكرتُ السلطتين التشريعية والتنفيذية وكنت أنوي أن أرسخ حُكما ديكتاتوريا. وأنشأتُ مجلسا شعبيّا لا يُعبرُ عن الشعب، وكان سيغطي على كل خطأ وكل جريمةٍ سأفعلها.

تحولّ موقف جميع السادة الإعلاميين. فكانوا يهاجمون الرئيس السابق في كل شيء وعلى أي شيء، أما معي فقد استغنوا عن دورهم بوصفهم محللين وإعلاميين في إظهار الحقيقة وارتدوا ثوبَ المناصر الدائم. فكان هذا خطأ كبيرا وقعوا فيه. ليس فقط هُم، بل كل موظفٍ وكل من يعمل داخل أجهزةِ الدولة كان على استعداد للنوم تحت حذاء الرئيس، وهذه ليست مصر.

وأخيرا، الواقف أمامكم الآن هو المسئول الأول والأخير عن أي شيء حدث في خلال السنتين والنصف الماضيتين.

قد سجنتُ عقولكم ولكن أنتم من سمحتم لي.

وأخيرا، كلُ معتقلٍ ومسجون الآن سيتم الإفراج عنه، والرئيس الأسبق سيكون في بيته خلال ساعات. سأدير البلاد لشهرٍ واحد, والشهر المقبل ستكون هناك انتخابات رئاسية جديدة نزيهة بمراقبة دولية صارمة.

وأقدم أنا الآن استقالتي من أي منصب سواء رئاسي أو عسكري.

تحيا مصر

وشكرا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد