لقد مثل كارل ماركس «أنموذجًا» رائعًا لملايين البشر من الطبقة الكادحة على مر السنين، فهو الذي سخّر حياته للدفاع عن حقوقهم، والانغماس في أبعد وأدق التفاصيل البالغة التي تثبت حقهم في الحياة والكسب، ولمن تكن كتاباته نظريةً أبدًا، بل هو من قال وفعل: «ظل الفلاسفة يقتصرون على تفسير العالم وقد حان الوقت لتغييره» وقد أنشأ بالفعل حركة عمالية دولية، وبشر بانهيار نظام الرأسمالية وفنده، وأكد أن وراثته حتمية من قبل طبقة «البروليتارية» التي كان عليها أن تنتظر تحقيق تباشيره حكمًا، لقد ضمت الرابطة الدولية العمالية الدولية المنشأة في العام 1864 مايزيد عن سبعة ملايين عضو، وشكلت قوةً مخيفة لمنافسيها في ذلك الوقت، إلا أن حالها لم يكن أفضل من حال الشيوعية نفسها التي بشر كارل ماركس بأنها ستحكم العالم، لقد كان مصيرها التفكك ثم الانهيار.

لقد كانت معظم أفكار ماركس رائعة إلى حد يجعل منه مبشرًا، وقائدًا، وبل حتى فاتحًا لعصور جديدة من كسر الظلم والاستعباد والتبعية.

في السنوات التي تلت موت ماركس كان هناك رجل آخر لا ينتمي إلى طبقة الاقتصاديين بالمعنى الحرفي للكلمة، لقد كان الرجل مهندسًا هاويًا، ابتكر عصا لمضرب الغولف وطور شكل شبك لعبة التنس، ثم عمل عاملًا عاديًا في مصانع الحديد، وانتمى لذات الطبقة التي ظل كارل ماركس يقاسي و يكافح من أجلها، لقد كان ابنًا لمحامي هو الآخر كماركس تمامًا، إلا أنه لم يدرس الفلسفة ولم يصادق شخصيات كـ«أنجلز» الفيلسوف الذي استظل بصورة ماركس القائد الملهم، وسانده في معظم نظرياته.

لم يبشر المهندس فريدرك تايلور بانتهاء المصانع وابتكار نماذج إنتاج أخرى، ولم يجعل من نفسه قائدًا لطبقة من الكادحين، بل هو حتى لم يُصرح ولم يكتب بيانًا ولم يلهم الجماهير، بل طبق مقولة ماركس حرفيًا: «لقد ظل الفلاسفة يحاولون تفسير العالم وقد حان الوقت لنبدأ بالتغيير»، حتى دون أن يدرك ذلك، فالرجل لم يفلسف الأمور، ولم يضع نظريات لتغيير العالم (رغم أنه غيره بالفعل)، لقد حاول فقط أن يحسن من حياة العمال في المصنع وأن يزيد من إنتاجيتهم من خلال مبادئ أساسية عرفت في ما بعد بمبادئ الإدارة العلمية، فبدأ بتقسيم المهام – الذي تحدث عنه اقتصاديون آخرون بطبيعة الحال – عمليًا، واهتم بتدريب العمال، ودرس الوقت والحركة لكل مجموعة من العاملين، ووضع نظامًا للحوافز والأجور كفل للعامل أن يكتفي تلقائيًا عن الانخراط في حلم وراثة المستقبل بعد موت الرأسمالية وانهيارها وأن يبذل مزيدًا من الجهد في إنتاج سلع إضافية تنعكس على حياته وأسرته أجرًا إضافيًا.

لكارل ماركس في كتابه المعنون: «برأس المال» الممتد حتى 2500 صفحة، حجة على كل من يتهمه أنه لم يبحث في التفاصيل، بل والتفاصيل الدقيقة لدرجة الملل، لقد بشر بنهاية الرأسمالية معتمدًا على جدلية تاريخية حيّة، ستمتد لترث الشيوعيةُ العالم حتمًا، ولقد طُبقت نظرياته على نطاق واسع فعلًا، فقد تعرضت أوروبا لكوارث صناعية، وتابع لينين بتطبيق نظامه في روسيا ودول أخرى، وتبنت حزمة واسعة من الدول النامية ما يقول، إلا أن النتيجة كانت ضياع الصناعة المحلية وتدهور جودة الإنتاج في الدول الاشتراكية، لتظلّ أفكار أنجلز وماركس ولينين وأمثالهم جملًا رنانة يرددها الرفاق بغير فهم، وصار حفظ هذه الأفكار والتغني بها هو مقياس الأداء، وسبب الترقي الوظيفي، وأليس هذا ما فعله ماركس نفسه مع «ويتلنج» الخياط الألماني الذي سجن وعذب وسحب بالسلاسل من أجل أفكار ماركس، حين جاءه زائرًا ليعرف أكثر عن العدالة والمساواة ففاجأه ماركس بأسئلة عن مبادئ الاشتراكية العلمية، ثم صرفه لأنه لا يحفظ منها شيئًا؟

على الجانب الآخر كانت الإدارة العلمية في مصانع أمريكا تضيء شعلة عملية للعمال، فتقرب العامل ذا الإنتاجية الأعلى وترقيه، وتطور أداء العامل الضعيف، وتضع معايير دقيقة لقياس الأداء وتطويره، ورغم أن أفكار تايلور لم تكن حركة إصلاحيةً اجتماعية، إلا أنها كانت نداءً عمليًا واقعيًا وفنيًا يكسب من خلاله العمال مزيدًا من الأجور، ويحققون ذواتهم من خلال التطور الوظيفي، لقد ساهم علم الإدارة الذي طور في أمريكا وأوروبا واليابان بترسيخ النظام الذي حاربه أنجلز وماركس، وظل ترديد الأفكار الواقعية والتفصيلية الجميلة التي جذبت الحالمين نظامًا مثاليًا سرعان ما كتب له الانهيار بسبب سوء تنظيمه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد