الحريري وخاشقجي جريمتان هزتا العالم بأسره

13 عامًا تفصل بين جريمتين هزتا العالم بأسره، الأولى كانت جريمة اغتيال رفيق الحريري وسط بيروت في 14 فبراير (شباط) 2005، الجريمة التي هزت وسط بيروت وأحدثت دمارًا وقتلًا هائلًا، كان وقعها شبيه بزلزال، استوديوهات الفضائيات اللبنانية المختلفة التي كان بعضها يبث برامج عن الطبيخ والريجيم والفن في بث حي ومباشر انتبه المشاهدون لقوة ما حدث وأحدثت إرباكات للمذيعين والمضيفين، قتل الحريري أعقب قرارًا لمجلس الأمن الدولي بأشهر يدعو صراحة لسحب سلاح حزب الله وأي سلاح غير لبناني أي بإشارة ضمنية للتواجد الفلسطيني المسلح وانسحاب الجيش السوري من لبنان، قيل أن القرار بجانبه اللبناني طبخ بين رفيق الحريري ووليد جنبلاط والمطران نصر الله صفير آنذاك الذي كان على رأس البطريركية اللبنانية المارونية وقتها، أحدث القرار هزة عنيفة في أوساط القوى اللبنانية الحليفة لسوريا وإيران، وصل صدى القرار لكل من طهران ودمشق التي كانت مهددة بغزو أمريكي شبيه للغزو الأمريكي للعراق، اشتعل غضب حلفاء سوريا على الحريري كونه السياسي الأكثر نفوذًا في لبنان ومن السياسيين أصحاب التأثير في العالم العربي، الرجل كان الحليف الأول للسعودية في لبنان ومن الوجوه النادرة التي كانت تحظى بإجماع إقليمي وعربي ودولي، الرجل كان مسالمًا ليس عنده مليشيات ولا مسلحين ولم يشر إليه أي دور مسلح أو عنيف في الحرب الأهلية اللبنانية، من الوجوه النادرة التي حظيت بقبول سعودي سوري أو قبول إيراني أمريكي وحتى إسرائيلي بشكل ضمني.

الحريري وخاشقجي والتقاطعات والتناقضات الإقليمية والدولية

نتيجة كل هذه التقاطعات والمتناقضات التي اجتمعت في بيروت، قتل هذا الرجل، من قرر استهدافه أراد ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد، هذا ما أخبرتنا به طريقة الاغتيال العنيفة ومكانها وساعتها، كان بإمكان من قتلوه قتله أو تصفيته بطريقة باردة لا تحدث ضجة وكل هذا الكم من الدمار، حوالي طن متفجرات تم إعدادها لشخص واحد مستهدف فقط، لكن قتل معه 14 شخصًا آخرين وأصيب العشرات، أراد القاتل إحداث خوف وصدمة ورعب وإخافة المعارضين الآخرين لسلاح حزب الله والتواجد السوري في لبنان، تزامن ذلك مع مقولة أن سلاح المقاومة خط أحمر وكل الشعارات التي رافقته والتي حملت في طياتها حملات تخوين وتكفير ومصطلحات تهديدية تصعيدية لم يسبق للصحافة اللبنانية أن تناولتها.

كان الهدف الثاني لعملية الاغتيال إيصال رسائل قوية إلى كل القوى الدولية الفاعلة في الملف اللبناني على رأسهم السعودية والأمريكيين والفرنسيين بأن لا قوة أولى في لبنان غير المحور الإيراني، أما الرسالة الثالثة فكانت ذات بعد وصبغة طائفية هدفها توضيح قوة خط التشيع السياسي في المنطقة والذي أطل برأسه بعد سقوط النظام العراقي وبروز الشيعة كقوة أولى في العراق توالي إيران عقائديًا وسياسيًا وتعادي كل من يعاديها وتوالي كل من يواليها، يمكن القول أن الفوضى الخلاقة قد بدأت بغزو العراق وليس كما يريد البعض من أقلام أنظمة الاستبداد العربية أنها بدأت بموجة الربيع العربي أواخر عام 2010 في تونس.

تلى اغتيال الحريري موجة اغتيالات طالت سياسيين وصحافيين معارضين للتواجد السوري في لبنان أبرزهم السياسي الشيوعي جورج حاوي أحد قادة الحركة الوطنية اللبنانية التي قاتلت مع الفلسطينيين ضد الغزو الإسرائيلي للبنان وضد القوى المسيحية الانعزالية التي تحالفت مع النظام السوري أواخر السبعينات لترتمي في أحضان إسرائيل بعد ذلك، الصحافيان جبران تويني وسمير قصير ذوا الأصول الفلسطينية أيضا طالهم الاغتيال، سلسلة اغتيالات عنيفة كلها عبر تفجيرات قوية بهدف إحداث الرعب والصدمة في صفوف الخصوم السياسيين وهو ما يسمى بالمفهوم الأمني الإسرائيلي عملية «كي الوعي» أو النيكروبوليتكس Necropolitics أي سلطة الحياة والموت وهي السلطة السياسية والاجتماعية التي يحكم أصحابها على بعض الناس بالحياة وكيف سيعيشون والبعض الآخر بالموت ومتى وكيف سيموتون كما وصفها البروفيسور وأستاذ علم السياسة الكاميروني أشيل مبيمبي، هي نظرية من حيث لا تعرفها تستخدمها الأنظمة الشمولية الاستبدادية مع معارضيها السياسيين ودائما ما يكون هذا الخصم ضعيف بالمعنى المادي والجسدي لكنه يمتلك قوة تهدد عرش هذه الاستبداديات تتمثل في قلمه خصوصا المعارضين أصحاب المواقف المبدئية والعقول النيرة.

قتل الحريري نتيجة صراع مرير بين ما عرف بمحور الممانعة الذي تقوده إيران في الشرق الأوسط والمحور العربي المعتدل الذي تقوده السعودية، محور ثالث سيتنفس الصعداء عقب أحداث الربيع العربي هو المحور التركي القطري الذي دعم بقوة الربيع العربي، خاشقجي من أبرز داعمي الربيع العربي الذي وقفت السعودية ضده بكل ما أوتيت من قوة ومال ودعمت ما بات يعرف بالثورات المضادة كانت أولى نتائجها في مصر بعد انقلاب السياسي على الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، وقف جمال ضد توجهات بلده بحصار قطر وتأزيم العلاقات مع تركيا، كان يعتقد أن ذلك سيخدم المشروعين الإسرائيلي والإيراني في المنطقة وسيخلق مزيدًا من التفسخ والضعف العربي والإسلامي، فيما دعا لمزيد من الإصلاحات في بلاده.

السعودية من ضحية في جريمة اغتيال الحريري إلى مجرم ضمنيًا في جريمة قتل خاشقجي

في جريمة اغتيال الحريري كانت السعودية ضحية، بعد 13 عامًا سترتكب السعودية جريمة ضج بها كل العالم تمامًا كجريمة اغتيال الحريري وهي جريمة قتل الصحافي السعودي المنشق جمال خاشقجي لتصبح في موقع المتهم والمجرم ضمنًا، ما يجمع الحريري وخاشقجي أن كليهما من المدرسة السعودية وكليهما مثلا الوجه الجميل والناعم للسعودية وكليهما حظيا بشهرة عالمية واسعة وفتحت لهم أبواب البيت الأبيض وعالم الصحافة الغربية، مع فارق أن الحريري سياسي صرف ورجل أعمال في حين خاشقجي سياسي وصحافي وأكاديمي ويتعامل مع السياسة كعلم.

ذهل العالم والصحافة الامريكية تحديدا بهذا الكم من الحقد والفوضى التي تدار بها السعودية، لم يتصور أحد أن تقتل بلد مواطنًا في داخل سفارته وكما يقال بالعامية العربية «على عينك يا تاجر»، تم إحضار فريق اغتيال متخصص بحسب الصحافة التركية والتي تفننت عبر السياسيين ورجال الأمن الأتراك بتسريبات يومية حول الجريمة حتى تبقى مشتعلة وتبقى محط اهتمام وأنظار الصحافة العالمية والأمريكية تحديدًا، صدم العالم لأن خاشقجي لم يكن معارضًا بمعنى الكلمة وهو ابن المؤسسة الرسمية السعودية والتي طالما خدمها لعقود بكل أمانة وإخلاص إلى أن صعد بن سلمان لسدة ولاية العهد، إذ لم يكتفِ بأن تكون صامتًا بل يجب أن تكون مسبحًا ومهللا لحمده ولكل حماقاته، فما بالنا في المعارضين؟! سجن وقتل وعذب دعاة ورجال دين وعلوم واقتصاد سعوديين وارتكب انتهاكات واسعة فيما طرح نفسه كمنقذ وبانٍ لنهضة السعودية الحديثة التي روج لنفسه من خلالها للغرب خاصة ترامب، الذي يقترب المبلغ الذي قام بتغريمه للسعودية تريليون دولار!

أسئلة صعبة حول ظروف اغتيال خاشقجي

الطريقة التي اغتيل بها خاشقجي داخل قنصلية بلاده تشي إلى مدى العنجهية والغطرسة، أو إلى مدى الغباء المطلق أو كلا الأمرين معًا، هم يعرفون ويدركون جيدًا أن العالم اليوم كله محاط بكاميرات تصوير مكشوفة وغير مكشوفة وأرضية وحتى فضائية، وضابط أمن صغير سيدرك ويقتنع أن قتلًا بهذه الطريقة فضيحة عملياتية لوجستية مهنية بمعزل حتى عن البعد الأخلاقي والقيمي لأن الأمن والأخلاق عدوان لدودان، لكن ما الذي دار في رأس ابن سلمان وفريقه؟ كيف فكروا وكيف اتخذوا القرار؟ هل اعتقدوا أن تركيا جمهورية بلح أو موز مثل بعض حلفائهم؟ هل اعتقدوا أنه بالمال يمكن إغلاق أي قضية بالدنيا؟ هل بنوا آمالًا على الأزمة التركية الأمريكية وتحيز إدارة ترامب للسعودية؟ هل راهنوا على كمية الأموال التي شفطها ترامب كفيلة بإسكاته؟ هل اعتقدوا أن تركيا متخلفة أمنيًا وتكنولوجيًا؟ ألم يعرفوا ما معنى أن يكون خاشقجي كاتبًا وله عمود رئيسي في الواشنطن بوست ويعتبر من الأصوات العربية المسموعة والتي يأخذ برأيها في واشنطن في مؤسسات الأمن وصناعة القرار السياسي والمؤسسات البحثية والأكاديمية؟ ألم يعرف ابن سلمان أن هناك حملة انتخابية للكونغرس الأمريكي وحجم التنافس الحميم بين الديموقراطيين الذين سيستغلون الحادثة للضغط على ترمب والمزايدة عليه ؟

خاشقجي والحريري ومصير المتهمين بالاغتيال

أعتقد أن فريق الاغتيال السعودي الخمسة عشر الذين نشرت الصحافة التركية أسماءهم واحدًا واحدًا مع وظائفهم سيتم تصفيتهم واحدًا واحدًا سواء انتهت الأزمة بصفقة سياسية مع تركيا والولايات المتحدة أم لم تنته، كل الأسماء التي ورد ذكرها باغتيال الحريري تم تصفيتهم واحدًا واحدًا، كانت الافتتاحية بوزير داخلية سوريا أنذاك غازي كنعان الذي أعلن في دمشق أنه تم العثور عليه منتحرًا قرب سكة القطار عقب اغتيال الحريري بأشهر عام 2005، مرورًا باغتيال عماد مغنية وسط دمشق قرب أحد المراكز الاستخبارية السورية، وانتهاءً باغتيال مصطفى بدر الدين الذي اغتيل منذ ما يقرب من عامين في دمشق في ظروف غامضة أيضًا، لأن وقوع أحد طاقم بن سلمان في يد أحد أجهزة الأمن الأوروبية ولو من قبيل الصدفة قد يتسبب بجر ابن سلمان إلى المحكمة الدولية بتهمة ارتكاب جريمة ضد الإنسانية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد