بين عالمين، عالم نائم وعالم مجنون

مر نيوتن على عين ماء فشرب منها فقال ماء عذب، عذب.. بعد قرون مر «قدور» على عين الماء نفسها فشرب منها فوجد ماءها مالحًا، فقال ماء مالح، مالح.
اتهموا قدورًا بالجهل، فكيف لقدور أن يكذب عالمًا كنيوتن، تعلقوا بجاذبية السابق واسمه، وأنكروا حقيقة اللاحق لأن اسمه قدور، ولا يملك في ساحة العلم إلا لسانًا ذاق ملحًا، فقال حقًا.
هم كذلك شربوا من الماء ووجدوه مالحا، لكنها حقيقة ستزيل أهمية مكانهم السياحي، وستزيل هيبة عالم مر من هناك واسمه نيوتن، ففوق عين الماء تلك، كتب نيوتن توقيعه وقال فيه، من هنا مر نيوتن، وشرب ماءً عذبًا.

لكن الطبيعة غيرت معالم الذوق بعد سنين من الزمان، وارتأت أن يصبح الماء ملحًا أجاجًا، المنهج والعرف العلمي دأب على حقيقة مفادها أن الماء عذب، وأي حقيقة معارضة مهما كانت منطقية فهي ضرب من الجنون، تزال به هيبة عالم شهير، يأكل من وراء اسمه الوهاج في هذه القرية عديدون، بدءًا من رجل السلطة، مرورًا بالمركز العلمي المقام على شرف العالم الذي مر يومًا من هناك، مرورًا بالحرس الذين يحرسون المكان، وصولًا بالشاويش الذي يقتات من هنا وهناك، سلسلة مصالح يريد قدور أن يهدها بذوقه الجريء.

خلص اجتماع القيمين إذًا، على وصم قدور بالجنون، بل أعانوه عليه، وأحاطوا تلك العين المائية سياجًا من حديد، لا يشرب منها إلا من كان على نهج نيوتن، وصدقه، حتى ولو خالفت آراء نيوتن منطقه.
كان نيوتن محقًا بمنطقه الذي وازى ظروف الطبيعة في زمانها، لكن بتغير ظروف الطبيعة صار رأي نيوتن متجاوزًا، والحق ما قاله قدور، لكن الناس لجهلهم وهواهم ومصالحهم، تتبع الأسماء لا منطق الأشياء الحالي، كان عليهم بحث الطبيعة لم تغيرت، لا الجمود في منطق نيوتن، وتكذيب قدور.

هكذا نتعامل نحن، سواء كنا متخلفين أو متقدمين، في العالم المتخلف نعبد الأسماء الوهاجة، ونتلوها بمنطقها النسبي المتغير، ونجعلها منطقا يساير كل العصور، مع أنه منطق انتجه عقل بشري، لا عقل رسول أو نبي له ارتباط بالله عز وجل صاحب الحقيقة المطلقة، وحده الوحي المحكم المحفوظ من التغيير والتحوير هو الصالح لكل زمان ومكان؛ لأنه آت من خالقهما، الأدرى بهما معًا، ما دون ذلك كله خاضع للدرس والمنطق والتغيير، لا قداسة لفكر العلماء والفقهاء والمفكرين، ما دامت رؤاهم درست منطقًا متغيرًا، وانطلقت من بنات أفكار قد تخطئ وتصيب، لقد جعل لنا الله هامشًا لإعمال الأفكار والتجاذب والنقد المتبادل، لكن بعض علماء السلطان، قيدوا الفكر ووضعوا حدودًا، فجمدت الأمة ونامت سنين وقرونًا، وجاء خلف عبدوا أسماء العلماء، وتوهموا فيها الحقيقة المطلقة، لدرجة نسوا أن الحقيقة بين دفتي القرآن وحكمة الرسول المثمتلة في السنة الصحيحة، وأن للعلماء اجتهادًا قد يصيب في زمانهم ويخطئ في زماننا، وأن عليهم الرجوع لمصدر الحقيقة الثابت للتجديد وتحيين الاجتهادات.

كذلك كان حال المتقدمين، عبدوا آراء الفلاسفة وعلماء ومفكري الأنوار، عبدوا آراء فرويد وداروين ونيتشه، لدرجة التقديس، وأن أي باحث يكذب نظرية أصل الأنواع، يُحكم عليه بالتهميش والنبذ، ويوصف بالجهل والبعد الأكاديمي وكلام الصالونات والمؤامرة، مع أن آراء أولئك نسبية قد توافق منطقًا ساد، وتخالف منطقًا سيسود يومًا ما، لقد صار العلم الغربي بعد أيام العز والتمحيص الجاد، مجرد رؤى تتحكم فيها الرأسمالية، فإن ساير هواها نُشر وأعلن، وإن لم يساير حورب وهمش.

بهذا أصبحنا بين دفتي عالمين، عالم أطفأ القناديل ونام، ولم يعد يهتم بعلم وقرآن، بل يهتم بشكليات الدين لا بجوهره، يغوص في تفاصيله ولا يحقق مقاصده العليا، وعالم آخر أشعل أنوار العلم بقوة، لم نعد نرى فيها شيئًا، لكثرة الضوء الصادر الذي يزعج الرؤية، صار العلم يتجاوز الإنسان ويسبقه، ولم يعد يتلاءم وتكوينه وقدراته، علم يريد من الإنسان أن يصبح آلة فقط لا تعرقله روح ولا مشاعر ولا عواطف ولا وجدان.
في ظل الظلمة والضوء المزعج نبحث عن نور مريح وضاء فهل سيأتي؟

*ملحوظة: قصة نيوتن التي أدرجت متخيلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد