لم يكن تزامن صعود صدام حسين والخميني للحكم صدفة، بل كان ذلك بتدبير أو تسهيل من الولايات المتحدة الأمريكية. كان بإمكان أمريكا أن ترفض صدام حسين أو لا تعترف بحكمه فيسقط في ساعتين، وبالضبط ما حصل في إيران، فلقد تخلت أمريكا عن شرطي الخليج، وهو الشاه محمد رضا بهلوي، ولم تعترض طريق الخميني. هذا لا يعني أن الخميني لم يكن قائدًا، وليس له أي دور يُذكر، بل يعني أن تسهيل وصوله للحكم كان بتأشيرة أمريكية، ولو لم تكن أمريكا تريد له ذلك، لما سمحت له أن يسجِّل تسجيلاته الثورية من باريس ويرسلها للإيرانيين، لحثِّهم على الثورة ومن ثمَّ نقله بطائرة فرنسية وإنزاله في إيران ليكون الحاكم الأوحد.

في سنة 2003 قررت أمريكا إسقاط نظام صدام حسين فعليًّا، بوصف العراق دولة من دول محور الشر ودولة مارقة بالعرف الأمريكي. نعم كان صدام مجرمًا طاغية قاتلًا إلا أن الأمريكيين لم يغيروه بسبب ذلك وهم مَن جاؤوا به وجاؤوا بكل الديكتاتوريات في بلداننا.

كانت هناك نيَّة لخلق شرق أوسط جديد على الطريقة الأمريكية، وهكذا بدأت أمريكا بإسقاط عملائها واحدًا تلو الآخر، بدءًا بصدام وانتهاء بحسني مبارك… لا أريد الخوض بتفاصيل ذلك؛ لأن هدفي هنا توضيح سريع لما يجري في اللحظة الراهنة.

في سنة 2011 بدأت الحرب الدولية على الأراضي السورية، وكان لأمريكا وروسيا وإيران وتركيا الحظ الأوفر في هذه اللعبة، وقد استحوذت روسيا على حصة الأسد، وأصبح الأسد الحاكم موظفًا صغيرًا يديره ضابط روسي متغطرس!

انتقلت بعدها المعركة إلى الأراضي الليبية، وكانت بين قوتين، روسيا وإسرائيل ومصر والإمارات وفرنسا الداعمة لقوات حفتر من جهة، وتركيا وبعض حلفائها الداعمة لحكومة الوفاق المعترف بها دوليًّا من جهة أخرى، والتي تمَّ سحب الشرعية الدولية منها قبل فترة وجيزة من قِبل الأمريكيين، وكانت الحرب هناك حربًا بالوكالة! المقاتلون لصالح تركيا على الأرض كانوا سوريين والمقاتلون لصالح روسيا سوريين أيضًا، يا لها من مفارقة عجيبة! انتهت المعركة على الأراضي الليبية لصالح تركيا وطائرتها المسيرة (البيرقدار). بعدها انتقلت المعركة إلى أذربيجان فكانت تركيا داعمة لأذربيجان وإيران وروسيا داعمة لدولة أرمينيا، وانتصرت أذربيجان وتركيا هناك أيضًا. أما البحر الأبيض المتوسط فقد أصبح مليئًا بجيوش العالم المختلفة والتحالفات المتضاربة ولا يفصلنا عن الحرب هناك سوى ضغطة زناد من مجنون!

منذ سنة 2003، أي لحظة سقوط صدام حسين، استطاعت إيران أن تفرض نفوذًا أكبر لها بالعراق ولبنان وسوريا واليمن وفلسطين، وخلقت تحالفاتٍ مع كل القوى المتطرفة الشيعية والسنية. أمريكا لم تسعَ لتحييد النفوذ الإيراني؛ بل ساهمت في توسعها وغضِّ الطرف عنها في ساحات عديدة، ولذلك مآرب عديدة ليس محلَّها هنا… وأخيرًا عقدت إيران تحالفًا إستراتيجيًا مع دولة الصين الشيوعية (الملحدة) بعدما بدأ التنين الصيني يبثُّ ناره في الكوكب ويتقدم بسرعة فائقة. كانت أمريكا العجوز تستنزف قوتها في مناطق عديدة من العالم والصين تتقدم، وهذا يعني أن أمريكا لم تحسب حسابًا للصين بالشكل الصحيح وأخطأت تقديراتها، أو أنها هي مَن سمحت بذلك وفق خطط طويلة الأمد، كما عبَّر عنه كيسنجر ثعلب السياسة الأمريكية حينما قال بأننا – أي الأمريكيين – سمحنا للتنين الصيني والدب الروسي بالصعود والانتشار في بعض مناطق نفوذنا، ونحن قاصدون لذلك، وسنضربهم ضربةً قاضية بعد حرب كبيرة، سيكون الأمريكيون فيها هم المنتصر الوحيد، ونشكِّل (الحكومة العالمية الواحدة).

في نهاية سبعينيات القرن المنصرم سيطر الاتحاد السوفيتي على أفغانستان بقوته الهائلة إلا أنَّه واجه مقاومة شرسة من سكَّان الجبال والكهوف والقرى. قامت أمريكا بتزويد هذه الحركات الجهادية بالأسلحة والتمويل والتدريب والمعلومات الاستخباراتية، واستطاعت في النهاية هزيمة الدُّب الروسي. في سنة 1994 تشكَّلت حركة طالبان، وخاضت معارك عديدة. واستطاعت فرض هيمنة لها في مدة وجيزة، وحكمت البلاد لسنوات معدودة.

لم ينتهِ الاحتلال للأراضي الأفغانستانية بانسحاب القوات السوفيتية، بل جاء الأمريكيون بعد عدة سنوات من حروب طاحنة، وبالتحديد بعد حادثة 11 سبتمبر (أيلول) 2001,  وسيطروا على أفغانستان بحجة محاربة (الإرهاب العالمي) وحيَّدوا طالبان وأقصوهم عن الحكم، واستطاعوا تشكيل حكومة تابعة لهم، وأسَّسوا جيشًا تحت رعايتهم وتدريبهم. في السنوات الأخيرة، قررت أمريكا، بعد خسائرها الفادحة ويأسها من حلِّ الأزمة الأفغانية، إرجاع حركة طالبان وتعزيز قوتها، وبدأت بمفاوضات مع قادتها، خاصةً في نهاية حكم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سنة 2020. كانت المفاوضات في دولة قطر المقربة من الجميع، بما فيهم إيران وتركيا وأمريكا وإسرائيل!

انتهت المفاوضات في تلك السنة بعقد (صفقة) بتعبير ترامب، وعمادها الانسحاب الامريكي من أفغانستان. قررت أمريكا الانسحاب من أفغانستان مع صعود بايدن، وبمجرد بدء الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ظهرت حركة طالبان بقوة وشراسة وبدأت تقضم المناطق واحدةً تلو الأخرى مع انهيار فادح للجيش الأفغاني وهروب فاضح لجنوده، ولم يتبقَ الكثير حتى تسيطر على أفغانستان بشكلٍ تام. أتصور أن ذلك لم يكن ليتم لولا خطة أمريكية محكمة في هذا السياق.

ربما ستكون طالبان الرمح الأمريكي لضرب التوسع الصيني من جهة والإيراني من جهةٍ أخرى؛ إذ إن الصين وإيران تربطهما حدود مع أفغانستان. رغم ما يظهر من استضافة طهران لقادة حركة طالبان والحكومة الأفغانية المنهارة على أنه يمثِّل علاقةً جيدة بين إيران وطالبان إلا أن الحقيقة مختلفة. إن حركة طالبان لا تثق بإيران وأيام حكمها واجهت عداء إيران، وإيران أيضًا لا تثق بطالبان على رأس السلطة في أفغانستان المجاورة. لم تكن إيران تتصور أن يحدث هذا السيناريو المفاجئ، لذلك بدأت بحشد جيوشها على الحدود الأفغانية ودعم الميليشيات الموالية لها في أفغانستان مثل ميليشيا (فاطميون). ربما ستبدأ إيران بسحب بعض ميليشياتها من العراق وإرسالها للحدود الأفغانية إذا اقتضت الضرورة لقرب المسافة وسهولة التنقل.

كل ما تكلمنا عنه أعلاه هو عمل مخابراتي بحت. في هذه الأيام يحكم في العراق رئيس جهاز المخابرات الوطني مصطفى الكاظمي. وقبل أيام اجتمع مع ملك الأردن ورئيس مصر في بغداد لإتمام (مشروع المشرق الجديد). لن أتكلم عن هذا المشروع لأن الكلام فيه يحتاج إلى تفصيل، لكني أود الإشارة إلى أن هذا المشروع مهم للأمن القومي لهذه الدول الثلاث، وهو بالطبع يسير باتجاه التحالف الغربي. كل المؤشرات القائمة في اللحظة الراهنة تشير إلى بقاء الكاظمي في الحكم وعدم إجراء انتخابات مبكرة إلا إذا حصل أمر خارج الحسابات.

كان ملف العراق يُدار من قِبل أمريكا بشكلٍ مباشر، وبعدما قررت أمريكا التوجه بجدية للملف الصيني، قامت بتسليم الملف العراقي لفرنسا، وكان ذلك في بدايات وصول الكاظمي للحكم، ثم قررت تسليمه لبريطانيا بعد ذلك. لذلك نرى اليوم تصريحات السفير البريطاني هي المهيمنة على الساحة العراقية. لفهم المستقبل العراقي بشكلٍ أفضل علينا فهم السياسة البريطانية وتاريخها، ولمقتدى الصدر حظ في هذه المعادلة، التي تحتاج توضيحًا مستقلًّا.

أخيرًا: إذا أردنا فهم كل ما تقوم به أمريكا في أي بقعة من العالم فلنبحث عن الصين وتأثيرها في تلك البقعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد