تعجب الكثيرون مما ذكرته في المقال السابق «استيقظنا ولم ننهض» من توقعات بشأن إمكانية نهوض الأمة خلال «20 عامًا»! وأحسب أنني مدين لهم بتوضيح لهذا:

وقد بني هذا التوقع على معطيات ثلاث، هي:-

  • قصة التتابع الحضاري

من المسلم به أن التاريخ لا يحابي أحدًا، بل هو يرصد بكل تجرد ما حدث في سابق الأزمان لجميع الأمم من صعود أو هبوط، من نهضة أو انكسار. لذا فإن معرفة تاريخ الحضارات في صورته الزمنية، يعطي المتأمل شيئًا من الإحساس بأن العالم لم يبدأ من هذا القرن، بل هو فعل تراكمي، يضاعف في كل مرة من رصيد البشرية، ويجعل كل قفزة جديدة تبدو وكأنها القفزة التي لا تضاهيها قفزة أخرى. وإليك تعاقب الأمم والحضارات وتداولها بين الشرق والغرب[1]:

بياني

يتضح من الشكل أن هناك حضارتين فقط ما زالتا مستمرتين، وهما الإسلامية والغربية الحديثة. والحضارة الإسلامية وإن كانت تعاني من الكثير من المشاكل حاليًا، إلا أنه من الممكن إعادة إحيائها لضمان عودتها إلى المنزلة التي تليق بها. وقد سعت العديد من الدول الإسلامية في العقود الأخيرة إلى محاولة بناء نهضتها الخاصة، وقد نجحت بعض التجارب، في حين لم يكلل مسعى البعض الآخر بالتوفيق. ولا شك في أن نجاح البعض يعطي الأمل للآخرين.

  • تجارب النهضة المعاصرة

في العقود الأخيرة ومنذ بدايات القرن العشرين، استطاعت العديد من الدول الغربية والإسلامية بناء نهضتها الخاصة في سنوات معدودة، وهذا يظهر جليًّا في الجدول التالي:

جدول 1

ويلاحظ من الجدول تراوح مدة نهوض هذه الدول ما بين 10 إلى 30 سنة. والعامل الأساس في عدد سنوات النهضة لكل منها يعود إلى مدى استعداد كلٍّ منها، وكذا الوضعية التي انطلقت منها بالإضافة إلى طريقة تعاملها مع الصعوبات التي واجهتها «ولا يخفى على أحد أن اليابان وألمانيا كانتا محطمتين تمامًا قبل الشروع في بناء نهضتهما الخاصة».

ونظرًا لما تتمتع به الدول الإسلامية من قدرات وإمكانات لو أحسن استغلالها لتحققت النهضة المرجوة في زمن يقارب ما حدث مع الآخرين.

 

  • الواقع الحالي للدول

استنادًا إلى ترتيب الدول في تقرير التنافسية العالمي، والذي يتم فيه احتساب إمكانات الدول بناءً على درجات مؤشرات تقوم على جمع البيانات العامة والخاصة المتعلقة بنحو 12 فئة أساسية، تضم: «المؤسسات، والابتكار، وبيئة الاقتصاد الكلي، والصحة والتعليم الأساسي، والتعليم الجامعي والتدريب، وكفاءة أسواق السلع، وكفاءة سوق العمل، وتطوير سوق المال، والجاهزية التكنولوجية، وحجم السوق، وتطور الأعمال والابتكار».

جاء ترتيب بعض الدول العربية والإسلامية خلال السنوات الخمس الأخيرة فيه كما يلي[2]:

جدول 2

ويلاحظ في الجدول السابق أن هناك دولًا استطاعت تحقيق مرتبة متميزة، بل وتفوقت على بعض الدول المعروفة بالتقدم الآن، كما يلي:

1- الإمارات وقطر وماليزيا أفضل من الصين التي جاءت في المركز (25).

2- السعودية أفضل من إسرائيل التي حلت في المركز (27).

3- الكويت والبحرين وإندونيسيا أفضل من إيطاليا التي جاءت في المركز (43).

4- عمان والمغرب والأردن أفضل من البرازيل التي احتلت المركز (75).

وهي مؤشرات إن دلت فإنما تدل على وجود نهضة في بعض الدول العربية والإسلامية، والتي يمكن استثمارها على النحو المرجو في تعزيز فرص نجاح النهضة المرجوة.

وبالرجوع إلى ذات التقرير السابق الإشارة إليه، ودراسة موقف دولنا العربية والإسلامية مقارنةً ببعض الدول الغربية المتقدمة في بعض المجالات، كان ما يلي:

جدول 3 جدول 4

من خلال هذا الجدول تتضح معالم الصورة الخاصة بالدول، ونجد فيها ملاحظات هامة، هي:

1- بالنسبة للمتطلبات الأساسية، نجد أن قطر والإمارات أفضل من أمريكا وألمانيا واليابان وإنجلترا.

2- في كفاءة سوق العمل، نجد أن الإمارات وقطر والبحرين أفضل من اليابان وألمانيا.

3- في جودة التعليم الابتدائي، يتضح أن الإمارات وقطر أفضل من أمريكا وإنجلترا.

«يتضح أيضًا مدى ما نعانيه في التعليم العالي والابتكار، ولعل هذا أحد الأسباب الرئيسية لأزمتنا، ولكنه أمر آخر ربما نتناوله مفصلًا فيما بعد».

لا ينبغي أن تمر نتائج هذه المؤشرات دون أن نسارع بالنظر فيها مليًا لندرك أن الفجوة ليست بالمستحيلة، بل هي ممكنة إن توافرت المتطلبات اللازمة لها، وإن استفدنا من قدراتنا الأساسية.

  • القدرات الأساسية التي تتمتع بها الأمة

تتمتع الأمة بالعديد من القدرات والإمكانات المتنوعة التي تحتاج إلى حسن استغلال وتوظيف، لتساهم بالشكل المناسب في بناء درجات سلم النهضة، هذه القدرات هي:

  • أمة يكثر فيها الشباب.
  • قدرات مالية متميزة.
  • العاطفة الشديدة والإقدام.
  • رصيد من التجارب والخبرات.
  • حب الدين والعمل له.
  • الشرف والرغبة في العزة.
  • لن نبدأ من الصفر (لدينا حضارة تحتاج إلى إحياء).

لكل ما سبق وغيره كان التوقع بإمكانية القيام من الركود، والسير نحو النهضة من جديد. والآن، لنكمل ما بدأناه في المقال السابق من الانتقال من الرقود إلى الحبو، وهذا يأتي في مرحلتين:

المرحلة الأولي: الصحو «البعث من الرقود»

إن النائم في طريق يقظته يمر بمراحل أولها مرحلة انقشاع سحب التبلد الذهني. ومن أعراضها الإيجابية: الإحساس بالذات. ويشعر الإنسان فيها بوجوب الحركة، ولكنه يبقي غير مدرك للمحيط الذي يتحرك فيه.

ومن أعراضها السلبية: عدم تمتع حركته بالرشد الكامل، فهي في جزء منها قد تبدو فوضوية غير منضبطة.

وقد جاءت مرحلة الصحوة للأمة بعد مرحلة سبات عميق وركود مميت، فانطلقت عمليات البعث الفكري الأولى انطلاقة خجولة في شكل دفاعي؛ لتطور نفسها بعد ذلك في شكل هجومي، فكان من خصائصها أنها:

  • حركة عقلية للنخب والمثقفين، وليست زادًا للأمة بعمومها.
  • تيار عاطفي يؤمن بضرورة النهضة, ولكنه ضحل المعرفة بتفصيلات واقعه.
  • تيار يفتقد الخبرة والصبر ليكتشف مناهج التغيير وطرائقه.
  • تيار يتعجل قطف الثمار، ولا يحسن فن ترقب الفرص.

فقد حاول بعض الرجالات النزول بهذه الأفكار للجماهير دون تخطيط مدروس، فحدث أن ضحت الأمة وطلائعها الشابة بالكثير من الجهد في مقابل القليل من النتائج.

فوضح جليًّا أن الأمة:

  • لا تمتلك المناهج وخطط التعامل مع مشكلة الزمان والمكان.
  • لا تمتلك ما تحتاجه من تعدد الوسائل وطرق العمل وما يلزم لذلك من سعة الفكر والقدرة على الابتكار.

ومرحلة الصحو على ما بها من حركة عشوائية أو شبه عشوائية وما بها من عثرات طبيعية في مسارات الأمم والشعوب  -مرت بها فرنسا واليابان وبريطانيا وغيرهم كثير- إلا أنها ظاهرة إيجابية تدل على أن الأمة قد أفاقت. إنها مرحلة تطول أو تقصر، ولكنها موجودة لا محالة. إنها بشارة -رغم ما بها من آلام ومخاض- تقول إن الأمة قررت أن تهجر السكون.

 

المرحلة الثانية: اليقظة «نحبو لنسير»

وهي حالة تالية للصحو يكتمل فيها الوعي، ويعرف فيها المرء مكانه ووضعه بالنسبة لما يحيط به من أشياء وبشر، فيبدأ في التحرك بوعي ورشد مكتملين. وهي الحالة التي تحياها الأمة الآن.

ومن أعراضها الإيجابية:  الرشد والوعي والعمل المخطط المدروس، في ظل رؤية تجمع الجهود العملية التي تبدو متباينة أو متضاربة في مرحلة الصحوة.

وميلاد مرحلة اليقظة من مرحلة الصحوة أمر طبيعي، فإن العقول هنا تبدأ في التفكير بكل أحداث المرحلة السابقة وطرق عملها. وتتميز هذه المرحلة بما يلي:

  • الانتقال من المبادئ والعواطف والشعارات إلى التفكير المنطقي وإطلاق الطاقات.
  • تكثيف الجهود للتخلص من عثرات الماضي.
  • إبداع في المناهج والتصورات من اختراعات وأساليب جديدة.

وهذه الميزات تنقلنا من مرحلة الانتظار إلى مرحلة المشاركة الفعلية، حتى تتجلى ثمرتها بعدها في مرحلة النهضة.

وهذه المرحلة نحياها الآن بشكل واضح، لذا يجب علينا العمل الدائم والدؤوب لاستثمارها على النحو الأمثل، وهذا يتحقق عن طريق:

  • وجود تصور شامل، وخارطة كاملة للفكرة التي نعمل عليها.
  • الإيمان بأن هذه النهضة قابلة للتحقق، وأنها حق لهذه الأمة.
  • استثمار الطاقات وفق رؤية إستراتيجية لتندفع الجهود كلها في مسار النهضة.
  • توسيع دائرة الشورى والمناصحة لتشمل جميع المعنيين بأمر النهضة دون إقصاء.
  • إيجاد مشاريع عمل مشتركة بين كل التيارات.
  • ضرورة السير على قواعد البحث العلمي، والبعد عن الارتجال.

لذا فإنه وإذا ما توافرت هذه المستلزمات، وتم إعداد الخطط اللازمة للتنفيذ، أحسب أن عشرين عامًا ستكون كافية للوصول إلى شاطئ النهضة المرجوة.

ولعل المقال القادم «هيا بنا نعمل» يساهم في تقديم مقترحات لمشروعات عملية لهذه المرحلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

[1] الذاكرة التاريخية، د/ جاسم سلطان.
[2] - تقرير الشفافية العالمي للسنوات من 2011 إلي 2015.
عرض التعليقات
تحميل المزيد