يقول تعالى في سورة التوبة آية (47) «لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» وهنا الآية الكريمة تتحدث عن قوم محسوبين على المؤمنين ولكنهم أشد ضررًا على الإسلام من أعدائه، لأنهم يقومون بدور حشرة الأرضة، يأكلون وينخرون من الداخل حتى يضعفوا لبة القوم، ولا يبقون إلا القشرة، والتي ستصبح سريعة الكسر والاختراق ما إن تتعرض إلى ضربة ولو خفيفة، وتوضح الآية المباركة أربع مراحل لعمل هذه المجموعة الضارة، وكما سنوضحه في سياق المقالة.

المرحلة الأولى:

«لَوْ خَرَجُوا فِيكُم» الخطوة الأولى ليستطيع العنصر الضار أداء عمله على الآخرين بنجاح، هو الخروج الجماعي والدخول في صفوف من يريد أن يغير أحوالهم وأفكارهم ويجرهم إلى ما خططه لهم من مكر وحيل، وهذا لا يتحقق إلا من خلال امتلاك هؤلاء أساليب احترافية في الإقناع ولوي الكلمات، ليجعلوا من الباطل حقًّا ومن الحق باطلًا، وعادةً ما يلجؤون إلى تزييف الحقيقة وتشويهها وإظهار بعضها وإخفاء البعض الآخر، وما يتميزون به أنهم على قلب واحد، ويعملون بمحور واحد يدورون معه وهذا ما يعطي صوتهم نوعًا من المصداقية وخاصة إن كانت أصواتهم متباعدة، فيعملون كمصادر متعددة للمتلقي بينما هم مصدر واحد.

المرحلة الثانية:

«مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا» وبعد أن تمكنوا من الدخول ضمن الصفوف واستمكنوا من العناصر تبدأ هنا عملية التشتيت وضرب الأفكار بعضها ببعض، وهنا يصف الله تعالى فعلهم بأنهم سيزيدون الناس خبالًا، والخبال هو «الشر أو الفساد الذي يصيب الإنسان فيورثه اضطرابًا يشبه الجنون، أو هو فساد في الفكر والعقل»، وهذا يعني أنهم يستهدفون في الخطوة العملية الثانية أفكار الناس المراد إفسادهم، ويجعلونهم يتشتتون في أفكارهم من خلال زرع تضارب بين الأفكار؛ مما يجعل المتلقي يصبح كالمجنون لا يستطيع تمييز الصح من الخطأ، وهنا من السهل جر الأشخاص إلى التمرد والوقوف بوجه الحقيقة، وهذه من أخطر أهداف الفئة الفاسدة حيث تجرد الأفراد من العقل، وتقودهم للسير خلف الأهواء والتي لا تغني ولا تنفع.

المرحلة الثالثة:

«وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ» وهنا يتحقق الهدف الأول من أهداف تشتيت الأفراد من خلال الإفساد، فنشر الفساد وتفعيل دور الإفساد المتعمد هو ما يهيئ الأفراد بعدما أصبحوا كالمجانين وتركوا التعقل، واعتمدوا الأهواء إلى الدخول في آخر مرحلة من مراحل عملهم التخريبي، حيث تكون الأرضية صالحة لزراعة بذرتهم الفاسدة وانتظار ثمرها العفن.

المرحلة الرابعة:

«يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ» والغاية من هذه المراحل الثلاثة المتقدمة هي تحقيق الفتنة، والفتنة هي الأكثر والأكبر في خطرها وضررها بين الأفراد، إذ إنها رأس كل الجرائم والأفعال الشاذة والوحشية، لأنها إن انطلقت لا تتوقف عند فئة أو طائفة، بل تأكل الجميع مثل نارٍ في هشيم، والفتنة لا تتحقق من غير مقدمات تعتمد على شيء أساسي، وهو استعداد المتلقي لذلك، وهذا ما توضحه الآية المباركة في قوله تعالى «وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ»، أي لا يسقط إلا من قَبِل أن يكون أداةً بيد هؤلاء يحركونه كيفما شاءوا، ولا ننسى أن الفتنة تعتمد على الفرد الذي يستمع ولا يتفكر ولا يتحقق مما يسمع قبل أن يبني على ذلك اعتقاده وأفكاره والتي لا تنتهي به إلا خاسرًا نادمًا في حربٍ لا رابح فيها الا العدو.

«وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» فليحذر الذين يسيرون في طريق الفتنة أو الذين يستمعون إلى أصوات الفاسدين من أن يجعلوا أنفسهم في رتبة الظالمين، حينها يكونون أعداءً لله تعالى، وأيُ عاقلٍ يرضى أن يعادي جبار السماوات والأرض؟ بل وأيُ عاقلٍ يقف بوجه مالك الملك؟ ولا يفعلها إلا أحمق وصلت به أهواؤه النتنة إلى التلذذ برؤية الناس تتألم وهم يسبحون بدمائهم وتفرى لحومهم، فبئسًا لمن يربط رقبته بحبلٍ يمسكه مثل هؤلاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفتنة
عرض التعليقات
تحميل المزيد