ضريبة كبيرة دفعها اليسار العربي بشكل عام، واليسار المصري بشكل خاص؛ نتيجة ارتباطه الذي وصل في كثير من المراحل إلى حد التبعية بالاتحاد السوفيتي، وكانت بداية الخسائر هو تخلي يساريي تلك الحقبة عن كل مفاهيم الاشتراكية العلمية لصالح الانخراط وفق رؤى التحريفية الخروتشوفية، التي استطاعت تصفية الكوادر اللينينية داخل الحزب الشيوعي السوفيتي.

تحاول الآن تنسيقية الأحزاب والقوى الاشتراكية تكرار نفس ما حدث سابقًا بين تنظيمات اليسار المصري، والاتحاد السوفيتي. لكن هذه المرة مع الحزب الشيوعي الصيني، وهذا ما يستوجب على كل اشتراكي التصدي بشكل حاسم ضد تلك العلاقة، خصوصًا أنهم يقومون بالترويج بشكل مستمر لأهمية الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، ويتحدثون تجاه الصين ونظامها الحاكم بكل تفخيم وتعظيم، وهنا يجب التذكير بالعلاقة السابقة بالاتحاد السوفيتي قبل الحديث عن علاقتهم بالصين، وكيف أصبح اليسار المصري تائهًا بين عواصم تلك البلدان، متخليًا عن كل القيم النضالية.

الحج إلى موسكو!

«الكومنترن -أي الأممية الشيوعية التي كان يترأسها الحزب الشيوعي السوفيتي- بالنسبة لنا كان شيئًا في السماء، وليس على الأرض». هكذا تحدث مارسيل تشيريزي أحد مؤسسي الحركة الشيوعية في مصر، واصفًا نظرتهم للحزب الشيوعي السوفيتي والكومنترن في ذلك الوقت، فالكتب والحقائق التاريخية والشهادات التاريخية التي تذكر علاقة يساريي مصر بالاتحاد السوفيتي كثيرة جدًّا، ولا تكفي تلك السطور لذكرها حتى ولو بأسلوب مختصر، لكن أرى من الضروري الاستشهاد بما كتبه الراحل عطية الصيرفي إحدى القيادات التاريخية للحركة العمالية المصرية، والقيادي السابق في حزب التجمع «التقدمي»، وصف الصيرفي قيادات التنظيمات اليسارية التابعة للاتحاد السوفيتي، وتابعي تلك القيادات في ذلك الوقت بالانتهازيين و«الكناسة» التي هرول إليها جامعو القمامة من الشيوعيين المرتزقة، والمحترفين السابقين الموصوفين بـ«المغترفين» وذوي العضوية الشيوعية مدفوعة الأجر في أغلب الأحيان، بالإضافة إلى مجاملتهم بالحج والعمرة مرات ومرات إلى موسكو، وغيرها من مدن الاتحاد السوفيتي، وأنهم حولوا التمويل الآتي من الأممية الشيوعية إلى جيوبهم، حيث عاشوا حياة البذخ والسفه حتى فوجئوا باغتيال المعسكر الاشتراكي، ما ذكره بشكل واقعي وصادق الراحل عطية الصيرفي يختصر الكثير من الشهادات عن تلك الحقبة التي لا أبالغ إن وصفتها بسيئة الذكر.

«الرفاق» في السفارة!

شبيبة الماضي التي كان جزء يذهب بواسطة قياداته للاتحاد السوفيتي، والجزء الآخر يسمع القصص عن عظمة وجمال موسكو أصبحوا يذهبون لسفارة جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية المعروفة باسم كوريا الشمالية؛ لحضور مناسبات مثل الأعياد القومية، واحتفالات ذكرى ميلاد كوريا الشمالية ونظامها، تصرفات عبثية مثيرة للسخرية لا يمكن قبولها، أو مناقشتها بشكل جاد.

بكين.. البحث عن راعٍ جديد

منذ ثلاث سنوات لم تنقطع زيارات المتمركسين إلى الصين، التي كانوا يتأخذون ضدها هم وقياداتهم مواقف عدائية سابقًا؛ انتصارًا للرؤى والتعليمات السوفيتية على أثر الخلاف التاريخي بين الحزب الشيوعي الصيني، والحزب الشيوعي السوفيتي. كان السفر إلى بكين بشكل فردي وغير ملحوظ، لكن بداية من شهر مارس/ آذار الماضي تغير الأمر لتسافر أكبر بعثة من تنسيقية الأحزاب، والقوى الاشتراكية التي تتكون بشكل أساسي من أحزاب التجمع والشيوعي المصري والاشتراكي المصري، لماذا لا يسافرون والراعي متكفل بتكاليف السفر والإقامة وأشياء أخرى! لينظموا بعد عودتهم ندوة عن الاشتراكية ذات الخصائص الصينية! ليتحدثوا في الندوة عن أهمية تطوير وتعزيز التعاون بينهم، وبين الصين، وعن أهمية دور الصين الدائم للشعوب العربية في قضاياه العاجلة ودعم التنمية، لتتكرر الزيارة أيضًا في أغسطس/ آب الماضي، ليروجوا من جديد لأهمية الصين وروعة نظامها، ولا أعرف متى كانت الصين وفق سياستها الحالية مدافعة عن القضايا العربية العاجلة التي يتحدث عنها هؤلاء الانتهازيون التائهون في تخريفاتهم الفكرية، ناهيك عن أن كل ما كتبه ماو تسي تونغ مؤسس الحزب الشيوعي الصيني حول المنهج التحريفي للحزب الشيوعي السوفيتي، وأنهم يطورون اقتصادًا رأسماليًّا يليق الآن بالحزب الشيوعي الصيني الذي ليس له أدنى علاقة من قريب أو بعيد بـ«الشيوعية» إلا انتحاله للاسم فقط.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد