اللاشيء.. ذلك المجهول

منذ زُهاء خمس قرون، ظنَّ العالم الإيطالي إيفانجيليستهِ تورِتشيللي Evangelista Torricelli، تلميذ العالم الشهير جاليليو جاليليهْ Galileo Galilei، أنه حصل على فراغ، لا شيء فيه، أعلى الأنبوب الزجاجي المُحتَوي على عنصر الزئبق، وهو يُجري تجاربه، التي أدت لاحقًا إلى اختراعه لجهاز البارومِتر Barometer المُستخدم لقياس الضغط الجوي. لكن بالتأكيد كان ثمة هواء في أعلى الأنبوب، حلَّ محل الزئبق. وسرعان ما تم اكتشاف عنصر الأكسجين والنيتروجين في الهواء؛ هذا الهواء، الذي يُحيط بنا وبالأرض كلها، يرِق، أي يقل سُمْكه، وبالتالي تقل كثافته، كلما صعدنا لأعلى مُبتعدين عن سطح الأرض، حتى ينعدم في الفراغ الفضائي بين النجوم والمجرات.

إذًا هل الفضاء الكوني «لا شيء»؟ لو كان كذلك، إذًا ما الذي يحمل الأجرام السماوية مُعلقة هكذا في السماء؟ وما الذي يحمل الضوء كي ينتشر بعيدًا عن مصدره بسرعته الهائلة؟

في محاولة الإجابة عن هذا السؤال الصعب، افترض العلماء وجود مادة، أسموها «الأثير Aether»؛ مُجرد اسم مُبهم لشيء لا يعرف أحد تركيبه، لكنهم افترضوا على أية حال أنه يملأ الفراغ الكوني كله. لكن، لم يمض وقت طويل حتى نفى الأمريكيان، ميكلسون Michelson ومورللي Morley عام 1887، وجوده تمامًا.

هناك.. عند مُنتهى صِغر الفضاء

مضى قطار البحث العلمي، واكتشفنا الأشعة السينية، وأشعات أخرى، بالإضافة للجسيمات تحت الذرية، التي منها الإلكترون، والبروتون، والنيوترون، الذين تتشكل منهم ذرات العناصر؛ وبَدَى أنه لا يوجد في الحقيقة فراغ أو فضاء خاو.

الشيء العجيب أنه مع تلك الاكتشافات ظهرت خاصية مُحيرة للفضاءات الضئيلة، أي في حيِّز العالم الصغير، الذي تتواجد به الجسيمات تحت الذرية والذرات، عندما قام ثلة من العلماء الشباب في مطلع القرن العشرين، مستخدمين الرياضيات فقط، بدراسته؛ إذ تبين أنه عالمٌ لا يُمكن فيه الجزم بشيء، عالم تحكمه العشوائية، تحكمه الاحتمالات. على سبيل المثال، برهن الألماني هايزينبيرج Heisenberg على أننا سنفقد قدرتنا على تحديد موضع الجُسيم وسرعته في الوقت نفسه، وهما القيمتان اللتان يُمكن قياسهما معًا بدقة في العالم الكبير، أي العالم المُشاهد من حولنا؛ وبالمثل لا يُمكننا تحديد كمية الطاقة بدقة، داخل حيِّز من الفراغ بحجم بلانك Plank’s Volume، الذي يساوي 4.22 x 10-105 سنتيمتر مكعب، عندما نحاول ذلك في مدى زمني مُتناهٍ في الصغر؛ كما أنه عند هذه الحدود الدُنيا من الحجم والطاقة والزمن، عندما تنعدم قدرتنا على تمييز كمية الطاقة في الفراغ، يبدو أن ثمة فرصة لظهور جُسيمات للوجود من لا شيء على الإطلاق، وما تلبث أن تختفي. الفراغ إذًا عند مُنتهى صغره، يموج بالطاقة. الفراغ حي!

ثم صاغ العبقري الإنجليزي بول ديراك Paul Dirac عام 1928 معادلته، التي وصف بها الإلكترون بمزاوجة مفاهيم النسبية الخاصة، أي الفيزياء عند السرعات العالية، وميكانيكا الكم، أي الفيزياء عند مُنتهى صِغر المادة. جزء من معادلته تلك كانت له نتيجة مدهشة؛ إذ تبيَّن أنه بمثل ما لدينا الإلكترون، الذي نعرف أن شحنته سالبة، وأنه يدور حول أنوية ذرات العناصر، يجب أن يكون هناك جُسيم شبيه به، له كل خصائص الإلكترون، لكن شحنته مختلفة، أطلقوا عليه اسم البوزيترون، أي الإلكترون الموجب. كانت تلك بداية معرفتنا بما عُرِف لاحقًا باسم المادة المضادة Antimatter، التي من خصائصها أن يتلاشي الجسيم والجسيم المضاد له عند اصطدامهما، مُتحولان إلى طاقة صِرفَة واختفائهما تماما من الوجود. لقد فهمنا من هايزينبيرج كيف للمادة أن تطرأ على هذا الوجود من لا شيء على الإطلاق، ثم تعود لتختفي. وها هو ديراك قد أمدنا بآلية حدوث لك.

الفراغ إذًا يحتوي على حركة دائبة بين ظهور المادة والمادة المُضادة به، مستعيرتان الطاقة من الفراغ، ثم تفنيان بالاصطدام، وترُدَان ما استعارتاه من الطاقة للفراغ مرة أخرى.

اليوم تطورت رؤية ديراك إلى ما أصبح معروفًا باسم نظرية الحقل الكمي Quantum Field Theory، التي تُصور الفراغ الكمي (فراغ بلانك) كما لو كان مُفعم بنشاط الجسيمات الافتراضية Virtual Particles، التي يظهر منها في الكون أعداد لا حصر لها، ثم تختفي قبل أن يرتد إليك طرفُك.

مع ذلك، كان لا بُد من البرهان التجريبي على هذه الأفكار الغرائبية. لذا قام الأمريكي ويليس لام Willis Lamb بتجربة عبقرية، نال عنها جائزة نوبل في الفيزياء عام 1955، بناها على افتراض أن الإلكترون سوف يُعاني من هذا الاضطراب الكمي، فيرتعش مداره حول النواة، كما تهتز الطائرة عند مرورها بمنطقة مضطربة في الهواء. وقد جاءت النتائج متوافقة مع الحل النظري لمعادلات هايزينبيرج وديراك، وغيرهما، بدقة واحد في المليون.

ثم جاء كُل شيء

تفيدنا أحدث النظريات عن نشأة الكون من بداية غاية في الضآلة، حيث ملعب ميكانيكا الكم، أن الاضطراب الكمي قد سجلَّ أثره في تلك البداية البعيدة؛ إذ لم تكُن البداية الانفجارية للكون مُتجانسة، بل تفاوتت مناطق فيه عن أخرى في درجة الحرارة، وهو الأمر الذي يُمكننا قياسه اليوم في التفاوتات الصغيرة في درجة الحرارة بين النجوم والمجرات باتساع الكون. هذه هي إذًا النُّدَب الباقية من تلك الاضطرابات الكمية، التي صاحبت لحظة ميلاد الكون.

إذًا من لا شيء جاء كل شيء، جاء هذا الكون وما فيه، جاء كل شيء من تلك البداية من الطاقة المحضة. ثم تكونت الجسيمات بوفرة نسبية عن الجسيمات المُضادة، ثم تلاشت معًا، وبقيت كمية من الجسيمات، تشكلت منها ذرة الهيدروجين، أبسط العناصر المعروفة، وتكتلت لتندمج بعد ذلك تحت الضغط الجذبي الهائل في النجوم الأولى من عُمر الكون، مكونةً العناصر الأثقل، ثم لتموت النجوم بعد ذلك ناشرةً في الفضاء الكوني كل العناصر التي نعرفها اليوم، ثم لتظهر الحياة على كوكب الأرض، وينشأ – أخيرًا – الإنسان على مسرح الأحداث.

الآن يُمكننا أن نسأل، ما الفضاء ذاته؟

الكون الأحدب

لقد عاشت تعاليم إقليدس Euclid قرابة ألفيّ عام، وما زلنا ندرسها للطلاب في المدارس، ونستخدمها في الإنشاءات على سبيل المثال؛ إنها الهندسة المُسطحة، حيث الخطان المتوازيان لا يلتقيان مهما امتدا، ومجموع زوايا المثلث 180 درجة، وهكذا.

لكن، الحال ليست كذلك عند دراسة الأسطح المنحنية. لقد أمدنا العالم الألماني جاوس Gauss منذ حوالي 200 عام بطريقة لحساب الإنحناء في الأسطح. ومن بعده، تلميذه ريمان Riemann، الذي أمدنا بطريقة فَذَّة لتعميم نتائج جاوس على الفضاء المنحني في أي عدد من الأبعاد. سيبدو ذلك غريبًا، هذا صحيح، لأننا نُدرك انحناء سطح ما، ثُنائي الأبعاد، لأننا نراه في فضاء ثلاثي الأبعاد؛ لكن كيف يمكننا تصور فضاء منحن ذي ثلاثة أبعاد، أو أكثر؟ لا بد لنا إذًا من افتراض وجود بُعْد رابع، بل أبعاد أكثر من أربعة!

بقيت فكرة ريمان حبيسة الرياضيات، حتى أطلقها من عقالها ألبيرت أينشتاين Albert Einstein، العَالِم ذائع الصيت، وطبقها على فيزياء الكون، وبرهن على أن الجاذبية ليست خصيصة للأجسام المادية، كما كان يعتقد نيوتن Newton، لكنها خصيصة في الفضاء ذاته. الفضاء يُغير من شكله، من هندسته، وِفق الأجسام الموجودة به؛ فينحني حول كتلة الشمس مثلًا بطريقة تخلق مسارات إجبارية حولها، تدور بها الكواكب، وهكذا. إذًا لم يعُد الفضاء، أو بعبارة أخرى نسيج «الزمكان»، أي المكان والزمان معًا، مسرحًا لأحداث الكون، بل تحولًا إلى لاعبين أصليين.

قادته تلك الفكرة إلى أن الكون ككُل آخذ في التمدد، وهي الفكرة التي عارضها أينشتاين نفسه، ثم اعتذر عن ذلك عندما أطْلَعَهُ الفلكي الأمريكي إدوين هابل Edwin Hubble على نتائج عمله؛ إذ دلت الأرصاد على ابتعاد المجرات عنا، حيث نسيج الفضاء نفسه يتمدد حاملًا معه المجرات إلى حيث لا نعلم.

في ضوء نتائج النسبية العامة، والأرصاد الفلكية، كان من المنطقي أن يُفكر العلماء في عكس عقارب الساعة، كي نستحضر الوقت الذي كان فيه عُمر الكون أصغر فأصغر، وصولًا للحظة التي بدأ عندها كل شيء، لحظة الخلق. وقد عبَّرت نظرية الانفجار العظيم Big Bang Theory عن ذلك بوضوح.

إجابة مُذهلة عن سؤال قديم

عندما كان عمر الكون بضع عشرات الألوف من السنين، تكونت الذرات، وبدأ الكون يصفو، فأمكن للفوتونات الضوئية أن ترتحل فيه بلا إعاقة، فتوهج الكون بإضاءة مبهرة، وبمضي الوقت واتساع الكون، خَفَت ذلك الوهج، حيث تمددت موجات الضوء، بسبب تمدد الفضاء الذي تنتشر فيه، لتُصبح موجاتها أطول، بما يُساوي طول الموجات الميكروية Microwave غير المرئية، التي بقيت ليومنا هذا كحفرية شاهدة على الإنفجار العظيم. في ضوء هذا التفسير نكون قد حصلنا على إجابة للسؤال الذي سأله الفلكي الأسكتلندي توماس ديك Thomas Dick منذ حوالي أربعة قرون: لماذا تبدو السماء داكنة بالليل، بالرغم من كل ما بها من نجوم؟ إنها المسافات الهائلة، مُقدرة بملايين السنين الضوئية، التي كان على الضوء أن يقطعها كي يصل إلينا، والتي تزداد مع الزمن بتمدد الكون.

في ضوء معارفنا الحديثة عن تركيب الكون المرئي، أي كل ما استطعنا رصده من نجوم ومجرات، أنتجت الحاسبات مُحاكاة للكون على منتهى كِبَره، عُرفت باسم الشبكة الكونية Cosmic web، بحيث تتجمع المجرات على ما يُشبه خيوط الشبكة العنكبوتية. ولا ندري شيئا عما وراء ذلك.. ربما كان مزيدًا ومزيدًا من النجوم.

القوة الخفية

في ورقة بحثية نشرها بعض الفلكيين عام 1998، تضمنت دراسة لأحد المستعرات العظيمة، وهي تسمية أطلقها العلماء على الشموس الكبيرة حين تحتضر فتموت مُنفجرة ومُطْلِقةً لوهج هائل يُساوي ما أنتجته طوال عمرها، كانوا يأملون من خلالها تحديد المُعدَّل الذي يتمدد به الكون، بافتراض أنه آخذ في التقليل من سرعة تمدده، بسبب الشد الجذبي (عكس التمدد) الناشيء من وجود كل هذه الكتلة به. لكن الدراسة أتت بنتيجة عكسية، مُخيفة بعض الشيء: الكون يتسارع في تمدده، كما لو أن ثمة قوة غامضة تنفخ فيه ليتسع أكثر ويكبُر حجمه، أسموها «الطاقة المظلمة Dark energy». على هذا، سيأتي زمان في المستقبل، ربما بعد مائة ألف مليون عام، وقد أظلمت سماء الليل تمامًا إلا من ضوء نجوم مجرتنا، لأنه مع تسارع التمدد ستبتعد النجوم والمجرات أكثر، بحيث لا يصل ضوؤها إلينا أبدًا؛ فإن كانت الحياة العاقلة ما تزال ها هنا على الأرض، أو في مكان ما من مجرتنا، ولم يُفن بعضنا بعضًا، فسيعيش أحفادنا في عالم هائل الضخامة، فارغ، مظلم ومُوحِش.

يحِق لنا أن نُعْجَب بذلك البناء الشامخ المؤسس على الرياضيات والفيزياء التجريبية، ونندهش من تفاصيل الصورة الناتجة عن كونٍ بدأ من لا شيء على الإطلاق. لكن، لنتريث قليلًا، ونتذكر أن أسلافنا ظنوا – يومًا ما – أن الهواء لا شيء! فهل حقا قد جاء كل ما في الوجود، كُل الجسيمات والجسيمات المضادة، والجزيئات والذرات، بل الكواكب، والنجوم، والمجرات، وعناقيد المجرات في الشبكة الكونية، على هذا النسق من التركيب شديد التعقيد والخصوصية، من تلك البداية العَدَميَّة؟ هل حقًا جاء كل شيء من لا شيء؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

كل, لا شيء

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد