ظهور جماعة الإخوان

البنا

نشأت جماعة الإخوان المسلمين على يد مؤسسها حسن البنا في عام 1928 وطبقًا لمواثيق الجماعة فإن “الإخوان المسلمين” يهدفون إلى إصلاح سياسي واجتماعي واقتصادي من منظور إسلامي شامل في مصر وكذلك في الدول، وتسعى الجماعة في سبيل الإصلاح الذي تنشده إلى تكوين الفرد المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، ثم الحكومة الإسلامية، فالدولة فأستاذية العالم وفقًا للأسس الحضارية للإسلام عن طريق منظورهم، رافعين شعار “الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”.

تبلورت فكرة الجماعة عند حسن البنا عقب سقوط الخلافة العثمانية على يد أتاتورك وفشل المؤتمر الإسلامي في القاهرة لاختيار خليفة جديد، ثم صدور كتاب “الإسلام وأصول الحكم” للشيخ الأزهري علي عبد الرازق والجدل الواسع الذي طرحه الكتاب، وتدور الفكرة الأساسية للكتاب حول أن الخلافة ليست أصلًا من أصول الإسلام، وإنما هى مسألة دنيوية وسياسية أكثر منها دينية، وإن القرآن الكريم والحديث النبوي لم يوردا ما يبين، من قريب أو بعيد، كيفية تنصيب الخليفة أو تعيينه، وذلك لأن هذا التنظيم “اختراع بشري”. وهو الرأي الذي كان يُعارضه البنا ويرى ضرورة تكوين حكومة إسلامية تحكم طبقا لأحكام شريعة الدولة الإسلامية، وتعمل على توحيد الدول الإسلامية الأخرى وتكوين الخلافة.

شهدت مدينة الإسماعيلية التي عُين فيها البنا عقب تخرجه مولد الجماعة، ومع انتقال البنا للقاهرة انتقل مقر الجمعية الرئيسي من الإسماعيلية إلى العاصمة مركز الحياة الفكرية والسياسية. وبعد عام من انتقال البنا إلى القاهرة صدرت مطبوعة الإخوان الأولى، مجلة “الإخوان المسلمون” الأسبوعية.

كان الظهور القوي الأول لهم على الساحة عام 1933 حيث شارك الإخوان في الحركة المصرية الشعبية المساندة للنضال الفلسطيني، ثم أرسلوا وفدًا لزيارة فلسطين الذي أقام علاقة قوية مع زعيم الحركة الوطنية الفلسطينية مفتي القدس الحاج أمين الحسيني. وعندما اندلعت الثورة الفلسطينية عام 1936 استلم الإخوان زمام التحرك الشعبي في مصر لدعم الثورة عن طريق لجان المساعدة وجمع التبرعات وإرسال عرائض الاحتجاج للسفارة البريطانية وتنظيم التجمعات والمظاهرات. كان نتيجة دعم الإخوان وصول القضية الفلسطينية إلى كافة ربوع مصر، الأمر الذي عزز ثقة الإخوان بأنفسهم وقدرتهم على التأثير، وانتباه الأحزاب الأخرى والقصر الملكي بأن هناك قوة شعبية جديدة في طريقها للظهور.

سعت الدولة المصرية إلى تشجيع تواجد قنوات اتصال بينها وبين جماعة الإخوان من خلال علي ماهر رئيس الحكومة، وأحمد السكري رجل الإخوان الثاني وصديق البنا الحميم الذي يعمل موظفًا في وزراة المعارف آنذاك والذي لعب دورًا مهما في تأسيس الجمعية.

ثورة يوليو 1952

ناصر
ذكرت عدة مصادر وجود اتصال بين جمال عبد الناصر وجماعة الإخوان المسلمين في بداية الأربعينات بوصفها جماعة ترغب في التغيير وإحداث إصلاحات سياسية داخل البلاد. وهو الاتجاه الوطني الذي كان يتبناه عبد الناصر لمواجهة فساد النظام الملكي.

عاد عبد الناصر للاتصال بتنظيم الإخوان بعد أن اختمرت فكرة الانقلاب العسكري في رأسه عام 1951، وهو العام نفسه الذي فاز فيه حزب الوفد بالانتخابات البرلمانية بدعم ملموس من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، عاد هذا الدعم بالنفع بعد ذلك بانتهاء الملاحقات والتضييق الأمني، كما عارض الإخوان الحكم القضائي بحل الجماعة لتعود للعمل مرة أخرى، وتم اختيار مرشد عام جديد لها خلفًا للبنا.

في صباح يوم 23 يوليو 1952 استولى الضباط الأحرار على مقاليد الحكم ونفذوا انقلابًا أبيض. وعند إعلان البيان الأول للثورة كان الإخوان يعتبرون أنفسهم أصحاب تلك الثورة، إلى أن بدأت الخلافات تظهر في السنتين التاليتين.

تشكلت حكومة علي ماهر بعد نجاح الانقلاب العسكري بتوصية من جماعة الإخوان التي سرعان ما أعلن ماهر انسحابه منها عقب اختلافه مع الضباط على قانون الإصلاح الزراعي، ومن ثم تم تشكيل الوزارة الثانية بقيادة اللواء محمد نجيب حيث دعا عبد الناصر فيها الإخوان إلى المشاركة بثلاثة وزراء، إلا أن الهضيبي مُرشد الجماعة الجديد رفض ذلك العرض.

في يناير 1953 أسس الضباط الأحرار “هيئة التحرير” كتنظيم سياسي شعبي يدعم الثورة، ودعا عبد الناصر الإخوان إلى الانضمام إلى الهيئة وتولي قيادتها، إلا أنهم رفضوا مُعللين بأن حزبًا سياسيًا ترعاه الدولة مصيره الإخفاق، وعقب عام واحد على دعوة عبد الناصر للإخوان بالانضمام إلى هيئة التحرير، وعلى خلفية اشتباكات وقعت في الجامعة بين طلبة منتمين إلى الإخوان وهيئة التحرير؛ أصدر مجلس قيادة الثورة قرارًا بحل جماعة الإخوان المسلمين كما اعتقل قياداتها وكوادرها بما فيهم مرشد الجماعة.

نشب خلاف بين أعضاء مجلس قيادة الثورة حول مصير الانقلاب على الملك وإعادة تفعيل الدستور والحياة المدنية والبرلمانية، أدى في النهاية إلى استقالة محمد نجيب رئيس مجلس قيادة الثورة، الأمر الذي دفع الشعب – نظرًا لكون نجيب الشخصية المعروفة الوحيدة المحبوبة لدى الشعب – إلى تحرك واسع في الشارع المصري للمطالبة بعودة نجيب، لعب الإخوان فيه دورًا كبيرًا في تحريك الشارع ضد عبد الناصر الذي استشعر الخطر مع عدم قدرته على السيطرة على شوارع العاصمة، فأعاد نجيب مرة أخرى مع وعد بتفعيل الدستور والحياة البرلمانية، وطالب بتأسيس جمعية لوضع الدستور وإنهاء الحكم العسكري، كما أفرج عن الإخوان وجمَّد قرار حل الجماعة.

 

كان الإخوان في موقف قوة عقب عودة نجيب إلى مجلس قيادة الثورة، كان ذلك الموقف واضحًا عقب زيارة عبد الناصر لمنزل الهضيبي أمام عدسات الصحافة كبادرة اعتذار عن اعتقال قيادات الجماعة. إلا أن الإخوان ارتكبوا خطأهم الإستراتيجي الكبير بانسحابهم من حركة التظاهر الشعبية المطالبة بدستور جديد وحياة برلمانية. وقد برر الإخوان انسحابهم برغبتهم في عدم إحداث انقسام داخل المجتمع المصري، الأمر الذي انعكس بالسلب عقب تنظيم ضباط المجلس لتظاهرات حاشدة نادت باستمرار الثورة وعدم العودة إلى الحياة البرلمانية الفاسدة، والتي سرعان ما أستجاب لها عبد الناصر لاغيًا قراراته السابقة بحل مجلس قيادة الثورة والسماح بتشكيل الأحزاب.

في مساء 27 أكتوبر 1954، سطر عبد الناصر المشهد الأخير في علاقته مع الإخوان عقب اتهامهم بمحاولة اغتياله في اليوم السابق بالمنشية أثناء إلقائه لكملته أمام الشعب. حل عبد الناصر جماعة الإخوان المسلمين واعتقل الآلاف وأصدر بحق المئات أحكامًا سريعة عبر محاكمات عسكرية، وأعدم ستة من قيادات الإخوان.

ليبرالية الإخوان

تم الإفراج عن أغلب مُعتقلي الجماعة في مطلع السبعينات مع بداية تولي أنور السادات مقاليد الحكم، وهو الذي كان من أوائل الضباط المصريين الذين اتصلوا بجماعة الإخوان المسلمين في مطلع أربعينات القرن الماضي. شهدت تلك الفترة ومرحلة ما بعد حرب أكتوبر عشرات المجموعات الإسلامية المتطرفة التي دعا البعض منها إلى تغير نظام الحكم. إلا أن جماعة الإخوان المسلمين نأت بنفسها عن أي توجه متطرف مسلح، بل لم يخف المرشد الثالث للإخوان المسلمين عمر التلمساني توجهاته الليبرالية، كما أن المرشد الرابع للجماعة حامد أبو النصر دعا إلى حرية تشكيل الأحزاب حتى وإن كانت على أساس شيوعي أو علماني معبرًا بكلمات واضحة:

 

“النظام البرلماني يُعبر عن إرادة الأمة بصدق”.
في مارس عام 1976 تقدم الإخوان بدعوى قضائية لإلغاء قرار حل الجماعة الصادر في عام 1954، إلا أن المحكمة رفضت الدعوى في منح جماعة الإخوان المسلمين شرعية كاملة. غير أن السادات لم يمارس أي تضييق أمني على الجماعة، بل سمح لها بممارسة نشاطها الدعوي. وعاد الإخوان عقب إصدار قانون تنظيم الأحزاب عام 1977 بمحاولة جديدة لتقنين وضعهم إلا أن تلك المحاولة فشلت.

عقب الرفض المُتكرر لتقنين وضع الجماعة وإضفاء شرعية قانونية على وجودها، اتجهت الأنظار إلى الحياة الجامعية واستطاع طلبة الإخوان السيطرة على أغلب الاتحادات الطلابية الجامعية التي شكلت مركزًا كبيرًا لمعارضة سياسة السادات الخارجية بالسلام وتوقعيه لمعاهدة السلام مع إسرائيل.

الملاحقة الأمنية

جاء مُبارك إلى الحكم ليفرج عن كافة المُعتقلين السياسيين في محاولة لإشاعة أجواء انفتاح سياسي وتسامح مع كل القوى السياسية على الساحة. دفع ذلك الإخوان إلى الترشح للانتخابات البرلمانية عام 1984 في تحالف مع حزب الوفد الجديد، حصلت فيه الجماعة على 7 مقاعد ليُسمع صوت أعضائها للمرة الأولى داخل البرلمان.

في الانتخابات البرلمانية التالية عام 1987 حصد الإخوان 36 مقعدًا في قفزة كبيرة عن الانتخابات السابقة، ونظرًا لحجم المعارضة في ذلك البرلمان طالبت المعارضة إلغاء قانون الطوارئ وإحداث إصلاحات سياسية وبرلمانية واسعة، إلا أن الدولة رفضت تنفيذ مطالب المعارضة، مما دفع الأحزاب المعارضة إلى الامتناع عن خوض انتخابات 1990.

شهدت التسعينات عنفًا من قوى إسلامية متطرفة عززت فكر تغيير النظام بقوة السلاح، جاء ذلك بالسلب على جماعة الإخوان المسلمين، حيث تولد لدى الدوائر الأمنية أن جماعة الإخوان المسلمين هي أصل كل الشرور، لتبدأ الملاحقات الأمنية في عام 1992 بالقبض على عشرات القادة فيما عُرف بقضية “شركة سلسبيل للكمبيوتر” التي كانت تمتلكها بعض قيادات الإخوان، وكذلك إغلاق مجلة الدعوة منبر الجماعة الإعلامي عام 1994، وفي عام 1995 اعتقل الأمن 82 قياديًا من الجماعة على رأسهم عصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح وكان من أبرز الاتهامات هي السعي لقلب نظام الحكم. كانت نتيجة تلك الملاحقات الأمنية ضد جماعة الإخوان المسلمين ومحاولة تحجيم تواجدهم في الحياة السياسية البرلمانية والنقابية؛ حصد الإخوان مقعدًا واحدًا فقط في الانتخابات البرلمانية 1995 لتزيد عدد المقاعد إلى 17 مقعدًا في انتخابات 2000.

في مطلع عام 2004 قام بعض النشطاء السياسيين بتأسيس الحركة المصرية من أجل التغير التي عُرفت فيما بعد باسم حركة “كفاية” والتي عرضت مطالب عديدة، كان من أبرزها حرية تشكيل الأحزاب والسماح بانتخابات رئاسية ديمقراطية تعددية. وفي عام 2005 دعا الإخوان إلى مظاهرات حاشدة رافعين مطالب وطنية بالتغير، واجهت الدولة تلك التظاهرات باعتقالات طالت عصام العريان القيادي والوجه الإعلامي الناطق باسم الجماعة.

سعت الدولة إلى امتصاص الحراك السياسي الواضح الذي دعت له حركة كفاية بمختلف توجهات أعضائها السياسية، كذلك انضمام جماعة الإخوان لهم؛ بإجراء تعديلات دستورية على المواد الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية الذي كان يتم اختياره من قبل البرلمان ويُطرح اسمه في استفتاء شعبي. وتم تعديل المادة رقم 76 الخاصة بترشح رئيس الجمهورية والتي جاءت مخيبة لآمال القوى السياسية المعارضة لعدم انطباق شروط ترشح رئيس الجمهورية إلا على أعضاء الحزب الوطني، ولأن الحزب الوطني كان يتمتع بأغلبية البرلمان فقد تم تمرير القانون لتشهد مصر في سبتمبر 2005 أول انتخابات تعددية في مصر بين مبارك وتسعة مُرشحين لم يمثل أي منهم تحديًا لمبارك. حصل الإخوان في الانتخابات البرلمانية التي تلت انتخابات الرئاسة على أكبر تمثيل لهم داخل البرلمان منذ تأسيس الجماعة بـ 88 مقعدًا وهو أقل قليلاُ من خُمس مقاعد البرلمان.

 

في عام 2010 دعا محمد البرادعي الأحزاب المصرية وقوى المعارضة إلى مقاطعة الانتخابات، إلا أن جماعة الإخوان المسلمين أعلنت خوضها الانتخابات بعد موافقة مجلس شورى الجماعة، لتحصد مقعدًا واحدًا فقط في الجولة الأولى، قامت على إثره بإعلان انسحاب باقي مرشحيها في جولة الإعادة احتجاجًا على تزوير الانتخابات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد