الكويت في عين العاصفة

اندلعت الأزمة الخليجية أواسط الصيف الماضي 2017، قبيل دخول شهر رمضان المبارك، تفاجأ العالم العربي بحجم التحامل الذي تكنه دول الخليج بعضها لبعض والذي كان مخبوءًا، بدأ الحديث والتصعيد يأخذ منحى خطيرًا، خيم شبح الحرب على الخليج، بدأ بعضهم يتحدث عن اجتياح خليجي لقطر على غرار الاجتياح العراقي للكويت، فرض حصار بري بحري جوي قاس على هذا البلد الصغير، عقدت مؤتمرات صحافية صدرت منها تهديدات خطيرة من دول الحصار الخليجية إضافة لمصر، التي باتت تابعًا في عهد السيسي بعد أن كانت قائدًا في عهد من سبقوه، تدخلت تركيا بقوة، رفضت دول الحصار تدخلها، أرسلت تركيا جيشها لقطر في رسالة قوية للسعودية والإمارات.

الكويت دولة صغيرة وادعة تقع في منطقة حساسة جدًا؛ حيث يحدها العراق المشتعل شمالًا، والسعودية التي جاء ولي عهدها رجلًا قد يشعل الخليج بسياسات صبيانية مراهقة، وهي ليست بعيدة عن المجال الجيوسياسي الإيراني، الكويت بلد ذاق مرارة الاجتياحات، ويدرك تمامًا خطورة أي عمل عسكري يستهدف قطر، الأمور ليست فقط بهذا الحرص، يبدو أن هناك مخاوف كويتية أيضًا أن الدور سيأتي عليها، في بلد يتمتع بحرية معقولة من الصحافة والعمل البرلماني التعددي، بلد ينعم فيها الإخوان المسلمين كما القوى الشيعية، الأعداء اللدودون للسعودية والإمارات، بحرية غير موجودة في أي بلد خليجي، وربما حتى عربي، بلد يخشى أن يطبق عليه المثل الشهير أكلت يوم أكل الثور الأبيض، لم يكل أمير الكويت ولم يمل ولم ينم، عمل ليل نهار وزار السعودية وقطرًا، حتى أمريكا في سبيل إنهاء هذا التوتر، الكويت وقعت بين نارين؛ هي تعلم في داخلها أن البروباغندا بمجملها غير مبررة ومبالغ فيها إلى درجة كبيرة، لكنها لا تنسى الفضل السعودي الكبير عليها عام 1991، ينظر إلى السعودية على أنها الشقيق الأكبر لدول الخليج، تمردت قطر على هذا الشقيق وخلقت لنفسها هالة سياسية وإعلامية قوية بمعزل عن هذا الشقيق المنغلق على نفسه.

بماذا تذكر الكويت الفلسطينيين؟

أول ما يتبادر في ذهن العقل العربي عن الخليج هو النفط والمال والرزق الوفير، للفلسطينيين نظرة أخرى للكويت غير العمل والكسب، الكويت بلد تعددي إلى حد معقول، فيها صحافة مكتوبة قوية، وكان للفلسطينيين فيها صولات وجولات، الصحافة الكويتية التي احتوت ناجي العلي أكثر من 11 عامًا، الأيقونة الفلسطينية السرمدية، حنظلة ظهر في الكويت في مجلة الطليعة الكويتية، معلومة لا يرددها كثيرًا الفلسطينيون لكن وجب التذكير بها، وبلد يحمل في ثناياه عددًا من المثقفين والأدباء جديرين بالاحترام، فيما ينظر ثوريًا للكويت على أنها المكان الذي تأسست فيه أولى خلايا حركة فتح، وهو ما يمكن تسميته بالزمن الثوري الجميل، وهذا ما يدرس في كراسات فتح عن نشأتها وجذورها داخل الأراضي المحتلة؛ حيث كانت توزع سرًا، وتدرس داخل السجون الإسرائيلية؛ حيث تنسخ هذه الكراسات بخط اليد ليطلع عليها أسرى حركة فتح داخل السجون الإسرائيلية، عمل أبو عمار وأبو جهاد أبرز قادة فتح ومؤسساها في الكويت، دعمت الكويت الثورة الفلسطينية بكل مراحلها حتى حرب الخليج، من انطلاقتها مرورًا بأحداث أيلول الأسود؛ حيث تمكن وزير الدفاع الكويتي الشيخ سعد العبد الله من إنقاذ عرفات الذي ارتدى عباءة الشيخ من بطش الملك حسين في عمان وتهريبه إلى القاهرة، دعمت الكويت المنظمة والثورة الفلسطينية سياسيًا وماليًا في كل مراحل نشأتها وتأسيسها وصعودها من الأردن إلى لبنان، وكانت اول دولة عربية تقتطع خمس رواتب موظفي الدولة من الفلسطينيين لصالح الصندوق القومي الفلسطيني، فيما للكويت ذكريات من نواحي اقتصادية واجتماعية محفورة في ذاكرة الفلسطيني، يعتبر الفلسطيني الذي عاش في الكويت هذا البلد من الزمن الجميل، يتذكر الفلسطينيون العائدون من الكويت أيامهم بحسرة ومرارة على ما مضى، الملكة الأردنية رانيا العبد الله فلسطينية الأصل من مواليد الكويت وعادت للأردن إثر حرب الخليج، لتتزوج الأمير عبد الله عام 1993 ليصبح ملكًا عام 1999 بعد وفاة والده الملك حسين.

دور الكويت في دعم الأراضي الفلسطينية؟

كانت فاتحة العلاقات الكويتية- الفلسطينية زيارة قام بها المفتي عام 1922 لجمع التبرعات للشعب الفلسطيني لمواجهة الحركة الصهيونية زمن الاستعمار البريطاني المسمى انتدابًا، تبع ذلك عام 1936 إرسال مدرسين فلسطينيين للتدريس في المدارس الكويتية، وصل عدد الفلسطينيين المقيمين في الكويت إلى نصف مليون فلسطيني، انخفض هذا الرقم إلى 60 ألفًا حتى عام 2004، كانوا يرسلون مبالغ شهرية للأراضي الفلسطينية، كانت جيدة لدعم الصمود الفلسطيني داخل الأراضي الفلسطينية.

دعمت العديد من الدول العربية وعلى رأسها الكويت القطاعين التعليمي والصحي في الأراضي الفلسطينية، خصوصًا في الانتفاضة الأولى، ويشار بالبنان إلى الكويت ويشهد لها بذلك، بالإضافة إلى السعودية والإمارات والعراق، كانت الكويت تغطي رواتب موظفي جامعات فلسطينية بأكملها، وأقساط الطلبة ورواتب موظفي مستشفى، مثل مستشفى المقاصد الإسلامية في القدس، أحد المعالم الفلسطينية العربية في القدس، كان ذلك يساعد كثيرًا صمود الشعب الفلسطيني، بلد محتل بلا بنية تحتية وبلا دولة وبلا اقتصاد، كانت تعد الكويت جزأ من رد الجميل للفلسطينيين الذين أثروا التعليم في الكويت، وساهموا في إعمارها ونموها الاقتصادي، كان للفلسطينيين دور محوري في بناء اقتصادات أخرى، كالاقتصاد الأردني واللبناني، ودور محوري في إثراء القطاع التعليمي والإعلامي والفني وبنائه في دول الخليج وليبيا ودول أخرى، يقال إنه في بلد كلبنان كان يخضع للانتداب الفرنسي، قلما تجد فيه ناطقًا باللغة الإنجليزية، لعب الفلسطينيون دورًا كبيرًا في إدخال اللغة الإنجليزية إلى لبنان، عبر عن ذلك طلال سلمان رئيس تحرير صحيفة السفير اللبنانية، التي أنهت طبعتها الورقية قبل عامين أو أقل بقليل نتيجة أزمة مالية خانقة تمر بها، حيث عنون مقاله في الصحيفة «الفلسطينيون جوهرة الشرق الأوسط صنعوا نهضة لبنان»، قال في مقاله إن فلسطينيي الإمارات وحدها يحولون إلى لبنان مبلغ 368 مليون دولار سنويًا، ونقل سلمان ذلك عن صحيفة الخليج، تحدث أيضًا عن دور مركزي للفلسطينيين في بناء نظام لبنان المصرفي، والدور الكبير في تأسيس الحركة الفنية اللبنانية، وإنجازات هائلة على كافة الأصعدة الإدارية والعلمية.

تدهور العلاقات الفلسطينية- الكويتية؟

على عكس ما يعتقده كثيرون قال الدكتور الصحافي الفلسطيني فتحي البرقاوي الذي عاش 20 عامًا متواصلة في الكويت، وعمل مع عدة صحف كويتية، في مقابلة على قناة الجزيرة في أغسطس (آب) 2003 إن علاقة عرفات تدهورت مع الكويت قبل الغزو العراقي للكويت بشهرين؛ إذ هاجم عرفات الكويت في القمة العربية المنعقدة في بغداد آنذاك على خلفية ذهاب جزء من عوائد تبرعات الفلسطينيين المقيمين في الكويت إلى حركة حماس الصاعدة آنذاك، في إشارة إلى التفاف على أحادية التمثيل الشرعي للشعب الفلسطيني المتمثل في منظمة التحرير الفلسطينية؛ حيث تم التجهيز لحملة صحافية إعلامية كويتية قوية ضد عرفات.

غزا العراق الكويت في أغسطس (آب) 1991، حاول عرفات بكل جهده السياسي التوسط بين صدام والخليج العربي، بالإضافة لجهود الرئيس اليمني صالح والملك حسين، كان للدولة العربية الأكبر مصر التي يقع على أراضيها مقر الجامعة العربية ورئيسها مبارك رأي مختلف تمامًا، يروي د. كمال ديب في كتابه «زلزال في أرض الشقاق» أن مبارك عمل جاهدًا على إفشال أي حل سياسي لضرب العراق، كان مبارك يعتقد أن صدامًا رجل مغرور ومصاب بجنون العظمة؛ حيث وجه لمبارك إهانات عديدة في أكثر من مناسبة، كان إحداها في العاصمة الأردنية عمان أواخر الثمانينات.

يبدو أن المواقف الشخصية للزعماء العرب تلعب دورًا كبيرًا في رسم سياسات بلدانهم كأنها مزارع أو إقطاعيات خاصة لحسابهم، قامت مصر بالتضييق على الوفد العراقي في القاهرة أثناء اجتماع الوفود العربية لمناقشة الغزو، قطعت عن الوفد العراقي الكهرباء والاتصالات وحتى الماء وعوملوا بشكل سيئ للغاية، تم عزل الوفد باختصار، لم يقف مع العراق في اجتماع الزعماء العرب سوى أربعة زعماء، كان عرفات رأس حربتهم والقذافي وعلي عبد الله صالح والملك حسين، ما زالت هذه الدول تدفع أثمان موقفها من حرب الخليج، تمترس صدام حول قراره بالغزو ولم يتجاوب مع التهديدات الدولية الخطيرة لبلده.

شعر الخليجيون الذين يملكون ثروات مالية ونفطية كبيرة بخوف غير مسبوق على عروشهم، كان صدام قبلها بشهور قد هدد بإحراق نصف إسرائيل في تصريح أثار ذهول العالم ولاقى إعجابًا منقطع النظير في الشارع الفلسطيني الخاضع لسياسة تكسير العظام والقمع الإسرائيلي الممنهج، ربط صدام انسحابه من الكويت بانسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة عام 1967 بما فيها الجولان السورية والقدس؛ فأثار إعجابًا أكبر في أوساط الفلسطينيين، أرسل صدام أول صواريخه «سكود» في يناير (كانون الثاني) 1992 أي الانتقال من مرحلة الأقوال إلى مرحلة الأفعال، تحول صدام إلى نبي الفلسطينيين؛ حيث بدأت تثار حوله الأساطير والأقاويل التي لا تجدها إلا في أساطير الإغريق والفراعنة والرومان، بدأ الفلسطينيون يرون وجه صدام يرتسم على القمر.

كنت ابن 8 سنوات وكنت أنظر إلى القمر، وبالفعل أرى صورة هذا الرجل، كان لصدام أثر نفسي في الفلسطينيين ما زالت أصداؤه بادية إلى اليوم، لا أعتقد أن شعبًا عربيًّا حزن على صدام يوم إعدامه أكثر من الشعب الفلسطيني والأردني للموضوعية، «علاقة الشعبين استثنائية»، آلاف الفلسطينيين أسماؤهم صدام أو صدام حسين، فضل الفلسطينيون صواريخ صدام على أموال الكويت التي كانت أحد أهم مقومات الصمود الفلسطيني مرحلة الثمانينات، تصرف الفلسطينيون في الكويت لحظة الاجتياح بشكل غير لائق لا ينسجم مع متطلبات كونك ضيفًا معززًا مكرمًا، وجد عرفات نفسه مضطرًا لمجاراة الرأي العام للشارع الفلسطيني في داخل فلسطين الذي أيد صدام بقوة، كان في قرارة نفسه يعلم خطورة ذلك، لكن قيادة خارج أرضها لا تستطيع أن تكون بمعزل عن شعبها وتوجهاته، القيادة بحاجة للشعب في ذاك الزمن أكثر بكثير مما للشعب حاجة لقيادته، أيد عرفات صدامًا فكان الجرح العميق الذي ربما لم يبرأ إلى الآن في صميم قلب الكويتيين، من المفارقات العجيبة أن الأمير الكويتي الذي قتل وهو يدافع عن بلده، الأمير فهد الصباح قاتل مع الفلسطينيين في لبنان وتل الزعتر 7 سنوات في صفوف المنظمة وأصيب 3 مرات، تدخلت 33 دولة لمحاربة العراق، ارتكبت مجازر بحق الشعب العراقي والجنود العراقيين نتيجة القصف الدولي المكثف، هزم العراق، شكلت هزيمة العراق صفعة قوية للشعب الفلسطيني ومنظمة التحرير.

قال عرفات الذي ضاقت به الدنيا وحوصرت منظمته بشكل غير مسبوق: «لقد سرنا عكس السياسة، لكننا لم نسر عكس التاريخ»، حررت الكويت ولاقى الفلسطينيون الطرد والتنكيل والتعذيب على يد أجهزة الأمن الكويتية، قطعت الكويت كل أشكال دعمها للشعب الفلسطيني، أثر ذلك كثيرًا على المؤسسات الفلسطينية التي ما زالت تعاني إلى اليوم، أثار هذا التوقف وهذا الغضب، مستشفى المقاصد الإسلامية في القدس ومعظم الجامعات الفلسطينية تعاني أزمات مالية خانقة، دخل الفلسطينيون مكره أخاك لا بطل، مؤتمر مدريد تحت ظل العلم والوفد الأردني، حدثت مفاوضات سرية تلت ذلك إلى أن وصلوا لاتفاق أوسلو في سبتمبر (أيلول) 1993، ووقعت رسائل الاعتراف الفلسطينية الإسرائيلية؛ حيث اعترفت المنظمة بدولة إسرائيل وحقها في الوجود، فيما اعترفت إسرائيل بشرعية تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني!

دخلت السلطة الفلسطينية غزة وأريحا أواسط صيف 1994 عقب شهور من مذبحة الحرم الإبراهيمي في الخليل؛ حيث كان هذا العام قاسيًا على الفلسطينيين، ثم استلمت مراكز المدن الفلسطينية في العام التالي، وكان آخرها قسمًا سمي «H1» في مدينة الخليل عام 1997، تلقت السلطة الفلسطينية دعمًا دوليًّا ماليًّا ثمنًا سياسيًّا مقابل هذا الاعتراف المتبادل، ساهم دخول السلطة بشكل كبير في تحسين القطاع الخدمي للشعب الفلسطيني، خصوصًا القطاعين الصحي والتعليمي، رغم كل ما يقال عن استفحال الفساد في مؤسساتها، لمس المواطن الفلسطيني ذلك أي أثر تحسن قطاع الخدمات، اندلعت انتفاضة الأقصى عام 2000، ذهب المرحوم للكويت في محاولة لرأب الصدع في مرحلة قاسية يمر بها الشعب الفلسطيني، ظهر الرجل على الفضائية الكويتية وتلقى إهانات وشتائم قاسية جدًا، ولإهانة أكبر في مجلس الأمة الكويتي، أصيب الرجل بنوبة قلبية توفي على إثرها، أثار ذلك غضب وحفيظة الفلسطينيين داخل الأراضي الفلسطينية، قام أحدهم بإحراق علم الكويت في جنازة الحسيني في أثناء سيرها من رام الله إلى مدينة القدس مسقط رأسه، بقيت العلاقة الفلسطينية -الكويتية فاترة، اجتاحت إسرائيل مناطق سيادة السلطة الفلسطينية المسماة«A»، ودمرت مقار السلطة المدنية والأمنية، ضغط المجتمع الدولي باتجاه تقليم أظافر ياسر عرفات وتحجيم صلاحياته.

استحدث منصب رئيس الوزراء حيث تولاه أبو مازن الرئيس الفلسطيني اليوم، حاول عمل زيارة للكويت في عام توليه المنصب نفسه، اشترطت الكويت قائمة مطالب تعجيزية مهينة للشعب الفلسطيني، وفي النهاية رفضت الزيارة، ربط أحد صحافيي الكويت د. عايد المناع استئناف العلاقات الفلسطينية- الكويتية برحيل عرفات أثناء مقابلة له على قناة الجزيرة في أغسطس 2003، استشهد عرفات وفاز أبو مازن بالانتخابات الرئاسية الفلسطينية، قام الرجل بزيارة خارجية زار خلالها الكويت واعتذر لهم بشكل واضح وجلي ورسمي عن الموقف الفلسطيني في حرب الخليج، تكلل ذلك بإعادة فتح السفارة الفلسطينية في الكويت في مارس (آذار) 2013 بعد إغلاقها مدة 22 عامًا.

موقف حركة حماس من غزو الكويت وعلاقتها بالكويت؟

تشكل حركة حماس حالة سياسية قوية جماهيريًّا ومؤسسيًّا في الأراضي الفلسطينية، حماس التي تفردت في حكم قطاع غزة منذ 2007 بعد اشتباكات دامية مع حركة فتح، حماس التي اكتسحت الانتخابات التشريعية الفلسطينية 2006، وشكل رئيس مكتبها السياسي اليوم إسماعيل هنية الحكومة الفلسطينية آنذاك، كان لحماس موقف رسمي مغاير لمنظمة التحرير الفلسطينية في حرب الخليج، رفضت حماس غزو الكويت، أصدرت حماس ثلاث بيانات آنذاك «البيان رقم «60» حيث رفض الغزو جملة وتفصيلًا، والبيان رقم «63»، حيث قال في أحد فقراته: «نحن لا ننسى إحسان أهل الكويت للشعب الفلسطيني خلال محنته»، وعبر عما وصفه إحساس حماس بفقدان الوطن، فيما أصدرت البيان رقم «64» وتحدثت في هذا البيان عن ضرورة تمكين الشعب الكويتي من تقرير مصيره واختياره لنظامه السياسي الذي يرضاه، مواقف لم تكن شعبية إطلاقـًا آنذاك في مجتمع ما زال للقوى العلمانية واليسارية اليد الطولى فيه، في حين كانت حماس بحاجة ملحة للجماهيرية، مجتمع صبغ صفة النبوة على زعيم عربي قصف إسرائيل بالصواريخ، الموقف الكويتي كان حادًا من كل الفلسطينيين، مع ذلك يبدو أنها أخذت بعين الاعتبار موقف حماس فيما بعد، للإخوان المسلمين حضور سياسي وبرلماني معقول في الكويت، زار الشيخ أحمد ياسين الكويت في أيار 1998 في إطار جولة إسلامية وعربية للشيخ عقب الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية في صفقة أردنية- إسرائيلية بعد محاولة الاغتيال الفاشلة لرئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل في العاصمة الأردنية عمان، أعرب الشيخ عن أمله في تحسين العلاقة الفلسطينية- الكويتية، كما أبدى استعداده للتوسط مع العراق لإنهاء ملف الأسر الكويتيين في العراق؛ ليتضح أن لا أسرى كويتيين في السجون العراقية بعد الغزو الأمريكي للعراق 2003، قيل إن دعوة وجهها صدام حسين للشيخ ياسين لزيارة بغداد ورفض الشيخ بسبب الموقف العراقي من قضية الأسرى والمفقودين الكويتيين، يبدو أن الكويتيين قدروا موقف حماس بمعزل عن كونها فلسطينية، لم تتحسن الأمور مع الكويتيين وبقيت على ما هي عليه.

ماذا بعد؟

45 ثانية نشرت لفيديو يتحدث فيه مرزوق الغانم رئيس البرلمان الكويتي في مؤتمر الاتحاد البرلماني الدولي المنعقد في سانت بطرسبورغ، طرد هذا الرجل الموفد الإسرائيلي وتكلم بقوة ونفس قومي عروبي لم تعهده الجماهير العربية منذ سنوات، أعاد هذا الرجل الأمل بصحوة جديدة للعالم العربي للالتفات إلى القضية الفلسطينية التي سقطت عن أجندات العالم العربي الرسمية وغير الرسمية، لاقت كلمة هذا الرجل ترحابًا واسعًا في الشارع الفلسطيني، انتشر الفيديو الخاص بكلمته وصورته كالنار في الهشيم على وسائل التواصل الاجتماعي الفلسطيني.

26 عامًا مرت على حرب الخليج وما زالت العلاقة الفلسطينية- الكويتية تبارح مكانها، باستثناء سماح الكويت لـ 400 معلم فلسطيني عام 2017 بالعمل في الكويت بعد انقطاع دام 26 عامًا، يبدو أن الجراح لم تندمل بعد، لكن يقر الشعب الفلسطيني سواء من عاشوا هناك في الكويت أيامهم الجميلة أو من اطلعوا على حيثيات الموضوع التاريخية بالخطأ تجاه الكويت فيما يخص حيثية التصرفات الفلسطينية داخل الكويت إبان الغزو العراقي لها، علمًا بأن كتابًا كويتيين وشهادات كويتية عديدة تحدثت عن مساعدات مهمة جدًا قدمها الفلسطينيون المقيمون في الكويت للكويتيين أثناء الغزو نظرًا لإمكانية الحركة التي منحتها لهم القوات العراقية، ومما لا شك فيه أنه لا يجوز أخلاقيًّا على الأقل لشعب محتل أن يساند احتلال شعب آخر ولا بأي شكل، لكن فيما يخص السياق السياسي التاريخي للأزمة فأي شعب مكان الشعب الفلسطيني بما كان يتعرض له سيدعم صدام ويقف معه، ومن العيب الوقوف مع غيره، احتلال يمارس أقسى أنواع القمع والتنكيل بحق الشعب الفلسطيني، وجاء من يقصف هذا الاحتلال البشع بالصواريخ، أو من يشترط بالانسحاب من الارضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967، فماذا تتوقعون أن يكون رد الفلسطينيين؟ قد يكون ختام المقال الحقيقة المرة التي لا يريد سماعها الكويتيون .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

ان الاوان-د.عصام الفليج
تطور العلاقات الفلسطينية الكويتية -د.فلاح المديرس
زلزال في أرض الشقاق- العراق 1915-2015 د.كمال ديب
الفلسطينيون جوهرة الشرق الأوسط-طلال سلمان
عرض التعليقات
تحميل المزيد