الظلم واحد باختلاف ممارسيه، والدم أحمرٌ لونه باختلاف الضحايا، والحرُ حرٌ باختلاف العمر، فحين تتكالب الأكلةُ على قصعتها لا بد من انتفاضة الأحرار؛ لتمنع ظلمًا استشرى وامتد وطال الضعفاء، فكانت تلك القوة التي أنطقت صغيرًا سُلبت منه طفولته.

قذائف متتابعة وصواريخ ممطرة وبراميل متفجرة وقنابل غازية لاذعة وكيماوي حارق واعتقالات واقتحامات وحواجز طيّارة وهدم للمنازل وقتل للأطفال وتعذيب ممنهج بطريقة غوغائية، ظلمٌ فاق الحدود؛ فنطق الصغار نُطق الكبار معبرين عن أنكم لستم آلهة تُوْكِلُون لأنفسكم حق سلب الأرواح.

تربعت فلسطين وسوريا على عرش المظلومين وتربع الاحتلال الإسرائيلي ونظام الأسد على عرش الظالمين المتعطشين لدماء الأبرياء.

هنا نطق كلٌ من الفلسطينية “جنى جهاد” وشريكتها في الألم السورية “بانا العابد” فكانتا سفيرتي الطفولة في زمن البندقية، لم يدرسا الإعلام علمًا، بل تخرجتا من مدرسة الحرب العنيقة والقاسية، حيث اتخذتا من الإعلام رسالة ومنبرًا لردع الظلم والاحتلال والحرب.

الفلسطينية جنى جهاد ذات الـ10 أعوام ابنة بلدة النبي صالح التي تشهد اقتحامات متكررة واعتقالات طالت الأطفال قررت أن تدافع عن قريتها وأصدقائها الشهداء من خلال كاميرا هاتفها المحمول الذي توثق من خلاله جرائم الاحتلال وتبثها عبر الإنترنت.

تحمل معها هاتفها وجرأتها وتنطلق متحديةً المخاطر مشاركةً في مسيرات المقاومة الشعبية ضد الاستيطان، تقاريرها المصورة كانت شاهدًا على عدوان الاحتلال وعنجهيته.

بالرغم من الخطر الذي تتعرض له جنى خلال احتكاكها مع جنود الاحتلال، إلا أنها تصر على الوفاء بوعدها لأصدقائها الشهداء مكملةً درب المصاعب.

باللغتين العربية والإنجليزية استطاعت جنى التأثير على قاعدة كبيرة من الجماهير التي تتابعها حول العالم عبر صفحتها على فيسبوك وتنقل لها ما يجري في فلسطين من ظلم إسرائيلي غفل عنه العالم.

في رسالتها الإعلامية تسعى جنى إلى الانتصار لشعبها وقضيتها وجعلها قضية عالمية مؤثرة على الرأي العام العالمي.

وتنافس فلسطين في ألمها ووجعها سوريا التي أوجعتها حرب الأسد منذ عام 2011 الأمر الذي أنطق الطفولة، فما كان من الطفلة بانا العابد صاحبة الـ(8) أعوام، إلا أن تنطلق بتغريداتها الجريئة من تحت أنقاض مدينة حلب عبر حسابها على تويتر [@AlabedBana‏].

بانا التي قضت جلّ عمرها في الحرب بدأت بتوثيق ما يحدث في مدينتها، تلك الجثث التي رأتها جعلتها رسول الطفولة السورية مطالبةً بالسلام والأمن الذي طالما حلمت به.

نجحت بانا في جعل قضيتها قضية رأي عام عالمي من خلال استخدامها للغتين العربية والانجليزية في جميع خطاباتها وكتبها التي خاطبت فيها العالم أجمع لنصرة اللاجئين والمشردين والثكالى والجرحى والأيتام.

مستعينة بوالدتها مُدَرِسة اللغة الإنجليزية تمكنت من إصدار كتابها الذي وثّقت فيه الأحداث الجارية في بلادها مخاطبة العالم أجمع ومتحدثةً بلسان الأطفال.

وقد حمل كتابها عنوان Dear World: A Syrian Girl’s Story of War and Plea for Peace، فيما قد لاقى كتابها إقبالًا مميزًا من قبل القراء خلال حفل توقيعه الذي جرى أكتوبر الحالي في واشنطن، الأمر الذي يعطي مؤشرًا على حدوث استجابة من قبل العالم لرسائلها، وهذا ما يأمله الجميع.

تمكنت تلك الأيقونة الحيّة من الخروج من سوريا والوصول إلى تركيا، وما زالت منبرًا فاعلًا في تحريك قضية السوريين من أجل إنهاء الحرب وديمومة الأمن.

الحروب لعنة تصيب البلاد؛ فتحيلها جهنم، وتقضي على أرواح كانت تُزيّنُ تلك البلاد وتُبقيها جنة، وببقاء الحروب تبقى المقاومة، وحتى الطفل يتكلم معترضًا. جنى وبانا كانتا نموذجين من نماذج مقاومة الحروب والاحتلال، وبهما تبقى
البلاد نابضةً حيّة تسعى نحو الحرية والنصر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد