لم يكن تفجير البطرسية بالكاتدرائية في مصر هو بداية تنامي الإرهاب، ولكنه الحادث الأخطر دلالة على فقدان القدرة الأمنية في منعه؛ وبين توحش داعش بشمال سيناء وظهور أذرع تحمل السلاح من المنتمين للإسلام السياسي بدون توجه رسمي منهم؛ تأتى على مصر والمنطقة العربية مرحلة تاريخية شديدة الخطورة تكاد تكون إما خروجًا نهائيًا من التاريخ الإنساني بلا عودة؛ وإما مخاضًا حقيقيًا لولادة تبعث تلك الأمة من جديد، وفي ظل تلك المعطيات لا بد أن نتعامل مع الأحداث بشكل أعمق من ظاهرها؛ ونعود لمعالجة الجذور والأصول لمشكلات دول ما بعد الانهيار!

في مواجهة «الإرهاب» المشكلة التي تتصدر آلامنا ومخاوفنا؛ علينا أن نعرف من أين أتى؛ علينا أن ندخل في عمق الأزمة ونقول بوضوح إن الإسلام السياسي، وعلى رأسه الإخوان المسلمون بمصر؛ انحرف عن عباءتهم الفكرية كل الأيديولوجيات الإرهابية في جميع أنحاء العالم؛ والآن بتفكك الجماعة نفسها بفعل القمع الأمني والتي لم تكن مماثلة لداعش أو النصرة قبل القهر والاعتقال والتعذيب والمقاتل المتفرقة لأتباعها أصبحت مفرخًا حقيقيًا للمتطرفين؛ مع العلم بأن الجماعات الجهادية المتطرفة مختلفة؛ نشأة وممارسة، عن الإخوان بل يكفروهم من حيث الأصل؛ لكن الذي يهمني هو الفكرة الأساسية للحكم باسم الإسلام؛ نزعة السيطرة على الآخرين نفسها؛ لكن مع إعلاء القوة في مواجهة الواقع السيئ؛ ومعاملة الأديان الأخرى بتكفير وازدراء ومعاملة المسلمين المخالفين لهم بتكفير واستهداف يصل لإزهاق الأرواح؛ حدث ذلك في العراق وفي أفغانستان وسورية معاقل «الاستبداد»، ليس صدفة إذن أن يتنامى الإرهاب في ظل  بطش الاستبداد؛ ويقوى العنف في ظل قمع الآخر للمجتمعات التي أنتجت التطرف الديني.

وهنا نؤكد بأن كل النتائج التي وصلت بنا لتلك المرحلة من الفوضى واللامعنى، حتى لشعارات دينية كنا نقدسها سابقـًا رغم فاشيتها؛ دون وعي من أغلب المسلمين؛ هي نتيجة حتمية لعصور قمع سياسي وفكري وديني أنتج قنابل موقوتة تقلب الحقائق وتجعل من الفروع الدينية أصول عقدية بسفاهة لا مثيل لها؛ لكن السؤال هل يتحقق استئصال الإرهاب بمزيد من القمع للأيديولوجيات الإسلامية التي عملت سابقـًا في الشأن العام بسلمية؛ دون تفريق بين من كانت بدايته العنف الجنوني وحمل السلاح؛ كتنظيم داعش، ومن انتهى جزء منه إلى العنف كالإخوان مثلاً؟

في الحقيقة حدث ذلك في مصر، وتم ارتكاب مذابح ضد الإخوان واعتقال لأغلب قياداتهم وتفكيك جماعتهم وحزبهم، وكانت النتيجة وفق معدل الجرائم ب2012 مقارنة بمعدل ونوعية الجرائم في 2015 وما بعدها حتى يومنا هذا هو زيادة معدل الإرهاب بشكل مطرد؛ وتنامي الأذرع مسلحة مجهولة ونوعيات في العمليات مرعبة لدرجة أن تستهدف كنيسة بحراسة الكاتدرائية وأهمية موقعها في وضح النهار ومن الداخل!

نعم كل التنظيمات الإرهابية المسلحة نتجت من مخرجات الإسلام السياسي نفسها التي تعد جماعة الإخوان المسلمين في مصر هي المؤسس الشرعي له بالعصر الحديث.

لكن مراجعة تلك الأفكار وتجفيف منابع التطرف الديني لن يتحقق تحت حكم استبداد وغياب دولة القانون وانهيار التعليم وتطرف الإعلام «المكارثي» الذي يدفع جموعًا للتمسك بالتعصب الديني واعتبار أن فكرهم الإرهابي محق .

لأنه لا تتم الثورات الفكرية والتخلص من الرجعيات الدينية تحت مقصلة النُظم المستبدة وفي ظل الاضطهاد الفكري والانهيار الاقتصادي الذي يعاني منه المصريون الآن.

إذن لا نتيجة لقمع الحركات السياسية  التي تتبنى الإسلام السياسي نظرًا لدفع المنتمين لها لتبني العنف المسلح وعدم القدرة على سيطرة القيادات المعتدلة على الأفراد المنتمية لجسم ضخم انهار تنظيمه مع وجوده بأغلب محافظات مصر؛ وماذا تنتظر بعد سد أفق العمل السلمي وعدم إعطائهم حقهم في التطور الفكري الطبيعي الذي سيتم في أجواء الجدل السياسي السلمي ومن خلال تداول  للسلطة وسيادة دولة القانون والمساواة؛ وفي ظل انتشار التعليم وتطوير التدريس للعلوم الإسلامية بشكل يقدم تطورًا فكريًا نابعًا من الناس، وليس مفروضًا عليهم؛ فالتغيير في الأيديولوجيات الفكرية لا يأتي بوضع المسدس في رأس قيادة هنا أو أفراد هناك، وبارتكاب إبادة أو اعتقال آلاف؛ بل سيؤدي بك العنف المستمر إلى الحال الذي وصلت لها الآن؛ فلا تعلم كيف تحارب الإرهاب؛ ولا تسيطر قيادة واحدة على شباب فقد عقله بعد أن فقد كرامته وأمنه.

وبعيدًا عن تنظيم الإخوان لأنه في النهاية لم يعد له شكل واضح يتبنى مسلك العنف المسلح حتى الآن، وبنظرة أوسع على الجماعات المسلحة التي منذ نشأتها تبنت التكفير والقتل؛ ننطلق للسؤال الأهم كيف تتكوّن عقلية الإرهابي بشكل عام؟

مبدأيًا هناك إشكالية في تكوين عقلية من يحمل السلاح لفرض أفكاره الدينية واعتبار الصراع مع النظم أو الشعوب هو صراع وجود عقدي يمحو الآخر.

– بالتأكيد لن تجد مجتمعًا به تعددية سياسية وفكرية وعقدية طبيعية دون قمع وقهر ينتج هذه النوعية من الإرهابيين إلاّ في حالات شاذة، وفي الأغلب سيكون قادتهم نتاج مجتمعاتنا العربية المستبدة أيضًا!

– بالتالي نستنتج أن هذا الإرهابي هو نتيجة حتمية للاستبداد والجهل، ومواصفاته الرئيسية أنه:-

– إنسان عدائي في طبيعته يميل للتشدد بشكل عام، فحتى لو كان غير مسلم بالتأكيد سيكون متطرفًا مسيحيًا أو يهوديًا، وإن أصبح غير متدين سيكون متطرفـًا في إلحاده يزدري الآخرين.

– يؤمن بشيء هلامي يعتقد أنه نظرية حياة أو موت تخص حكم شرع الله وتطبيق الشريعة؛ هنا أقول هلاميًا لأنه لا يوجد نظريات واقعية تشرح لنا سياسيًا وقانونيًا واقتصاديًا كيفية تطبيق تلك الشريعة التي يتخذونها شعارًا مفرغًا من مضمونه السليم.

– هذا الإرهابي يعتقد بالولاء والبراء تلك العقيدة الفقهية المتحولة من قرون متأخرة؛ والتي تسقط اعتبار التعدد الديني والمذهبي والفكري من حسابها بل تتبرأ من قيمة الوطن ذاته في سبيل العقيدة المقدمة ولاءً على أي شيء آخر والأخطر أنها تخلط بين أحكام فقه الجهاد المقصود بها دار الحرب؛ ليطبقوها بشكل منزوع السياق أوطانهم؛ وبالتالي يتم الخلط المتعمد بين العدو المحارب «المخالف في المعتقد» وبين ابن الوطن المخالف دينيًا؛ ويستقدمون فقهًا ومسائل شرعية منزوعة السياق والزمان لواقعنا المعاصر؛ ومن هنا ينشأ كل ذلك التكفير والتحريف للإسلام وركيزة شريعة الإرهاب.

– أيضًا لا فارق لديه بين الدين والدنيا فكل شيء دين، وكل ما عدا النص الشرعي أمر وضعي محرم؛ ذلك النص الشرعي الملعوب في فهمه والمحرف في تفسيره و الذي يستنبطه الإرهابي وفق اجتهاد القرون الوسطى، أو في سياق فهم قادته الجهلاء لمراد الله في شؤون خلقه!

لنصبح في المجمل أمام منتج إنساني مشوه تعلم قشور الدين والسمع والطاعة دون إبداع فكري ولا تجربة روحية تخصه مع ممارسته لمعتقده فهو يعتقد أن أصل الدين فرعه وقمة سنام التدين طقوسه وتمام العلم الشرعي ترديد النصوص الفقهية القديمة!

– وفي ظل كل تلك المعطيات داخل عقلية المتطرف  ينتج منه مشروع إرهابي لم يتسن له حمل السلاح بعد، فمن الذي دفعه لحمل السلاح والتحول من الفكر للفعل؟

– هنا أصل الكارثة، يظل هذا الشخص المسلم المتطرف داخل جماعة دينية أو مدرسة أو قرية مجرد مشروع يمكن أن يتحول لإرهابي حقيقي، ويمكن أن يتغير فكره ويتطور للأفضل؛ فليس ثمة حتمية في تحوله للعنف المسلح أو عمله كانتحاري، رغم كل ما سبق؛ وهنا يتدخل قدر العرب الأزلي «الاستبداد السياسي» ليقوم بدوره على أكمل وجه؛ فيقمع ويقتل ويسد أي أفق للتغيير السياسي ويجفف منابع نشر المعرفة؛ ويكمم أفواه الحالمين بعصر أفضل؛ ويمحي أي بديل يهدد استمرار الطغيان على كراسي السلطة؛ لا مجال أمامك أنت محاصر من كل اتجاه، أنت مغيب رغم وجودك بوطن يدعي أنك منه، لا صوت لك، ولا حق في الحياة مع مطاردة مستمرة واعتقال أو إفقار أو تهجير.

عندها تتم الخطوة الأخيرة؛ فقد أصبح الإرهابي مكتمل النمو ينتظر عصابات خارجية وداخلية تدربه على حمل السلاح، وتوجهه للنيل من كل ما تمثله تلك الدولة الباطشة؛ فهو كاره للحياة ولنفسه ويعتقد سلفـاً بأن لا سبيل لسعادته في تلك الدنيا الحقيرة الملخصة في بلده الظالمة؛ إلاّ بدخول الجنة، وأن الدنيا ضيقة جدًا على أمثاله؛ فلا طموح في شيء يستحق؛ وكل أحلامه في لقمة العيش مؤجلة، بل حتى أحلامه الغريزية لا يجد لها منفسًا غير تمني الحور العين؛ وقتها سيجد أن مغادرة الدنيا أبقى إليه من العيش فيها، وهنالك سيحمل السلاح بعقل مفرغ وفقه محرف وكراهية زرعتها فيه سنوات القهر؛ وجهل مطبق ناله من تعليم عقيم لا طائل منه ببساطة لأن قادة دولتنا قناعتهم «هيعمل إيه التعليم في وطن ضائع»، وأولوياتهم أن بناء السجون أهم من بناء المدارس وشراء السلاح أولى من نشر المعرفة وأفضل من كرامة الإنسان وحريته.

وبعد كيف تعالج النتيجة دون استئصال سببها؛ فقد تم اختراق أهم ما يملك الوطن وانهار الأمن القومي في ركنه الأصلي «الإنسان»؛ وها قد حان وقت الانتقام والقتل، وأصبح لدينا إرهابي مكتمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رابعة
عرض التعليقات
تحميل المزيد